العروض - الكتب

"الجمهورية السيبرانية":

كيف تواجه الأنظمة السياسية والاقتصادية تحديات "الأتمتة"؟
الأربعاء، 22 سبتمبر، 2021
"الجمهورية السيبرانية":

عرض: هند سمير طه - باحث إحصائي

تتسارع وتيرة التغيرات في عالمنا الراهن التي كان ينظر لها في الماضي على أنها درب من دروب الخيال. ففي بضعة عقود، تحولت المجتمعات من الاعتماد على الآلات إلى المعلومات، مع بزوغ الثورة الصناعية الرابعة التي تتسم بتسارع الابتكار، وتبني أكثر التقنيات تطوراً في مجال الأتمتة، وهو ما يبرز في مستقبل الوظائف، كقضية جوهرية بالنسبة لصانعي السياسات وقادة الأعمال والعاملين والجمهور في جميع أنحاء العالم. 

إلا أن الأمر لم يقف عن هذا الحد، فقد أسفر نضوج عصر المعلومات عن ضرورة تكييف القوانين والسياسات وتطويرها لتتماشى مع هذه التغييرات، إذ تهدد الثورة الصناعية الرابعة، أو الأتمتة المستمرة للصناعات من خلال الذكاء الاصطناعي بقلب الديمقراطيات الليبرالية في العالم عبر الاضطرابات السياسية المتزايدة، واتساع عدم المساواة الاقتصادية، وظهور دول المراقبة.

 في هذا السياق، يناقش الكاتب جورج زاركاداكيس – الذي عمل كخبير تقني، ومستشار في شركات تتبنى الذكاء الاصطناعي- في كتابه "الجمهورية السيبرانية...إعادة صياغة الديمقراطية في عصر الآلات الذكية"، كيف يمكن أن تواكب الأنظمة السياسية والاقتصادية "عصر الآلة الذكية" الجديد الذي تعمل فيه الآلات على أتمتة العمل الفكري وليس فقط العمل اليدوي، فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية إضافية يتم دمجها في أنظمتنا التقليدية للحكومة والأعمال، بل يمكن للآلات التي تعمل على أتمتة العقل البشري أن تغير كل شيء. 

سيبرانية أكثر شمولاً وإنصافاً:

انطلاقاً من أن مبادئ الحرية والمسؤولية الفردية هي أسس المجتمع المتحضر، وأن الدولة ليست سوى أداة المواطنين الذين تخدمهم، وبالتالي تخضع للمساءلة السياسية، فقد طرح زاركاداكيس تخيلاً لنظام حكم ديمقراطي مستقبلي أطلق عليه "الجمهورية السيبرانية". وهو نظام متطور من الحكومة الليبرالية يتضمن المشاركة المباشرة للمواطنين في صنع القرار السياسي، مع تبني واستخدام تقنيات الأتمتة التي تتمحور حول الإنسان لتوفير المساواة، وتوفير فرص النمو الشخصي والجماعي والتنمية الاقتصادية. 

على هذا الأساس، وضع الكاتب خطة لاستخدام التكنولوجيا لجعل الديمقراطيات الليبرالية أكثر شمولاً والاقتصاد الرقمي أكثر إنصافاً، إذ يجادل بأنه لا داعي للخوف من الأتمتة. ففي مستقبل ما بعد العمل، يمكن للآلات الذكية أن تتعاون مع البشر لتحقيق الأهداف البشرية المتمثلة في الشمولية والمساواة. 

هنا، يوضح الكاتب طبيعة المخاوف الديمقراطية والرأسمالية من الذكاء الاصطناعي، أي إذ حلت فئة جديدة من الروبوتات فائقة الذكاء وعدة ملايين من أسطر التعليمات البرمجية محل البراعة البشرية والإبداع. ففي مثل هذا السيناريو، يتم تعظيم كفاءة رأس المال، وتصل الرأسمالية إلى ذروتها من خلال إنتاج سلع وخدمات ذات جودة لا مثيل لها بأقل سعر ممكن. 

لكن المشكلة تكمن في أن التشغيل الآلي المدعوم بالذكاء الاصطناعي يجعل الشركات أكثر كفاءة وإنتاجية من خلال القضاء على الحاجة إلى العمالة البشرية، إذ لن تكون هناك حاجة لعدد كبير من الموظفين، كما كان معتاد من قبل، كما لن يُصبح في خدمة المستهلكين عدد كبير من الموظفين، ومن ثمَّ، يرى الكاتب أن الأتمتة لا تقتل العامل فحسب، بل تقتل المستهلك أيضاً، وهكذا يصبح النجاح الكبير للرأسمالية هو السقوط النهائي لها.

مع ذلك، فإن النتيجة الأكثر إثارة من الناحية السياسية أن الأتمتة الكاملة تحول الاقتصاد الحُر إلى لعبة محصلتها صفر، حيث يفوز رأس المال ويخسر العمال. فإذا تُرك أولئك الذين يمتلكون الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي من دون رادع، فإنهم سيتمتعون بحصة غير متكافئة من الثروة التي تولدها الآلات الذكية، بينما قد يصل بقية البشرية إلى مستوى الكفاف. 

إعادة تصور الأتمتة:

نتاجا لهذه المعضلة الاقتصادية – السياسية المترابطة لعصر الذكاء الاصطناعي، يرى زاركاداكيس أن سيناريو "العمل كالمعتاد"، قد يُمكن الثورة الصناعية الرابعة من جعل التفاوتات غير واضحة، لكن بشرط إعادة التفكير والتصور للأتمتة المعرفية، بحيث يمكن تقاسم الثروة التي تولدها على نطاق أوسع وأكثر إنصافاً. 

ويجد الكاتب أن عملية إعادة التفكير تلك باتت ضرورية وأكثر إلحاحاً، كي يعزز اقتصاد الذكاء الاصطناعي الديمقراطية، والمساواة في الدخل وتمكين المواطنين، فضلاً عن أن وباء كوفيد -19 أفرز بدوره تداعيات اقتصادية وسياسية سلبية أخذت وتيرة متسارعة بفعل تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة، مثل التحول الرقمي للعمل، والبطالة الهائلة، وزيادة دور الدولة، والمراقبة من دون عوائق لبيانات المواطنين.

لذلك، فإن تخفيض الآثار السياسية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي على الديمقراطية الليبرالية بل وجعلها أكثر شمولية، من وجهة نظر زاركاداكيس، يمكن أن يتم عبر اعتماد نماذج مختلطة من الديمقراطية المباشرة والتمثيلية، حتى يستعيد المواطنون ثقتهم في المؤسسات الديمقراطية، وكذلك إعادة الانخراط في السياسة بطريقة مسؤولة. وقدم الكاتب كيفية استخدام بعض النماذج التداولية للحكم الذاتي، مثل، التجمعات العفوية للمواطنين في شوارع أثينا وبرشلونة، كما ناقش كيف يمكن توسيع نطاق مثل هذا النهج وتضمينه في النظام الليبرالي للحكومة. 

وأشار إلى أن إحدى المشكلتين الرئيسيتين اللتين نحتاج إلى حلهما، لكي يعمل هذا النموذج المختلط، هي الطريقة التي تكون فيها مشاركة المواطنين المباشرة محدودة بسبب عدم تناسق المعرفة وقيود الوقت. فبالنظر إلى أن المشاركة في السياسة تستغرق وقتاً، وأن الوقت يحتاج إلى تعويض عندما يكون نادراً، فهناك حاجة إلى التفكير في المستقبل كمكان يتمتع فيه كل فرد بما يكفي من الوقت والثروة للمشاركة في السياسة، ثم استخدام مجموعات التكنولوجيا المناسبة للوصول بسرعة.

على الجانب الآخر، فإن تحويل الاقتصاد الرقمي بحيث يتم تقاسم الثروة بشكل أكثر إنصافاً بين المبتكرين والمستثمرين والعاملين، بما يحافظ على الحرية الديمقراطية، يتطلب إضفاء الطابع الديمقراطي على اقتصاد الذكاء الاصطناعي الذي بات المنتج الجوهري للاقتصاد الرقمي الحالي. ولكي يحدث هذا، يرى زاركاداكيس أن ثمة حاجة إلى حل عدم تناسق الثروة بطريقة غير قسرية. إذ يجب القيام بذلك ليس فقط لأسباب أيديولوجية لكن أيضاً لأنه في ظل اقتصاد معولم ستجد الحكومات الوطنية بالفعل صعوبة في فرض ضرائب على أرباح الشركات العالمية الكبرى. 

وستصبح هذه المشكلة أكثر حِدة عندما تجد هذه الحكومات الوطنية نفسها تحاول تمويل الميزانيات الوطنية بينما تتضاءل قاعدتها الضريبية في الداخل نتيجة للأتمتة. لذلك هناك حاجة إلى نهج تصاعدي لمشكلة عدم تناسق الثروة، بما يغير لعبة تكوين الثروة ولا يتطلب من الحكومة أن تعمل كموزع للثروة والدخل.

قد لا تقضي الأتمتة على العمل تماماً، لكنها على الأرجح ستدمر معظم الوظائف وتجعل معظم العاملين، وكذلك الأجيال القادمة، موظفين بدوام جزئي. ويتطلب هذا التحول في طريقة العمل وكسب لقمة العيش ودفع الضرائب تفكيراً جديداً جذرياً. ويرى الكاتب أن الدخل الأساسي الشامل يمثل إشكالية مالية وغير كاف عملياً للحفاظ على مستويات المعيشة وتحسينها للمواطنين عندما يصبح الدخل غير مؤكد ومتقطع. واقترح الكاتب طرقاً بديلة، منها أن يتم منح العمال والموظفين الفرصة للمشاركة بنشاط في تكوين ثروة جديدة، بل والقدرة على الادخار، كما اقترح أهمية السعي لإنشاء جيل جديد من المنصات والأسواق الرقمية.

عملات مشيفرة واقتصاد دائري:

يحتاج الاقتصاد المشيفر إلى التوسع إلى ما هو أبعد من تصميم العقود الذكية عبر استكشاف كيف يمكن لتقنيات الويب (3.0) أن تتيح نماذج أعمال جديدة للاقتصاد الدائري Circular economy. على سبيل المثال، فمن خلال وجود مجتمع من المستهلكين يستخدم منصة عُملة مشيفرة لمشاركة استخدام نفس المنتجات، يمكن تقليل الطاقة التي يتم إنفاقها للتصنيع بشكلٍ كبير، مع زيادة عائدات المنتجين في الوقت نفسه. ذلك أن الجمع بين النماذج الاقتصادية الدائرية والمنصات المشفرة قد يقدم حوافز اقتصادية واضحة للمواطنين العاديين من أجل العيش المستدام من دون تراجع في جودة الحياة.

لكن ذلك يعتمد بدوره على المدى الذي ستشجع فيه الديمقراطيات الليبرالية على تطوير أسواق مفتوحة لنمط اقتصاد الند للند التي تعتمد على تقنيات الويب (3.0)، من خلال التشريعات واللوائح المناسبة. مع ذلك، نظراً للإدراك المتزايد بأن العملة المشيفرة العالمية فقط هي التي يمكن أن توفر الاستقرار اللازم للنظام المصرفي العالمي، يمكن الأمل والترقب في أن يكون هذا هو الاتجاه العام للعديد من الحكومات والهيئات التنظيمية في عشرينيات القرن الحالي. 

في الأخير، يرى الكاتب أن هناك تحديين رئيسيين يواجهان أنظمة الحكم الديمقراطية الليبرالية، أحدهما، كيف يُمكن إعادة استخدام الذكاء الاصطناعي كتقنية تتمحور حول الإنسان وتعمل للجميع؟ أما الآخر، فهو كيف يمكن استخدام هذه التكنولوجيا - بالاقتران مع أفكار من الديمقراطية التداولية والتقنيات الأخرى، من أجل حل التباين في المعرفة والثروة؟

ويعتبر هذين التحديين وجوديان، وأنه إن لم يتم التغلب عليهما، فقد يتخلى المواطنون عن النظام الليبرالي الحالي للحكومة والقيم الليبرالية الأساسية التي نشأوا عليها، لذلك، يقترح زاركاداكيس جمهوريته السيبرانية التي يرى أنها ستكون نظاماً متطوراً من الحكومة الليبرالية يتضمن المشاركة المباشرة للمواطنين في صنع القرار السياسي، مع تبني واستخدام تقنيات الأتمتة التي تتمحور حول الإنسان لتوفير المساواة، وفرص التطور الشخصي والجماعي والتنمية الاقتصادية.

المصدر:

George Zarkadakis, Cyber Republic:  Reinventing Democracy in The Age of Intelligent Machines, The MIT Press Cambridge, Massachusetts, London, England, 2021.

الكلمات المفتاحية:

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات