التحليلات - التحولات الاقتصادية

فرص مستقبلية:

اقتصادات إكسبو.. إرث ممتد وعوائد مضاعفة
الإثنين، 11 أكتوبر، 2021
فرص مستقبلية:

يعد "إكسبو 2020 دبي" من أهم الأحداث العالمية الكبرى، فهو ثالث أكبر حدث في العالم بعد الأولمبياد وكأس العالم وذلك لدوره المهم في التأثير الثقافي والاقتصادي. فهو مهرجان للابتكار البشري ووجهة عالمية للملايين الراغبين في الحصول على تجربة فريدة في تطوير الإبداع البشري. فهو يربط دول العالم من خلال منصة واحدة تعرض فيها الدول أحدث ابتكاراتها واختراعاتها، ويتم فيه تبادل الأفكار والرؤى والحلول الجديدة لأكثر مشاكل العالم إلحاحاً. فمنذ نشأته، قدم إكسبو للبشرية الكثير من الاختراعات العظيمة على رأسها الكمبيوتر، والتلفزيون والمعدات التكنلوجية، فضلاً عن تدويل بعض المكونات الثقافية مثل بعض أصناف الطعام والمنتجات الزراعية التي لم تكن مألوفة محلياً.

تحقق الدول المضيفة العديد من المزايا التي لا تقتصر فقط على المزايا الملموسة، مثل النمو الاقتصادي المباشر وتحديث وتطوير هياكلها الأساسية والبنية التحتية، بل هناك عوائد إضافية تتمثل في بناء علاقات دولية أقوى بين البلدان المعنية وتوطيد العلاقات الثقافية والدبلوماسية وتشجيع تبادل المعرفة في المجالات كافة من التعليم إلى التجارة.

وهناك العديد من الأمثلة التي تؤكد الفرق الذي أحدثه إكسبو في اقتصاد الدولة المضيفة، ففي مدينة مونتريال في كندا، ساهم معرض إكسبو 1967 في تحقيق معدل نمو مرتفع للمدينة عقب الحدث مباشرة نتيجة تحسين البنية التحتية الرئيسية وربط المدينة بشبكة طرق حديثة. وكذلك الحال بالنسبة لمعرض إكسبو شنغهاي عام 2010 الذي أتاح الفرصة للصين لتبرز مدينتها عالمياً وتعزز علاقاتها الدولية من خلال الترويج لنفسها كدولة متطورة تكنولوجيا تتطلع إلى الأمام وتنافس عالمياً.

ومثل هذه الفرصة العالمية والضخمة ستعزز حتماً وجود دولة الإمارات العربية المتحدة على الخريطة الدولية كدولة سعت إلى وضع معايير عالية لمجتمع متسامح وشمولي وعالمي. فضلاً عن تأثير هذا الحدث المباشر على الاقتصاد الوطني بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة بالدولة. فقد أشارت التوقعات إلى أن إكسبو 2020 سيساهم في جذب استثمارات أجنبية إلى الدولة خصوصاً إلى القطاعات الاقتصادية المهمة، مثل قطاع الخدمات المالية والبناء والسياحة والضيافة. كما يتيح فرصاً مواتية للعديد من الشركات الأجنبية للاستقرار في الدولة.

أثر اقتصادي ممتد:

تتمتع دولة الإمارات ببنية تحتية حديثة وتقنيات عالية التطور، ورؤى استراتيجية داعمة ومعززة للابتكار، ما يجعلها جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر، وسيساهم إكسبو دبي في توسيع آفاق الاستثمار وزيادة فرص ريادة الأعمال الأجنبية والمحلية، ما يؤثر إيجابياً في معدلات النمو وفرص العمل.

فلطالما شكلت دبي محور جذب للمستثمر الأجنبي، فتشير الإحصاءات إلى أنه برغم وباء كورونا فإن دبي حافظت على ثقة عالية للمستثمرين، حيث بلغ إجمالي تدفقات رأس المال المقدرة للاستثمار الأجنبي المباشر 24.7 مليار دولار في عام 2020، وهو لا يفرق كثيراً عن إجمالي 28.6 مليار دولار أمريكي لعام 2015. وقد اتخذت بالفعل خطوات تشريعية كبرى لتعزيز مكانتها وجذب الاستثمار الأجنبي وذلك بتعديل قوانينها واستحداث قوانين جديدة داعمة مثل قانون الإفلاس والإعسار الذي أقر في 2016 وقانون الاستثمار الجديد الذي أقرته الدولة في 2018، والذي يسمح الملكية الأجنبية بنسبة 100٪ في بعض القطاعات الاستراتيجية. 

ويعد استقطاب الشركات ذات الإنجازات المبتكرة والمبدعة من الأهداف الرئيسية لإكسبو 2020، ومن المتوقع أن تستقر العديد من هذه الشركات الرائدة في دولة الإمارات، وهذا من شأنه أن يخلق اقتصاداً أكثر تنوعاً ومرونة ويعزز الحلول المبتكرة والمستدامة. وقد أوردت المصادر الحكومية أن العوائد المتوقعة من هذا الحدث قد تصل إلى 33 مليار دولار، واستقطاب ما يزيد على 53 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي في عدة قطاعات مثل العقارات والضيافة والسياحة. 

كما يتوقع حدوث تغييرات جذرية في الصناعات المحلية نتيجة تبنيها التقنيات الحديثة ما يفسح لها مجالاً واسعاً في الأسواق العالمية. فهذا الحدث من خلال سعيه لبناء وتطوير علاقات تجارية دولية جديدة، يهيئ الفرصة للوصول إلى قنوات تجارية فعالة والاستفادة من الأسواق الجديدة الناشئة في جميع الدول، خصوصاً أسواق آسيا وأفريقيا. 

فمنذ الإعلان عن استضافة الحدث في 2013 بدأت تظهر مؤشرات إيجابية على الاقتصاد الوطني، تمثلت في زيادة مؤشر سوق الإمارات للأوراق المالية بنسبة 4٪ "وهي المرة الأولى منذ عام 2008 التي يتجاوز فيها المؤشر 3000 نقطة". 

ومن المتوقع أن يصل عدد زوار المعرض لحوالي 25 مليون سائح وهذا من شأنه أن يساهم في رفع معدلات الإشغال في الفنادق ويزيد في عدد مستخدمي وسائل النقل وزوار مراكز التسوق، هذا غير فرص العمل التي ارتبطت بالحدث، فيقدر أنه يتطلب حوالي 200 ألف وظيفة إضافية. وتتوقع البلاد تأثيراً طويل الأجل للاستثمارات، وزيادة في إقامة الوافدين من الجنسيات الأخرى، مما سيساهم في تعزيز وتطوير جودة الحياة ويدعم الاستهلاك المحلي.


أنماط جديدة للاستثمار:

اعتمد إكسبو 2020 في تلبية 50٪ من احتياجاته من الطاقة على مصادر الطاقة المتجددة، (الشمسية والكهروضوئية المتكاملة)، وذلك في إطار تعزيز "الاستدامة" التي تعد من الأهداف الرئيسية للخطط الاستراتيجية في دولة الإمارات، ويتوقع أن يوفر معرض إكسبو فرصة مواتية لإبراز المبادرات الخضراء لدولة الإمارات، وحجم الاستثمار في الطاقة المتجددة والمستدامة من ناحية، وبالتالي جذب رواد وأصحاب الأعمال المستهدفين الاستثمار في تكنولوجيا الابتكار الأخضر. خاصة أن ذلك يأتي بالتزامن مع افتتاح أول محطة للطاقة النووية في العالم العربي في دولة الإمارات، فضلاً عن توفر الطاقة الشمسية لساعات طويلة في معظم بلدان الشرق الأوسط، وهو ما يجعل من الحدث مدخلاً جذاباً للمستثمر الأجنبي في المنطقة ويساهم في استقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية في الطاقة الشمسية والنووية. 

وحيث إن إكسبو 2020 هو الأول في المنطقة فإن النجاح المتوقع له ممكن أن يتيح الفرصة لدول أخرى في الشرق الأوسط بأن تصبح وجهة محتملة لاستضافة معرض إكسبو العالمي خلال السنوات المقبلة، مما سيكون له بالتأكيد تأثير اقتصادي كبير على المنطقة بأكملها. 

تعزيز ريادة الأعمال:

لم تتوان دولة الإمارات عن دعم وتحفيز رواد الأعمال والشركات الصغيرة في جميع مراحل التطوير. بل أن دبي تقدم مزيداً من الدعم من خلال مسرع دبي للمستقبل، الذي يساعد رواد الأعمال على استخدام المدينة كمختبر لخلق حلول للتحديات العالمية في المستقبل.

وقد ترجمت مبادرات كهذه على مدى السنوات القليلة الماضية إلى فوائد ملموسة لأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث احتلت الإمارات المرتبة 21 من أصل 190 في تقرير البنك الدولي عن ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2018، ثم قفزت إلى المرتبة 16 في تصنيفها لعام 2020 في مؤشر "سهولة ممارسة أنشطة الأعمال". بالإضافة إلى ذلك، تساعد المسرعات المدعومة من الحكومة مثل مسرعات دبي المستقبلية وStartAd   في أبوظبي، مع صندوق خليفة على خلق نظام محفز للشركات الصغيرة والمتوسطة يساعدها على التطور والانطلاق.

 ومن المتوقع أن يساهم التدفق الهائل للاستثمارات من خلال إكسبو 2020 إلى دعم وتعزيز هذه الفرص بصورة أكبر، حيث يوفر منصة غير تقليدية للشركات الصغيرة والمتوسطة من جميع دول العالم لتنمو وتنطلق من دولة الإمارات، فإن التدفق الكبير لزائري المعرض، سيتيح للشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة التواصل بصورة مباشرة مع أكبر عدد من المستثمرين المحتملين، والشركاء الذين يهدفون إلى بناء شراكات استراتيجية. "وفرصة فريدة لتعزيز التواصل من خلال بيئة يكون فيها الناس منفتحين ومستعدين للمشاركة".

 بالإضافة لما سبق فإن إكسبو 2020 سيقدم لأصحاب الأعمال منصة أعمال دولية فريدة لتسويق منجاتهم لجمهور من المستهلكين والمستثمرين المحليين والإقليميين والعالميين. وقد ذكرت بعض التقارير أن 80٪ من القادمين إلى دبي يتوقعون أن يكونوا قادرين على عقد التشبيكات والاتفاقات التعاونية، بهدف توسيع التجارة العالمية في نهاية المطاف، حيث تم إدراج ما يقرب من 40,000 شركة صغيرة ومتوسطة الحجم من أكثر من 150 دولة في سوق إكسبو 2020 عبر الإنترنت للمشاركة والاستفادة من الحدث العالمي المهم.

رفع قدرات رأس المال البشري:

ساهم إكسبو دبي إيجابياً في خلق العديد من فرص العمل للشباب. فمع افتتاح مكاتب للشركات المشاركة في دولة الإمارات في الفترة التي سبقت المعرض، تم خلق المزيد من فرص العمل والتي ستستمر خلال الأشهر الستة إلى الثمانية المقبلة وما بعدها. وتشير التقديرات إلى أنه من المتوقع أن يخلق النشاط الاقتصادي المعزز ما يقارب من 300,000 فرصة عمل جديدة في جميع أنحاء دولة الإمارات، وأن يجتذب مجموعة جديدة تماماً من المواهب. 

ويتوقع البعض أن يكون لمعرض إكسبو 2020 تأثير كبير على المنطقة ككل، حيث سيتم توفير 60 فرصة عمل في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقابل كل وظيفة يتم خلقها في الإمارات. وفي المجموع، من المتوقع أن يتم توفير ما يقرب من مليون سنة عمل بين عامي 2013 و2021 أي ما يعادل متوسطاً تقريبياً يبلغ 50 ألف وظيفة مكافئة بدوام كامل سنوياً. فمنذ بدء استعدادات إكسبو في عام 2013، تم توظيف العديد من الموظفين من أنحاء العالم لتخطيط وتصميم ووضع استراتيجيات وتنفيذ وبناء وتطوير البيئة والبنية التحتية بأكملها لمعرض إكسبو 2020 دبي. ووفقاً لموقع إكسبو 2020 الرسمي في دبي، سينتج الحدث أيضاً ما بين 50,000 إلى 90,000 وظيفة بدوام كامل بين عامي 2013 و2031 .

وفي السياق نفسه فإن معرض إكسبو 2020 من خلال اعتماده على مجموعة كبيرة من المتطوعين الذين يجيدون اللغات العالمية وتم إعدادهم وفقاً للمعايير العالمية على للإلمام بالبروتوكولات الاجتماعية، من أجل مساعدة وإرشاد الزوار، فقد ساهم ذلك في تطوير رأس المال البشري في الدولة وخلق مجموعة منظمة ومدربة من الشباب ذوي الكفاءة والتجربة العملية الذين يمكن توجيه طاقتهم بعد نهاية الحدث إلى وظائف مستحدثة ومشاريع ابتكارية تكون رصيداً بشرياً لوظائف مستقبلية تخدم قطاع السياحة والتجارة والترفيه وغيرها من الوظائف المستقبلية غير التقليدية.

حدث مؤقت ومكتسبات دائمة:

عادة ما تقيم الأحداث المهمة بما يترتب عليها من مكتسبات على المدى الطويل فالدولة المضيفة في الغالب ما تنظر إلى الفوائد التي يمكن أن يجلبها الحدث وتستمر بعد انتهائه. وحسب التجارب السابقة، فإن معارض إكسبو تعتبر فريدة وليست كغيرها من الأحداث العالمية فهي عادة ما تترك آثاراً ذات أهمية للدولة المضيفة تعوض ما تم إنفاقه من موارد. حيث يسمح مثل هذا الحدث بخلق تركة دائمة تتمثل بالمعالم التي تم صنعها، مثل برج إيفل (باريس) وأتوميوم (بروكسل)، وإبرة الفضاء (سياتل)، ويونيسفير (نيويورك)، وبرج الشمس (أوساكا). وحيث إننا ندرك حجم الاستثمار الذي وجه لإكسبو 2020 والموارد التي سخرت لإنجازه، فمن المتوقع أن تكون هناك رؤية مستقبلية لما بعد إكسبو مع تركيز على الأهداف طويلة الأجل. والتي عادة ما يتم التخطيط لها بعناية من أجل دعم الرؤية المستقبلية لدولة الإمارات والهادفة إلى تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، والتوجه نحو اقتصاد قائم على الابتكار بخلق بيئة أعمال تشجع بشكل مباشر التقدم في الصناعات الاستراتيجية المحفزة للنمو الاقتصادي.

ولتجنب المشاكل التي تعرضت لها بعض الدول المضيفة السابقة المتعلقة بالمرافق غير المستغلة بعد انتهاء الحدث، فإن الهياكل الأساسية لمعرض إكسبو تم تصميمها بحيث يمكن استخدامها لأغراض أخرى في المستقبل. فالبنية التحتية والمعالم السياحية والحدائق والمساحات التجارية التي تم إنشاؤها يمكن استخدامها مستقبلا لعديد من الأنشطة التجارية والترفيهية أو السكنية، كما أن تحسين الشوارع ووسائل النقل العام لا شك أنها ستلبي احتياجات المدينة على المدى الطويل، وذلك حيث تم تصميم المساحات بأسلوب يجعلها مرنة ومتعددة الاستخدامات، ولذلك فإن إكسبو "يخلق إرثاً دائماً بسبب المعالم التي يصنعها.

الكلمات المفتاحية: إكسبو 2020

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات