العروض - الدراسات

عقبات متعددة:

لماذا تتباطأ سلاسل توريد لقاح كوفيد-19 لدول العالم؟
الخميس، 30 سبتمبر، 2021
عقبات متعددة:

عرض: رشا صادق - باحثة إعلامية

بعد شهور عديدة من الموافقة على استخدام لقاحات كوفيد- 19، مازالت الكميات التي تضخ غير قادرة على تقليل الخسائر البشرية والتكاليف الاقتصادية التي نتجت عن الجائحة. هنا يأتي التساؤل؛ هل يمكن تسريع وتيرة تصنيع المزيد من الجرعات؟ هل اللجوء لسياسات بديلة للتعامل مع الجائحة قد يُحدث تأثيراً؟ 

في هذا السياق، قدم الباحثان تشاد ب. باون - زميل أول في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، وتوماس جيه بوليكي مدير برنامج الصحة العالمية وزميل أول للصحة العالمية والاقتصاد والتنمية في مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، ورقة بحثية بعنوان "كيف ظهرت سلاسل توريد لقاح كوفيد- 19 خلال الجائحة؟". 

تقدم الورقة إطاراً تحليلاً مبسطاً حول ملامح سلاسل توريد لقاح كوفيد- 19، ثم توضِّح بيانات تتضمن سلاسل توريد اللقاحات التي ظهرت في عامي 2020 و2021 مصنفة حسب المنتج والموقع، بالإضافة إلى وصف العملية الدقيقة التي تشارك فيها ما يقرب من 100 شركة لتوسيع نطاق التصنيع العالمي، كما عرضت الورقة مبادرات الحكومات المختلفة التي أثرت على أداء سلاسل توريد اللقاح، وتوقيت ظهور اللقاحات، وفي النهاية، طرح الباحثان بعض التساؤلات المتعلقة بالاستشراف المستقبلي لإنتاج المزيد من جرعات اللقاح.

مراحل الإنتاج:

يعد تصنيع اللقاح عملية متعددة المراحل تتطلب تعاوناً بين المؤسسات الصناعية على نطاق واسع، وتعتبر أول مرحلة في التصنيع هي البحث والتطوير والتكلفة المرتبطة بمرحلة التجارب قبل السريرية والاطلاع على الدراسات السابقة في هذا المجال، ثم يتم إرسال مكونات اللقاح لتبدأ المرحلة الثانية المتمثلة في التجارب السريرية، والتي تتخللها عدة مراحل تبدأ بإجراء التجارب على أعداد قليلة نسبياً من الأصحاء لتقييم مدى أمان اللقاح، وتحديد الجرعة المناسبة، ثم يعطى اللقاح لعدد أكبر من الأشخاص لتكوين تقديرات أولية حول السلامة والفعالية وتحديد الآثار الجانبية، إلى حين الوصول للمرحلة الثالثة التي تتطلب إجراء التجارب السريرية على عشرات الآلاف من الأشخاص ومتابعتهم، وتجرى جميع هذه التجارب وفقاً للبروتوكولات التي أقرتها وأشرفت عليها الوكالات التنظيمية الوطنية ولجان الأخلاقيات.

عند الانتهاء من خطوات اختبار اللقاح، تبدأ المرحلة الثالثة، وهي تصنيع اللقاح التي تمر بمرحلتين منفصلتين؛ الأولى، إعداد المادة الدوائية وتحويلها إلى منتج دوائي، أما الثانية فهي التعبئة. وتحدث الباحثان بالتفصيل عن تلك المرحلتين، حيث تقتضي مرحلة إعداد المادة الدوائية وتحويلها إلى المنتج الدوائي توفير تكلفة ثابتة لمُدخلات الإنتاج، المتمثلة في معدات جوهرية متخصصة، وتوظيف عمالة ماهرة، إلى جانب توفير بعض المواد الخام التي تستخدم مرة واحدة، وبعض المكونات الدوائية الأخرى. أما مرحلة تعبئة المنتج الدوائي وإقفاله ليصبح اللقاح جاهزاً للتوزيع، تتطلب معدات متخصصة لخطوط التجميع، بالإضافة إلى مستلزمات مختلفة ما بين زجاجات وسدادات، وبعض المواد الخاصة بالتعبئة والشحن، وفي بعض الأحيان وحدات تخزين مبردة.

 أما المرحلة الرابعة والأخيرة فهي توزيع اللقاح، وتستلزم توفير بعض المستلزمات مثل الإبر والسرنجات والمُخففات، حيث يتم شحن بعض اللقاحات مجمدة، وفي صورة مركزة ليتم تخفيفها وقت إعطاء اللقاح.

اللقاحات المعتمدة:

توصلت الدراسات - التي أجريت من خلال تحالف ابتكارات التأهب الوبائي CEPI)) ومنظمة الصحة العالمية – إلى أن معدلات إنتاج وتوزيع اللقاح موزعة جغرافياً وفقاً للإمكانيات الاقتصادية للدول المختلفة، أي حسب قدرة كل دولة على تصنيع اللقاح محلياً أو استيراده وتخزينه، وتختلف الجرعات للقاح ما بين جرعة واحدة كلقاح جونسون وجرعتين للقاحات الأخرى، وذلك تبعاً لآلية تصنيع اللقاح وطريقة العلاج به، والتي عرضها الباحثان بشكل مفصل كما يلي:

1) فايزر: تعاونت شركة فايزر مع شركة ألمانية لإنتاج أول لقاح ضد كوفيد 19 الذي تم اعتماده في ديسمبر 2020، وبناء على ذلك تم إنشاء نظام إنتاج وتوزيع متكامل بين مصانع الدواء الموجودة بألمانيا وبلجيكا وبعض الولايات الأمريكية، وبعد ذلك لحقت بها الشركات الأوروبية الأخرى مثل نوفارتس، وحالياً تم التعاقد مع سنغافورة ثم الصين، وأخيراً أفريقيا لإنتاج اللقاح بها، لكن من المتوقع أنها ستأخذ بعض الوقت لتجهيز مصانع دوائية قادرة على إنتاج اللقاح وتوزيعه.

2) موديرنا: تم اعتماد لقاح موديرنا من إدارة الغذاء والدواء في ديسمبر 2020، ثم بدأ تصنيعه في إحدى الشركات الناشئة بولاية ماساتشوستس الأمريكية على دفعات قليلة للتجارب السريرية، بسبب عدم وجود التجهيزات اللازمة للإنتاج التجاري، وهو ما استلزم الشراكة مع أحد الكيانات الكبيرة المدعمة من الحكومة الأمريكية، بالإضافة إلى بعض الشركات بدول السويد وفرنسا وإسبانيا وهولندا لإنتاج وتوزيع اللقاح خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وأخيراً انضمت كوريا الجنوبية في مجال التعبئة والتوزيع. ولا يزال يشهد هذا اللقاح صعوبات في إنتاجه وتوزيعه في بعض الدول الأوروبية؛ بسبب قلة العمالة المتخصصة.

3) استرازينكا: أعلنت المملكة المتحدة في نوفمبر 2020 استخدام لقاح استرازينكا في الحالات الحرجة فقط وذلك بعد عدة تجارب سريرية منذ مارس 2020، تلتها الهند، وفي نهاية يناير 2021 تم اعتماده من الاتحاد الأوروبي وبدأت بعض الدول الأوروبية في توزيعه محلياً، ولكن حتى تاريخه لم يتم توزيعه بالولايات المتحدة الأمريكية لوجود بعض التحفظات عليه من قبل هيئة أمراض الحساسية والفيروسات الأمريكية. 

4) جونسون آند جونسون: هذا أول لقاح تدعمه حكومة الولايات المتحدة، وذلك بعد نجاح التجارب السريرية في معمل بهولندا، ليتم إنتاجه وتعبئته أمريكياً في مارس 2020، وتوالت بعدها التعاقدات لتوزيع اللقاح بأوروبا بداية بإسبانيا في ديسمبر 2020، ولكن تم إيقافه مؤقتاً في أبريل 2021 لظهور بعض الحالات النادرة لجلطات الدم ثم تمت إعادة إنتاجه مرة أخرى، وتم إعداد شبكة توزيع خارج أوروبا وأمريكا خاصة بالدول النامية لإمدادها بحوالي 500 مليون جرعة حتى 2022، بالإضافة إلى التعاقد مع شركات أخرى بالهند وجنوب أفريقيا للإنتاج والتعبئة.

5) نوفاكس: يعتبر هذا اللقاح مقارباً لاسترازينكا وفايزر في طريقة التصنيع، لكن يعد تخزينه ونقله أسهل؛ بسبب عدم حاجته لدرجات برودة عالية، مثل اللقاحات الأخرى، وبدأ تصنيع المادة الدوائية الخاصة باللقاح في التشيك وأمريكيا وكوريا الجنوبية وإنجلترا، وتم إنتاج اللقاح وتوزيعه عن طريق ألمانيا وأمريكا.

6) كيورفاك: هو إنتاج إحدى شركات الدواء الألمانية، حيث تم تصنيع المادة الدوائية بها بالتعاون مع شركات سويدية وهولندية ثم تم الإنتاج والتعبئة والتوزيع عن طريق شركات فرنسية. وتعتبر شبكة توزيع هذا اللقاح أقل توزيعاً مقارنة باللقاحات الأخرى، وذلك بسبب انشغال الشركات ومعامل الدواء الكبرى بإنتاج لقاحات أخرى.

مبادرات حكومية: 

يعرض الباحثان المبادرات التي اتخذتها الحكومات في مختلف الدول من أجل تسريع وتوسيع نطاق عمل سلاسل توريد لقاحات كوفيد 19، وتتمثل هذه المبادرات فيما يلي:

1) عملية السرعة القصوى وقانون الإنتاج الدفاعي: إذ أطلقت الولايات المتحدة عملية السرعة القصوى في 15 مايو 2020، وتم تكليف وزارات الدفاع والصحة والخدمات البشرية، وهيئة البحث والتطوير الطبي الحيوي المتقدم (BARDA) وغيرهم، بإنشاء عملية السرعة القصوى لدعم التجارب السريرية للحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء، وتوسيع نطاق تصنيع اللقاحات. والتي لعبت دوراً مهماً في تمويل شركات تصنيع الدواء لتأسيس خطوط إنتاج، وتشكيل علاقات تجارية جديدة؛ وتوفير مستلزمات تصنيع اللقاح في وقت مبكر مقارنة بالدول الأخرى. 

أما الإجراء الثاني الذي اتخذته الحكومة الأمريكية فهو تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي للإسراع من عملية صناعة لقاحات كوفيد 19، ويمنح هذا القانون الحكومة المزيد من السيطرة على توجيه الإنتاج الصناعي أثناء حالات الطوارئ، عبر مطالبة الشركات الصناعية بإعطاء أولوية للعقود الخاصة بمُصنعي اللقاحات والمستلزمات الصناعية المرتبطة به. وأشار الباحثان إلى بروز أول مشاكل قانون الإنتاج الدفاعي بسبب غياب الشفافية فيما يتعلق بكيفية وتوقيت استخدام القانون، حيث قام مصنعي اللقاحات من خارج الولايات المتحدة والشركاء التجاريين باتهام الحكومة الأمريكية باستخدام القانون كسياسة لتقييد الصادرات، وليس فقط لإعادة تخصيص الاحتياجات نحو إنتاج لقاح ذي أولوية أعلى وبعيداً عن الاستخدامات الأخرى.

2) استراتيجية دعم اللقاحات: قدمت المملكة المتحدة استثمارات لدعم صناعة اللقاحات محلياً أثناء الجائحة، وتم تصنيع ثلاث لقاحات محلياً، من بين سبعة قامت الحكومة بالتعاقد على شرائها مسبقاً، وقد تميزت استراتيجية الدعم بنهج ذي شقين، الأول دفع 914 مليون جنيه استرليني مقدماً - معظمها غير قابل للاسترداد - لشركات اللقاح لمواصلة تطوير تجاربها السريرية وإنشاء سلاسل التوريد الخاصة بها، أما الشق الثاني فهو تخصيص أكثر من 266 مليون جنيه استرليني لتعزيز قدرة الدولة على تصنيع اللقاحات على المدى الطويل، إلى جانب بدء برامج تدريب للموظفين، وتطوير قواعد البيانات لتسريع التسجيلات اللازمة للتجارب السريرية مستقبلياً.

3) استراتيجية دعم اللقاحات في أوروبا ودول أخرى: قدَّم الاتحاد الأوروبي 175 مليون يورو فقط في عام 2020 لشركتي BioNTech وCureVac في شكل تمويل ديون وقروض لمواصلة تطوير قدراتهما التصنيعية، فضلاً عن أنه أبرم اتفاقيات شراء مُسبقة مع ستة من صانعي اللقاحات، إلا أنها جاءت متأخرة كثيراً عما كانت عليه في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وذلك بعد اتهام الاتحاد بالبُطء في اتخاذ خطوات جادة حيال جائحة كورونا، فضلاً عن خلافات مع شركات لإنتاج اللقاح على رأسها أسترازنيكا.

4) دور تحالف ابتكارات التأهب الوبائي (CEPI) والبنك الدولي: يُعد تحالف ابتكارات التأهب الوبائي (CEPI) مصدراً عاماً لتمويل سلاسل توريد اللقاحات، وهي شراكة عالمية بين المنظمات العامة والخاصة والخيرية ومنظمات المجتمع المدني. وقد جمعت 1,3 مليار دولار خلال شهر نوفمبر 2020؛ لتمويل أبحاث اللقاحات وتطويرها. وجدير بالذكر أن التحالف قام بتمويل المرشحين الواعدين لإنتاج اللقاح في وقت مبكر، مما ساعد في الإسراع من إجراء التجارب السريرية وعملية التصنيع. وأخيراً في يونيو 2021، أعلن البنك الدولي عن دعم مالي لشركة Aspen  بجنوب أفريقيا التي توفر التعبئة والتغليف لشركة Johnson &Johnson، حيث حشد حزمة مالية بقيمة 600 مليون يورو كتمويل طويل الأجل، والتي ضمت مساهمات من وكالات التنمية في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة.

التأهب للمستقبل:

يطرح الباحثان بعض القضايا التي تصف الوضع السياسي والاقتصادي خلال الجائحة، وتدعو الباحثين وصانعي السياسات لمواصلة الدراسات المستقبلية للتمكن من إنتاج المزيد من جرعات لقاح كوفيد 19، ومن أبرز تلك القضايا:

1) عقبات تنظيمية أمام الدعم المادي: قدمت الاقتصادات الكبرى دعماً كبيراً لإنتاج لقاح كوفيد 19، التي لم تستمر حتى النهاية بسبب عدم الحصول على الموافقة التنظيمية. وعلى الجانب الآخر، واجهت بعض الشركات التي حصلت على الموافقات التنظيمية مشاكل فيما يتعلق بمراقبة الجودة، والبعض الآخر تعرض لمشاكل بسبب عدم القدرة على توفير مُدخلات إنتاج اللقاح مما أدى إلى عدم القدرة على توسيع نطاق الإنتاج، حيث منعت بعض الحكومات تصدير هذه المُدخلات.

2)  التركيز على بعض الموردين لإنتاج مُدخلات اللقاح: عانى مصنعو اللقاحات أثناء الجائحة نقصاً في بعض مُدخلات إنتاج اللقاح؛ ما أدى إلى تباطؤ عملية الإنتاج. ويرى الباحثان أن وضع مواصفات قياسية لتصنيع المعدات ومُدخلات إنتاج اللقاح له ميزة وعيب، فما يميزه أنه سيتيح للشركات الجديدة التوسع في تصنيع منتج دوائي ثابت ذي مواصفات قياسية، أما المشكلة فتتمثل في زيادة التكلفة؛ نظراً للطبيعة المتخصصة لمُدخلات الإنتاج التي يقتصر وجودها لدى عدد محدود من الموردين، فضلاً عن مشكلة أخرى تتمثل في قلة الاستثمار العام العالمي في توسيع القدرة الإنتاجية لموردي المُدخلات.

3) الممارسة والتعلم لتطوير أداء شركات إنتاج اللقاح: قدم الباحثان العديد من الأمثلة التي توضح كيف استطاعت شركات اللقاح تطوير أدائها من خلال الممارسة والتعلم، ومنها أن شركتي Johnson & Johnson وAstraZeneca أدركت أهمية مراقبة الجودة بعدما خسرت عشرات الملايين من الجرعات بسبب التلوث في مصنع بالتيمور، كما استطاعت Moderna زيادة إنتاجية اللقاح بنسبة 10%، بعدما وافقت إدارة الغذاء والدواء على تعبئة 11 جرعة بدلاً من 10 في الزجاجة الواحدة. 

خلاصة القول إنه مع تدفق البيانات يتعين على الباحثين إجراء المزيد من الدراسات حول كيفية زيادة مستوى الإنتاج، وتأثير السياسات المتبعة للإجابة على تساؤلين بالغي الأهمية: هل كان بالإمكان تصنيع المزيد من الجرعات في وقت أسرع بطرق أخرى؟، وهل كان اتباع سياسات من الممكن أن يُحدث تغييراً في خريطة اللقاحات؟

المصدر:

Chad P. Bown and Thomas J. Bollyky, How COVID-19 vaccine supply chains emerged in the midst of a pandemic, WORKING PAPER, Peterson institute for international economics, August 2021.

الكلمات المفتاحية: كوفيد_19

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات