التقديرات

تسييس الإنجاب:

الأبعاد غير الصحية لتنظيم الأسرة في الشرق الأوسط
الأحد، 07 فبراير، 2021
تسييس الإنجاب:

تزايدت ملامح تسييس دعوات ضبط الإنجاب أو زيادة النسل في دول الإقليم، خلال الفترة الماضية، وهو ما عكسته مؤشرات مختلفة، تتمثل في دعم الدولة المصرية لاتجاه تنظيم الأسرة لتعزيز سبل التنمية البشرية وخاصة في قطاعى التعليم والصحة، والحرب الحوثية على وسائل تنظيم الأسرة لزيادة أعداد المقاتلين على جبهات الحرب باليمن، وتوفير الخدمات الرئيسية في الدول الهشة مثل سوريا، وتأثيرات تفاقم الأزمات الاقتصادية ومواجهة التنظيمات الإرهابية في العراق بشكل عكسي على معدلات الإنجاب نتيجة الزواج خارج أطر المحاكم، ومحاولة زيادة شعبية القيادة السياسية التركية في البلدان الإسلامية بعد تصريح أردوغان بأن تحديد النسل "خيانة"، ومطالبة قيادات سياسية ودينية في إيران بزيادة النسل للتصدي لمخطط "شيخوخة السكان".

وقد تعددت المؤشرات الدالة على محورية البعد السياسي، بأشكال مختلفة، لدعوات تنظيم الأسرة في كل من مصر واليمن وسوريا والعراق وتركيا وإيران، وذلك على النحو التالي:

التنمية الإنسانية

1- الارتقاء بواقع التنمية البشرية: ولعل ذلك يخص حالة مصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي، إذ دأبت الخطابات المختلفة سواء لرئيس الجمهورية أو بعض الوزراء في الحكومة على الدعوة إلى ضبط النسل، على نحو يشير إلى أن الدولة المصرية بكافة وزاراتها ومؤسساتها تدعو إلى زيادة الوعى بالانعكاسات السلبية الخطيرة للزيادة السكانية على جميع القطاعات الحيوية بالدولة، الأمر الذي يفسر تكثيف إعداد الخطة التنفيذية للمشروع القومي لتنظيم الأسرة "2021-2023".

وتأتي تلك الخطة انعكاساً لجهود تعاونية بين وزارة التضامن الاجتماعي والجمعية المصرية لتنظيم الأسرة والاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية. وقد صرح د.طلعت عبدالقوي رئيس الجمعية المصرية لتنظيم الأسرة عبر مداخلة مع إحدى القنوات الفضائية في 30 نوفمبر 2020 أن "لدينا 900 ألف زيجة سنوياً، ولدينا مولود كل 13.5 ثانية، والآن نتعدى الـ 6 آلاف مولود في اليوم"، موضحاً أن "هناك 25% من السيدات يتوقفوا عن تنظيم النسل في العام الأول من الزواج، ولابد من التفكير في حوافز إيجابية سريعة للأسر التي تخضع لتنظيم الأسرة"، أي التي تكتفي بطفلين فقط. وعبّر عن هذا المعنى جلياً الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال افتتاحه مشروع الفيروز للاستزراع السمكي في 23 يناير 2021 بتأكيده أن النمو السكاني يعد عائقاً أمام تحسن الظروف المعيشية للمواطنين.

دعم الميلشيات

2- زيادة أعداد مقاتلي الميلشيات المسلحة: وهو ما ينطبق على الحالة اليمنية، إذ صدرت تعليمات من قيادات حوثية في نهاية يناير الماضي بإلغاء العمل في الدليل الإرشادي الخاص بوسائل تنظيم الأسرة، الذي تعتمده جميع المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة برعاية الأمومة والطفولة. وتزامن مع ذلك تعميم أصدره وزير صحة الحوثيين، طه المتوكل، يتوافق مع ما قال أنها "التوجهات والسياسات الملائمة للهوية الإيمانية والعادات والتقاليد". ولعل تلك المصطلحات توسعت ميلشيا الحوثي في استخدامها لتبرير منع الحفلات الغنائية، واختلاط الذكور والإناث في الجامعات، ومنع عروض الملابس النسائية في المحلات.

وفي هذا السياق، أشارت بعض وسائل الإعلام في 29 يناير 2021 إلى توجيه مكتب وزارة صحة الحوثيين في محافظة حجة بمنع صرف أى وسيلة من وسائل تنظيم الأسرة، إلا وفق شروط صارمة، تتمثل أهمها في موافقة الزوج على استخدام الزوجة لهذه الوسيلة، وبعد التأكد من توافر عقد الزواج، شريطة أن يكون الزوج حاضراً مع زوجته لحظة طلبها إحدى وسائل تنظيم الأسرة. وفي حال عدم قدرة الزوج على الحضور يلزم الزوجة الحصول على موافقة موثقة من الزوج تحملها معها. فمسألة تنظيم النسل تعطيها ميلشيا الحوثي أهمية كبيرة في سياستها الداخلية من ناحية، وتوظفها في رسائل خارجية من ناحية أخرى.      

ووفقاً لرؤية الميلشيا الحوثية التي تطرح على العلن، فإن الاستمرار في سياسة تنظيم الأسرة يعد "مخططاً استعمارياً يرمي إلى إنقاص عدد السكان حتى يتمكن الغرب من السيطرة على البلاد"، الأمر الذي يتطلب، طبقاً لها، التصدي لهذا المخطط من خلال زيادة عدد المواليد. في حين أن الهدف الرئيسي للميلشيا يكمن في زيادة عدد السكان في المناطق التي تسيطر عليها بما يسهل عليها إلزام الأسر والقبائل بإرسال المزيد من المقاتلين إلى جبهات المواجهة المسلحة في ظل فقدان العديد من الأسر أبنائها في تلك الجبهات وعزوفها عن إرسال ما تبقى لديها من أبناء، حتى لا يلقون مصير الآخرين، في ظل غياب أفق لتسوية الصراع اليمني.

أعراض الهشاشة

3- توفير الخدمات الرئيسية في الدول الهشة: وينطبق ذلك على سوريا بعد ما يقرب من عقد على الحرب بين قوات الجيش النظامي من ناحية والمعارضة المسلحة والتنظيمات الإرهابية من ناحية أخرى. فعلى الرغم من أن هناك توجهاً ساد لفترة ما يشجع على زيادة النسل، وخاصة توصية صادرة عن مجلس محافظة اللاذقية في عام 2017، وفق برامج تقوم بها وزارة الصحة، لرفد الجيش بمقاتلين في المستقبل، إلا أن مطالعة الصحف والقنوات التلفزيونية التابعة للنظام السوري تشير إلى مطالبة بضبط السكان لمنع الضغط على الخدمات العامة لاسيما في ظل تفاقم أزمات الكهرباء والبنزين والخبز وغلاء الأسعار.

ويتكرر هذا المطلب من قبل البعض على مواقع التواصل الاجتماعي عبر توجيه نداءات للمنظمات الإنسانية الدولية بتوفير حبوب منع الحمل والواقيات الذكرية للنازحين في مخيمات السوريين لاسيما في ظل الأوضاع غير المستقرة بما يجعل حقوق الأطفال الخاصة بالتعليم والصحة تأتي في مرتبة متأخرة، بل قد توظف بعض الجماعات والتنظيمات هؤلاء الأطفال في المعارك المسلحة، على نحو يعكس المستقبل الغامض الذي ينتظر الأطفال السوريين الذين يقطنون في مخيمات على طول خط الحدود مع لبنان والعراق وتركيا.

مضاعفات عكسية

4- تأثيرات تفاقم الأزمات الاقتصادية ومواجهة التنظيمات الإرهابية: أدت الأوضاع الاقتصادية والتهديدات الأمنية التي تعرضت لها العراق، خلال السنوات الماضية، إلى ارتفاع عدد السكان، على عكس المتوقع. ويشير اتجاه في الأدبيات إلى أن زواج غير البالغين وبأعداد كبيرة خارج المحاكم العراقية كان سبباً مهماً في ارتفاع معدلات الإنجاب غير المدروسة، خصوصاً في بعض المناطق الشعبية وأغلب مناطق الأرياف، وحتى معسكرات النازحين التي شهدت طفرات غير مسبوقة في الإنجاب لدى المقيمين فيها.

وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الصحة العراقية استراتيجية لتنظيم الأسرة العراقية بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان خلال الفترة (2021-2025)، تتضمن سلسلة خطوات لتنظيم حياة الأسرة العراقية بشكل ينسجم مع وضعها المالي ويمنعها من الإقدام على الإنجاب من دون تخطيط مسبق. غير أن ذلك لا يمكن أن يؤتي ثماره فوراً في ظل تعقيدات مواجهة بقايا "داعش" وعدم الاستجابة لمطالب الحراك وضعف خطط التوعية الصحية وخاصة ما يتعلق بالصحة الإنجابية في ظل قناعات دينية واجتماعية رافضة لخفض معدلات الإنجاب.

لذا، قالت ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في العراق ريتا كولومبيا أن "استخدام موانع الحمل الحديثة يبلغ نسبة 36% تقريباً داخل الأسر العراقية، وهذا يعني أن العديد من الأزواج والأفراد الذين يحتاجون إلى خدمات تنظيم الأسرة لا يمكنهم الوصول إليها". ولعل ذلك يفسر أن العراق تعد واحدة من أكثر دول الإقليم ارتفاعاً في الخصوبة بمعدل 3.5. وهنا، تحاول الاستراتيجية السابق الحديث عنها الاهتمام بمجموعة من المحاور وهي السكن والصحة والتعليم والبنى التحتية وتمكين المرأة بما قد يؤدي إلى تقليل الإنجاب غير المدروس.

نفوذ إسلامي

5- زيادة شعبية القيادة السياسية في البلدان الإسلامية: صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في كلمة ألقاها باسطنبول في 30 مايو 2016: "أقول بوضوح سنزيد من النسل"، مضيفاً: "يحدثوننا عن منع الحمل، والتخطيط الأسري، لكن لا يمكن لأي أسرة مسلمة أن تفكر على هذا النحو". وتابع: "نحن نسير على نهج الله ورسوله، هذا الأمر ملقى على كاهل الأمهات". ولم يكن هذا التصريح هو الأول من نوعه، إذ سبق أن أعلن أردوغان أن "النساء يجب أن ينجبن ثلاثة أطفال على الأقل"، واعتبر الإجهاض جريمة ضد الإنسانية، والتنظيم الأسري "خيانة ضد أجيال من الأتراك". ولعل ذلك يستهوي تفكير العديد من القطاعات المجتمعية في البلدان الإسلامية.

شيخوخة السكان

6- مطالبة قيادات دينية وسياسية بزيادة النسل للتصدي لمخطط شيخوخة السكان: يشير هذا العامل إلى الوضع في إيران. فعلى الرغم من وجود بعض الأصوات داخل مجلس النواب الإيراني، التي تدعم خيار تنظيم الأسرة بسبب تزايد نسب الفقر والبطالة، ووجود بعض المحافظات المحرومة من خدمات التنمية وضعف البنى التحتية، وانتشار المشكلات الاجتماعية، يوجد اتجاه آخر داعم لزيادة عدد السكان عبر تمرير مشروع قانون "الشباب وحماية الأسرة" والتصديق عليه من جانب مجلس صيانة الدستور. فضلاً عن دعوة المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي إلى زيادة عدد السكان لأنه يتخوف من شيخوخة الأمة بحيث يصل السكان إلى 150 مليون نسمة.

رؤى متباينة: 

خلاصة القول، إن هناك تعدداً في المنظورات تجاه ضبط أو زيادة النسل في دول الإقليم، طبقاً لسياقات داخلية وأوضاع خارجية، الأمر الذي يجعل هذا الملف رئيسياً في تفاعلات الشرق الأوسط، سواء للدول أو الفاعلين المسلحين من غير الدول، لأنه يمس التنمية البشرية والأوضاع الاقتصادية والتهديدات الأمنية والمواجهات العسكرية. لذا، فإن هناك أطرافاً عديدة تدخل في سياقات الجدل المتعلقة به سواء بدعم زيادة الإنجاب أو تنظيم النسل.

الكلمات المفتاحية: تسييستنظيم الأسرة

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات