أخبار المركز
  • أ. د. علي الدين هلال يكتب: (جدل علاقة إيران ووكلائها.. توافق التوجهات ومرونة التحركات)
  • هدير طلعت سعيد تكتب: (مشروع ممر TUTIT: محفزات ومعوقات تنفيذ ممر جديد لربط آسيا وأوروبا)
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (الشرق الأوسط يترنح بين النزاعات الإقليمية والممارسات عديمة الإنسانية)
  • ديميتري بريجع يكتب: (استراتيجية "سيرسكي": قيادات جديدة لجيش أوكرانيا.. هل تتغير مسارات الحرب؟)
  • عادل علي يكتب: (تأمين الجوار: دوافع وقيود تبادل السفراء بين الصين وحكومة طالبان الأفغانية)

مداخل مُحفِّزة:

الأبعاد السياسية لصعود قضايا "الصيد البحري" في الشرق الأوسط

24 ديسمبر، 2020


تزايدت ملامح مشكلات الصيد البحري داخل أو بين بعض دول الإقليم، خلال عام 2020، وهو ما طرح دلالات سياسية تتعلق بقضايا أخرى مثل إفراج الجيش الوطني الليبي عن الصيادين الإيطاليين المحتجزين في بنغازي منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وهو ما أدى إلى استعادة العلاقات بين الجيش والحكومة الإيطالية، واستمرار مشكلات الهجرة غير النظامية من دول شمال أفريقيا للوصول إلى السواحل الأوروبية.

وكذلك برز الاستهداف القطري لقوارب الصيد البحري البحرينية نظراً لتوتر العلاقات بين المنامة والدوحة على خلفية مقاطعة الأولى للثانية منذ 5 يونيو 2017. كما قام البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بتسليم 100 قارب للصيادين في حضرموت، وهو ما يأتي في سياق دعم الرياض لسبل العيش والتنمية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، وكذلك تصاعدت اقتصاديات الفدية على تخوم الحدود البحرية على نحو ما كشفته حادثة اختطاف ثلاثة بحارة لبنانيين في منطقة بحرية بين نيجيريا والكاميرون وتحريرهم بعد الاستجابة لمطالبهم ودفع مبالغ مالية رغم غياب التصريحات الداعمة لذلك، وتوقيع المغرب وروسيا اتفاقية للتعاون في مجال الصيد البحري، وبلورة معالم استراتيجية تطوير "الاقتصاد الأزرق" في تونس.  

ويمكن القول إن ثمة اتجاهات عديدة كشفت عن تصاعد الاهتمام بمسألة الصيد البحري في دول الشرق الأوسط، خلال الربع الأخير من عام 2020، يتمثل أبرزها في:

رهائن روما

1- إفراج الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، في 23 ديسمبر الجاري، عن 18 من الصيادين الإيطاليين المحتجزين في بنغازي منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وهو ما أدى إلى استعادة العلاقات بين الجيش والحكومة الإيطالية. فقد تعرضت الأخيرة لضغوط من الرأى العام لبذل المزيد من الجهود للإفراج عن الصيادين الإيطاليين (ومعهم تونسيين) الذين احتجزتهم زوارق دورية ليبية، حيث وجهت إليهم اتهامات بالعمل في المياه الإقليمية الليبية، وهو ما نفته الحكومة الإيطالية. وقد جاء قرار الإفراج بعد زيارة رئيس وزراء إيطاليا جوزيبي كونتي إلى بنغازي ولقاء حفتر، إذ قال وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو في "تغريدة" على موقع "فيسبوك" بعد فترة وجيزة من توجهه برفقة كونتي إلى بنغازي لإجراء محادثات: "تم الإفراج عن بحارتنا". 

الهجرة غير النظامية

2- استمرار مشكلات الهجرة غير النظامية بين دول شمال أفريقيا للوصول إلى السواحل الأوروبية، ومنها توقيف مجموعة من الصيادين المصريين في تونس، حيث ينحدرون من محافظة كفر الشيخ، وتحديداً قرى مركز مطوبس، خاصة برج مغيزل والجزيرة الخضراء والسكري، وهى مصدر للهجرة غير النظامية. وفي هذا السياق، أعلن السفير عمرو عباس مساعد وزير الخارجية للشئون القنصلية والمصريين بالخارج، في 19 ديسمبر الجاري، أن وزارة الخارجية تتابع عن كثب موقف 17 صياداً مصرياً تم توقيفهم من قبل السلطات التونسية بعد ضبط مركب صيد كانوا على متنه بحالة صيد غير مشروع جنوب شرق جزيرة قرقنة التونسية، حيث تولى فريق التدخل السريع لخفر السواحل التونسي توقيف المركب والتوجه نحو القاعدة البحرية الرئيسية بمدينة صفاقس لاتخاذ الإجراءات القانونية.

وعلى الرغم من نجاح إجراءات الحكومة المصرية في الحد من الهجرة غير النظامية منذ عام 2016 وحتى نهاية عام 2020، إلا أن هناك محاولات متكررة من بعض القاطنين في عدد من المحافظات المصرية لسلك مسار الهجرة غير النظامية إلى سواحل ليبيا وتونس، حتى يمكنهم الوصول إلى الدول الأوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وقبرص واليونان، مع الأخذ في الاعتبار أثر عامل المحاكاة في دفع الشباب المصري لذلك، والذي تعبر عنه الصور التي تنشرها وسائل التواصل الاجتماعي بشأن نجاح بعض التجارب. ولم يلتفت البعض إلى المصير الآخر الذي قد يكون في انتظار فئات أخرى وهو الموت غرقاً قرب الحدود البحرية المصرية.

أزمة قطر

3- استمرار استهداف دوريات أمن السواحل القطرية لقوارب الصيد البحري البحرينية في 25 نوفمبر الفائت، حيث تم اعتراض زورقين تابعين بعد عودتهما من تمرين "المانع البحري" ومن ثم احتجازهما والتهديد باستخدام السلاح، ومنعهما من الاتصال بغرفة العمليات، وهو ما يعكس توتر العلاقات بين قطر ومملكة البحرين على خلفية موقف دول الرباعية العربية من ممارسات الدوحة الداعمة للتنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة في الإقليم، والتدخل في الشئون الداخلية للدول العربية، وهو ما اعتبرته وزارة الداخلية البحرينية في سلسلة تغريدات لها على موقع "تويتر" "أمراً مرفوضاً"، وأضافت أن "تعرض شرطة خفر السواحل القطرية لدوريات أمن تابعة لنا امتداد للسلوك القطري الذي يستهدف المواطنين البحرينيين".  

كما أعلن اللواء ركن بحري علاء سيادي قائد خفر السواحل البحريني في 21 ديسمبر 2020، أن "قطر مازالت تحتجز حتى اليوم 47 قارب صيد بحرينياً، بعد أن شهدت السنوات العشر الماضية احتجاز قوات خفر السواحل القطرية 650 قارباً و2153 شخصاً يحملون الهوية الرسمية البحرينية". ومن هنا، تنبع أهمية التنسيق المشترك لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة التي من شأنها الحفاظ على حقوق البحارة، فيما لحق بهم من أضرار، جراء توقيفهم وإتلاف قواربهم، نتيجة احتجازهم في قطر لمدد طويلة أو الاصطدام بها مباشرة من قبل دوريات أمن السواحل والحدود القطرية.

وفي هذا السياق، أكدت الحكومة البحرينية برئاسة ولى العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة في اجتماعها الأسبوعي في 21 ديسمبر الجاري، "أهمية التفاوض الثنائي المباشر بين حكومة البحرين وقطر للوصول لاتفاق بشأن تنظيم ممارسة الصيد لمواطني الدولتين، وإعادة الأوضاع المتعارف عليها لأجيال متعاقبة في هذا الشأن، بالسماح للبحارة البحرينيين بالصيد في المياه القطرية إلى الحدود القطرية- الإماراتية، وبالمقابل سماح مملكة البحرين للبحارة القطريين بالصيد في المياه البحرينية إلى الحدود البحرينية- السعودية، بما يعود بالخير على مواطني البلدين، ويعزز من التعاون الخليجي المشترك"، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء البحرينية.

إعمار اليمن 

4- قيام البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، في 13 ديسمبر الجاري، بتسليم 100 قارب صيد حديث للصيادين في محافظة حضرموت، وهو ما يعكس دعم المملكة العربية السعودية للتنمية في المحافظات والمناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة الشرعية اليمنية. وتجدر الإشارة إلى أن السكان يستفيدون من تسليم القوارب في مديريات المكلا وبروم ميفع والشحر وشحير والديس الشرقية والريدة وقصيعر، برعاية محافظ حضرموت اللواء الركن فرج سالمين. وقد حضر ممثل البرنامج السعودي بمحافظة حضرموت محمد آل هادي، ومدير عام مكتب وزارة التخطيط والتعاون الدولي عمر سالم الأشولي، ورئيس هيئة المصائد السمكية يسلم سعيد.

ووفقاً لما ذكره البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بيانه، فقد تم تزويد قوارب الصيد بمحركات حديثة لدى قدرة الواحد منها 60 حصاناً، بهدف تقديم حلول نوعية تسهم في تمكين الصيادين المحليين الذين يعانون من صعوبة حركة القوارب الصغيرة في مواسم الرياح، وتعويضهم عن القوارب التي حطمتها الأعاصير، التي تواجهها المحافظة، بما يعزز من حجم الاستفادة، إذ يعد القطاع السمكي الرافد الاقتصادي الأول للمحافظة عبر توفير فرص عمل لأكثر من نصف مليون فرد يشكلون 18 في المئة من سكان المجتمعات الساحلية اليمنية. وقد وزع البرنامج عدداً من قوارب الصيد المُطوَّرة في محافظات يمنية عديدة منها المهرة وسقطري وشبوة.

اقتصاديات الفدية

5- تصاعد اقتصاديات الفدية على تخوم الحدود البحرية، حيث تنشط جماعات الجريمة المنظمة في عدد من دول الإقليم، وخاصة في الدول الأفريقية، لاختطاف بعض البحارة ومساومة حكوماتهم على المبالغ المالية نظير عودتهم. وقد تم الإفراج في 21 ديسمبر الجاري، عن ثلاثة بحار لبنانيين كانوا على متن باخرة اختطفت في منطقة بحرية بين نيجيريا والكاميرون في نوفمبر الفائت. وجاء ذلك بعد مفاوضات صعبة استمرت عدة أسابيع. وقد أكد مالك الباخرة عدنان الكوت، في تصريحات لصحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، على الجهود التي قام بها رئيس الحكومة المُكلَّف سعد الحريري منذ اللحظة الأولى لاختطاف الباخرة.

وقد تجنب الكوت الإجابة عن تساؤل خاص بما إذا كان قد تم دفع فدية مالية للخاطفين في مقابل الإفراج عنهم، حيث قال: "إن ما يهمني أولاً وأخيراً هو تأمين سلامتهم والإفراج عنهم، وهذا ما حصل". إلا أن المرجح هو دفع مبالغ مالية، دون تحديد قيمتها، نظير الإفراج عنهم، وهو ما يفسره طول مدة التفاوض بين الحريري وصاحب الباخرة من ناحية والخاطفين من ناحية أخرى لاسيما في ظل رخاوة الوجود الحكومي لكل من الكاميرون ونيجيريا في تلك المنطقة، التي تنشط فيها جماعات مسلحة ما دون الدولة.

تجديد التعاون

6- توقيع المغرب وروسيا اتفاقية للتعاون في مجال الصيد البحري، في 27 نوفمبر الفائت، بدلاً من الاتفاقية السابقة التي وقعت في مارس الماضي، إذ أوضحت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات في المغرب في بيان لها أن الاتفاقية الجديدة ستمتد أربع سنوات، وتعد الثامنة من نوعها منذ عام 1992، وتعمل على وضع الإطار القانوني الذي يتيح لأسطول مكون من عشر سفن روسية لصيد الأسماك السطحية الصغيرة في المياه المغربية التي تتجاوز 15 ميلاً بحرياً. وألمحت الوزارة إلى أن نشاط السفن الروسية في المياه المغربية يوفر فرص عمل للصيادين المغاربة بمعدل 16 بحاراً لكل سفينة في جميع الأوقات، وأن هذه السفن تخضع لنظام مراقبة.

وتجدر الإشارة إلى أن الاتفاقية تتضمن التعاون العلمي والتقني لتتبع ورصد النظام البيئي للأسماك السطحية الصغيرة في المياه المغربية بين المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري ونظيره الروسي، وتسمح الاتفاقية للطلبة المغاربة بالاستفادة من منح التدريب في المؤسسات الروسية المتخصصة في الصيد البحري. كما أن هذه الاتفاقية تنص أيضاً على مساهمة مالية تتكون من تعويض مالي سنوي يمثل حق استغلال الموارد، وكذلك الرسوم التنظيمية لتراخيص الصيد.

الاقتصاد الأزرق

7- بلورة معالم استراتيجية تطوير "الاقتصاد الأزرق"، وهو ما قامت به الحكومة التونسية في منتصف عام 2020، ضمن برنامج موسع يشرف عليه البنك الدولي ليكون إحدى الدعائم الرئيسية للتنمية الشاملة في البلاد من خلال خارطة طريق لتطوير قطاع الصناعة السمكية وتعزيز مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي خلال العقد المقبل، إذ تشير أغلب التحليلات إلى أن تونس لا تزال بعيدة عن استثمار الموارد السمكية المتاحة لها بالشكل الأمثل على الرغم من سواحلها الطويلة على البحر المتوسط بسبب التأخر في تنفيذ خطط النهوض بالصناعة السمكية.

مسألة خلافية:

خلاصة القول، إن الصيد البحري سوف يتعاظم الجدل بشأنه في تفاعلات الشرق الأوسط خلال عام 2021، وخاصة في منطقة شرق المتوسط، لارتباطها بمسألة ترسيم الحدود البحرية بين الدول المشاطئة، ومحاولات تركيا التدخل بشكل غير قانوني، والعقوبات المقررة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عليها. 

وسوف تمتد إثارة هذا الموضوع إلى التفاعلات الدولية، وخاصة على الجانب البحري، لاسيما أن الصيد البحري لايزال مسألة خلافية بين كبار مفاوضي الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، بما يهدد بتعثر مفاوضات "ما بعد البريكست"، إذ اقترحت بريطانيا خفض وصول صيادي الاتحاد الأوروبي إلى مخزون الأسماك في المملكة المتحدة بنسبة 35%، على مراحل تمتد ثلاث سنوات، في حين اقترح الاتحاد مستوى 25%، وعلى مدى ست سنوات. ولم يشمل العرض البريطاني "أسماك السطح"، وهى الأسماك التي تتحرك بعيداً عن السواحل أو قاع البحر، إلا أن هذه الخطوة لم تلب آمال الدول صاحبة الأساطيل الضخمة مثل فرنسا وهولندا والدنمارك، على نحو يضفي مزيداً من التعقيد على هذا الملف.