التحليلات - التغيرات السياسية

تأزم حكومي:

تأثير تداخل أزمتي كورونا وصراع السلطة في ماليزيا
الخميس، 09 سبتمبر، 2021
تأزم حكومي:

مرة أخرى تعود ماليزيا إلى بؤرة الاهتمام بسبب توقف العملية الديمقراطية فيها، الأمر الذي يبين مدى تأثير أزمة فيرس كورونا على السياسات الداخلية للبلاد. ففي بادئ الأمر، اضطر رئيس الوزراء محيي الدين ياسين إلى الاستقالة بعد صراعات عديدة، بينما تعاني ماليزيا تفشي أكثر أنواع الفيروس خطورة، ثم تم تعيين إسماعيل صبري يعقوب (ابن حزب المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة، صاحب الباع الأطول في حكم ماليزيا) رئيساً للوزراء، إلا أنه من المرجح أن السلطان عبدالله أحمد شاه (الملك الحالي لماليزيا) لن يعلن إجراء انتخابات في القريب العاجل، بسبب أزمة فيرس كورونا. 

وكان إسماعيل صبري يعقوب، نائباً لمحيي الدين ياسين. وهذا الوضع مُرضٍ بالنسبة لكل من القصر وياسين وتحالف المعارضة الذي يتزعمه أنور إبراهيم ومهاتير محمد، على الأقل في الوقت الراهن، فتعيين إسماعيل صبري يعقوب دليل واضح على مدى أهمية الدور الذي يلعبه تحالف محيي الدين ياسين في المشهد السياسي الماليزي. 

ويعتبر محيي الدين ياسين سياسياً مخضرماً، وقد أنهى مسيرته السياسية بالانفصال عن حزب المنظمة الملايوية القومية المتحدة، الذي قاد ماليزيا سياسياً منذ استقلال البلاد عن بريطانيا عام 1957 حتى عام 2018، وهو العام الذي خسر فيه الحزب الانتخابات بعد حكم البلاد لمدة 61 عاماً. جاءت هزيمة حزب المنظمة على يدي "تحالف الأمل" الذي لم يكن عمره قد تجاوز ثلاثة أعوام آنذاك، والذي تألَّف أيضاً من سياسيين مخضرمين، مثل مهاتير محمد، رئيس الوزراء الأطول حكماً في تاريخ ماليزيا، ورفيق دربه (ونائبه) أنور إبراهيم.

ولم تكن الأزمة السياسية الراهنة في ماليزيا مرجعها إخفاق الحكومة في التعامل مع انتشار فيروس كورونا وتداعياته في عام 2021 وحسب، بل من أسبابها أيضاً قصر نظر الحكومة السابقة وضيق أفقها السياسي، بالإضافة إلى التحولات الاقتصادية التي تشهدها ماليزيا منذ 2020. 

إرث مهاتير محمد

لا يمكن فهم طبيعة الأزمة السياسية التي تمر بها ماليزيا حالياً، بمعزل عن فهم طبيعة الإرث الذي خلفه مهاتير محمد للبلاد. لقد ظل مهاتير محمد رئيساً لحزب المنظمة منذ 1981 وحتى 2003، وكان في تلك الأثناء أيضاً رئيس الوزراء الرابع لماليزيا. وفي عام 2016 ترك حزب المنظمة لينشئ حزباً آخر هو حزب السكان الأصليين المتحدين عام 2016، وفي الفترة من 2018 إلى 2020 عاد ليكون رئيس وزراء ماليزيا السابع، في عامه الثاني والتسعين بعد سقوط حزب المنظمة. 

وفي أثناء تولي مهاتير محمد منصب رئيس الوزراء حققت ماليزيا معجزة اقتصادية في جنوب شرق آسيا، كما أصبحت من أهم دول العالم الإسلامي، وصار من دأبها الطعن في الخطاب السياسي والأمني الذي يتبناه الغرب ويروج له، وذاع صيت رئيس الوزراء المناوئ للغرب خارج ماليزيا في الثمانينيات والتسعينيات بسبب ما حظيت به البلاد من ازدهار اقتصادي وتطور في عهده، فصار مهاتير محمد رمزاً للحنكة السياسية، كما أنه يتمتع بمكانة خاصة ليس فقط في قلوب الماليزيين، بل وأبناء دول جنوب شرق آسيا وغيرها من الدول. وقد اعتزل مهاتير محمد العمل السياسي في عام 2003 وسلم سلطاته إلى خلفه عبد الله أحمد بدوي، الذي ظل رئيساً للوزراء ولحزب المنظمة حتى عام 2009، إلا أن مهاتير محمد قد عاد وانتقد عبد الله بدوي بسبب ضعف أداء حزب المنظمة أثناء الانتخابات العامة الثانية عشرة، والتي عقدت في مارس 2008، الأمر الذي خلق ضغوطاً على الحكومة، أسفرت آخر الأمر عن تنحي بدوي ليخلفه نجيب عبد الرزاق.

تراجع حزب المنظمة

تولى عبدالرزاق رئاسة حزب المنظمة في الفترة من 2008 إلى 2018، كما كان رئيس الوزراء السادس لماليزيا، وذلك من 2009 حتى 2018، وقد واجهت حكومته اتهامات بالفساد وإثارة الفتنة وإساءة استخدام السلطة، كما أثار إقرار عبدالرزاق لضريبة السلع والخدمات سخطاً شديداً، وما زاد الأمر سوءاً، اعتقاله زعيم المعارضة أنور إبراهيم. 

وقد نقلت وكالة رويترز في عام 2018 عن الادعاء الأمريكي أنه تم في عهد عبدالرزاق غسيل ما يزيد على 4.5 مليار دولار من أموال شركة "1 ماليزيا ديفلوبمنت بيرهاد"، وذلك عن طريق شبكة معقدة من الصفقات والشركات الوهمية، وأن وزارة العدل الأمريكية قد أقامت عدداً من الدعاوى لمطالبة الحكومة الماليزية بنحو 1.7 مليار دولار في صورة أصول شركات. 

وقد أدى فساد حكومة عبدالرزاق في نهاية المطاف إلى احتجاجات واسعة، وأصدر مهاتير محمد وأنور إبراهيم (غيابياً) ما يسمى بـ"إعلان المواطنين الماليزيين" الذي وقعه الكثير من الشخصيات السياسية. طالبوا فيه رئيس الوزراء بالاستقالة، كما طالبوا بحرية التعبير وحرية وسائل الإعلام، وتطهير مؤسسات الدولة، لاسيما الشرطة الماليزية الملكية، وهيئة مكافحة الفساد، وبنك نيجارا ماليزيا، ولجنة الحسابات العامة (ماليزياكيني، 2016). وقد أشار الإعلان إلى اتهامات فساد قد وجهتها من قبل صحيفة وول ستريت الأمريكية للحكومة، وسلسلة تقارير "مبادرة آسيا ودول المحيط الهادي لرصد التلاعب المالي" التي نشرها إرنست ويونغ في 2013، ومؤشر مدركات الفساد لعام 2015 (ماليزياكيني، 2016). 

وقد أدى الفساد إلى خفض الدعم الحكومي للسلع والخدمات، كما شهدت العملة الماليزية أدنى انخفاض لسعر تداولها منذ 16 عاماً نتيجةً لإهدار أموال الدولة في الفترة من 2014 إلى 2015، واستمرت معدلات التضخم في الارتفاع، ومن ثم معدلات الفقر النسبي، وتعثر الاقتصاد الماليزي بوجه عام (المصدر صحيفة "فينانشال تايمز،2015) (آسيان اليوم، 2017). كما ذكر موقع آسيان اليوم في مارس 2017 أن معدل التضخم السنوي في ماليزيا قد وصل إلى 5.1%، وهو معدل أعلى بكثير من معدلات الدول المجاورة، فقد بلغ معدل التضخم السنوي في أندونيسيا مثلاً 3.5% عام 2016، وفي الفلبين كان المعدل 1.8%، وفي فيتنام وصل إلى 2.7%، وقال الموقع أيضاً إن ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض مستوى المعيشة وانتشار الفقر وسوء التغذية تشير إلى أن نجيب عبدالرزاق يفقد سيطرته على زمام الأمور. 

حسابات خاطئة

كان من الطبيعي - مع الإخفاق التام لنجيب عبدالرزاق-  أن يفوز مهاتير محمد وتحالفه في انتخابات عام 2018، وبمجرد تولي مهاتير محمد مقاليد السلطة بدأت محاكمة عبد الرزاق. ذكرت البي بي سي أنه تمت مداهمة ممتلكات رئيس الوزراء السابق، كما وجهت إليه وإلى زوجته عدة اتهامات، وقد ثبتت إدانته في سبع تهم فساد تتعلق باختلاس أموال شركة الاستثمارات الحكومية "1 ماليزيا ديفيلوبمنت بيرهاد"، التي تقدر بمليارات الدولارات (نقلاً عن البي بي سي، 2020). 

إلا إن مهاتير محمد قد استقال من رئاسة الحكومة قبل أن يمر على توليه السلطة عامان بعد أن نقل سلطاته إلى نائبه محيي الدين ياسين. وفي هذه المرة كان الضغط الذي أدى إلى استقالة رئيس الوزراء قادماً من داخل تحالف مهاتير ذاته!

جدير بالذكر هنا أن محيي الدين ياسين شغل في السابق منصب نائب رئيس حزب المنظمة الحاكم، ثم أقاله نجيب عبدالرزاق في 2016، الأمر الذي أدى إلى تقارب مهاتير محمد وياسين وقرارهما العمل ضد عبدالرزاق، عدوهما المشترك، وذلك بتأسيس حزب السكان الأصليين المتحدين (بيرساتو). وقد لعب الحزب الجديد دوراً محوريا في الإطاحة بعبدالرزاق وإبعاد حزب المنظمة عن سدة الحكم بعد 61 من السيطرة على مقاليد السلطة في البلاد. 

وفي الوقت نفسه، قرر أنور إبراهيم تنحية عداوته لمهاتير محمد جانباً والعودة إلى التعاون معه لإخراج البلاد من حالة الجمود التي وصلت إليها. وكان إبراهيم في عام 1998 نائباً لمهاتير محمد غير أن الأخير قد زج به في السجن، رغم الدلائل التي كانت تشير إلى أنه سوف يخلفه في رئاسة الوزراء، وذلك على خلفية اتهامات بإساءة استخدام السلطة والمثلية الجنسية، وقد أثار هذا انتقادات واسعة ووُصِف بأنه مناورة سياسية للتخلص من إبراهيم.

وبعد أسبوع من الاضطرابات، تحديداً في مارس 2020، تولى محيي الدين ياسين رئاسة الوزراء عقب مهاتير محمد، وقد أقنع محيي الدين ياسين الملك بأن لديه ما يكفي من الدعم البرلماني كي يدير البلاد من دون الحاجة إلى مهاتير محمد وتحالفه، وأن داعميه يشملون أعضاء في حكومات سابقة. ومن جانبه أبدى إبراهيم استعداده للاستغناء عن الأحزاب الإسلامية، كحزب ماليزيا الإسلامي. 

تحديات الحكومة الراهنة

كان الموقف في هذه المرة مختلفاً كل الاختلاف عما سبق، فلم تكن لرئيس الوزراء سيطرة تامة على البرلمان، كما كان عليه التعامل مع تداعيات أزمة كوفيد19 التي يصعب التنبؤ بطبيعتها، وعلاوة على ذلك كله كان هناك الموقف الاقتصادي غير المستقر، وقد فرض كل هذا مجموعة من التحديات.  

1- جائحة كورونا، حيث كان التحدي الأول الذي واجه محيي الدين ياسين منذ البداية هو أزمة كوفيد19. قد استطاعت ماليزيا في بداية الأزمة أن تتعامل مع الوباء بكفاءة ملحوظة في أغلب شهور عام 2020، وذلك مقارنةً بدول جنوب شرق آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية، غير أن الوضع قد تدهور بعد ذلك، إذ سرعان ما صارت مدينة صباح بولاية بورنيو بؤرة للوباء منذ سبتمبر 2020.

 وكان تعامل الحكومة مع الأزمة يفتقر للمنهجية والاتساق، الأمر الذي أدى إلى استمرار انتشار الوباء في 2021، حتى أن الحكومة قد فرضت "إغلاقاً كاملاً" للبلاد في يونيو 2021، حيث وصل عدد الإصابات إلى 7000 إصابة يومياً، وهكذا عانت ماليزيا من تبعات الإغلاق المطول للمدارس والشركات والمتاجر، بالإضافة إلى معاناتها من التضخم والآثار الاقتصادية المترتبة على تولي نجيب عبدالرزاق رأس الحكومة. وبطبيعة الأمر تزايد سخط المواطنين، لا سيما الشباب منهم، من جراء خفض الدعم الحكومي للسلع والخدمات. 

ومن الجدير بالذكر أن المصوتين من الشباب لا يعرفون تاريخ حزب المنظمة المتحدة الذي حكم البلاد لعقودٍ طويلة، ولا دراية لديهم بدور مهاتير محمد في بناء الاقتصاد الماليزي، ولذا فإن ردود الأفعال السياسية تختلف هذه المرة أيضاً. 

2- التركيبة الوزارية، فما زاد من حدة الأزمة السياسية هو اشتمال الحكومة الجديدة على وزراء من النظام القديم، إذ تكونت الحكومة من سبعين وزيراً، وهي الوزارة الأكبر من حيث عدد الوزراء في تاريخ النظام البرلماني الماليزي، كما أن الكثير من وزرائها ترتبط أسماؤهم بشكل أو بآخر بمشروعات تجارية ذات تمويل حكومي. وهكذا تداخلت قضية الصحة العامة مع قضية الصراع على السلطة، مما أدى إلى الفوضى والعشوائية في اتخاذ القرارات الحكومية، وتفاقم الأزمة السياسية. 

وقد توقف عقد جلسات البرلمان منذ يناير 2021 بسبب إعلان حالة الطوارئ بالبلاد، ومن ثم تعذر التعامل مع مشكلات البلاد، الصحية والاقتصادية، بشكل سليم، ناهيك عن إخفاق الحكومة في تحقيق إصلاح سياسي يرقى لطموحات المواطنين الماليزيين. 

3- صعوبة تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والذي لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال توفير اللقاحات للمواطنين، لاستئناف الحياة الطبيعة، وتوفير الدعم المالي لهم في الوقت نفسه. ومع صعوبة توفير اللقاحات فإن الإصابات بفيرس كورونا في ازدياد بشكل يومي، حتى أنه قد وصلت في 23 أغسطس 2021 إلى أكثر من 21.500 إصابة يوميا (وذلك طبقا لإحصائيات رويترز للإصابات، 2021). لكن ينبغي هنا أن نشير إلى أنه ابتداءً من 12 أغسطس 2021، تم إعطاء اللقاحات لـ 23.161.255 مواطناً ماليزياً (طبقاً لمنظمة الصحة العالمية، 2021). أما التعافي الاقتصادي للبلاد فيتوقف إلى حد كبير على البرلمان وعلى استئناف النشاط الاقتصادي والتجاري.

وسوف يتحدد الوضع في ماليزيا في الأيام القادمة في ضوء رد فعل الملك والمصوتين الجدد (الشباب) والمزاج العام السائد في البلاد، فعلى الرغم من أنه يندر أن يوجه الملك النقد إلى رئيس الوزراء في ماليزيا، فإن القصر الملكي قد قام بتوبيخ حكومة محيي الدين بسبب طريقة تعاملها مع مراسيم الطوارئ، إذ جاء في بيان صادر عن القصر الملكي في يوليو 2021 أن "إلغاء مراسيم الطوارئ قد تم من دون الرجوع للملك، وبالتالي فهو مخالف للدستور الفيدرالي ومبادئ القانون" (سيبالان 2021)، ويبدو أن الامتعاض لا يقتصر على الملك، بل أنه يعبر عن المزاج العام، إذ يخرج الشباب إلى الشوارع تعبيراً عن احتجاجهم على الأوضاع في ماليزيا، فضلاً عن التفاعلات المستمرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن جانبه، يتطلع المجتمع الدولي إلى انتهاء حالة الغليان الداخلي في ماليزيا بطريقة سلمية، فتحقق النمو الاقتصادي لماليزيا وعودتها إلى المنافسة الاقتصادية الإقليمية والعالمية رهن بالوصول إلى حل سلمي للأزمة السياسية في البلاد، خاصة أن ماليزيا قد وقعت للتو على أهم اتفاقية تجارية عالمية، وهي الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، لذا فإن آخر ما تحتاجه هو استمرار الاضطرابات الاقتصادية، التي ستعرقل تدفق التجارة الماليزية الإقليمية على المدى البعيد.

 ولذلك فإن المطلوب هو أن يصبح السياسيون جزءاً من حل المشكلة الاقتصادية والصحية، لا جزءاً من المشكلة نفسها. وعلى الجانب الآخر فلا غنى عن أن الحكومة من الماضي، وعليها أن تدرك أن التغيير حتمي ولا شيء يبقى على حاله، فالتكنولوجيا تتطور، والأوضاع الديموغرافية والاقتصادية في المنطقة في تطور سريع ومستمر. 


الكلمات المفتاحية: ماليزيا

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات