التقديرات

خلافات متجددة:

انعكاسات تمرير قانون الاقتراض في البرلمان العراقي

الأربعاء، 18 نوفمبر، 2020
خلافات  متجددة:

صوّت مجلس النواب العراقي، في 12 نوفمبر الجاري، على قانون الاقتراض، الذي يسمح لوزارة المالية الاتحادية باقتراض نحو 10 مليار دولار من المؤسسات الدولية والبنوك المحلية لتوفير السيولة التي تحتاجها الحكومة للوفاء بالتزاماتها حتى نهاية العام الجاري في ظل ما يعانيه الاقتصاد نتيجة لانخفاض أسعار النفط. وقد قوبل ذلك برفض واضح من جانب الأكراد، الذين قاطعوا جلسة التصويت، على نحو دفع أطرافاً عديدة إلى التدخل من أجل احتواء الأزمة الجديدة بين بغداد والإقليم، وهو ما بدا جلياً في حرص الأولى على توجيه رسائل تفيد عدم الإضرار برواتب موظفي الإقليم، وتزايد احتمالات استئناف المباحثات التي توقفت بين الطرفين.

مؤشرات عديدة: 

يمكن رصد أبرز المؤشرات الدالة علي تزايد الاستياء الكردي جراء تمرير قانون الاقتراض، وذلك من خلال ما يلي:

1- مقاطعة الأكراد لجلسة تمرير القانون: قاطع النواب الأكراد جلسة التصويت على قانون الاقتراض، وذلك لمعارضتهم تمرير بند ضمن القانون يُلزم حكومة إقليم كردستان بتسليم إيرادات صادرات الإقليم النفطية لبغداد كشرط لتلقي حصتها الشهرية من خطة التمويل الجديدة عبر قانون الاقتراض. ويؤكد النواب الأكراد على أن حصتهم لا ينبغي أن تكون مرتبطة بمشكلات متعلقة بالنفط أو العوائد الجمركية بين الإقليم والحكومة المركزية في بغداد، لكن مشرعين، معظمهم من الكتل الشيعية وبعض النواب السنة، يصرون على أن الأكراد لا ينبغي أن يحصلوا على نصيبهم من التمويل الطارئ إلا إذا سلموا إيرادات النفط إلى بغداد.

2- مطالبة الإقليم بإعادة النظر في القانون: قال رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني، في 14 نوفمبر الجاري: "حصة كردستان من الواردات الاتحادية ليست هبة، إنما هي حق، وكما قلتُ سابقاً، يتعين أن تقوم العلاقة بين أربيل وبغداد على أساس الاعتراف بحقوق وواجبات كل طرف منهما بموجب الدستور"، وأضاف: "يجب إعادة النظر بهذه السابقة الخطيرة بسرعة، ولا تزال لدينا فرصة لتصحيح هذا الظلم".

3- توجيه انتقادات إلى القوى السياسية الأخرى: قال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، في 12 نوفمبر الجاري: "بأسف بالغ تطعن الجهات السياسية من المكونين الشيعي والسني في مجلس النواب مرة أخرى ظهر شعب كردستان، ولجأت الى استخدام موازنة وقوت شعب كردستان كورقة للضغط على الإقليم". وتقدم بارزاني بالشكر للنواب الأكراد على موقفهم الموحد بترك جلسة التصويت. كما وصف عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني ريبين سلام جلسة البرلمان الأخيرة بأنها "جاءت لذبح الشراكة".

تبعات محتملة:

ربما تفرض هذه الأزمة تداعيات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- اتساع نطاق الخلافات السياسية داخل الإقليم: بغض النظر عن مواقف النواب الأكراد وحكومة الإقليم والحزب الديمقراطي الكردستاني الرافضة للقانون، اعتبرت شخصيات كردية تمرير القانون من حق النواب العرب، ونتيجة سياسية متوقعة للإدارة الفاشلة لموارد الإقليم. إذ أعلن 10 نواب أكراد في مجلس النواب مقاطعتهم الاجتماع المزمع عقده بين الرئاسات الثلاث في الإقليم للخروج بموقف حيال إقرار قانون الاقتراض، مبررين ذلك بأن "الحكومة العراقية وحكومة الإقليم تتحملان المسئولية إزاء هذا الوضع، ومسألة الرواتب والنفط واضحة ولا تحتاج الى عقد اجتماع". 

2- تصاعد ملف المناطق المتنازع عليها: فرغم أن بغداد وأربيل نجحتا في إحداث اختراق مؤخراً في سبيل حل أزمة المناطق المتنازع عليها من خلال توصل الطرفين، في 9 أكتوبر الفائت، لاتفاق تعزيز سلطة العراق في قضاء سنجار وفق الدستور على المستويين الإداري والأمني، إلا أن الخلافات الأخيرة بشأن قانون الاقتراض ستفرض بلا شك ارتدادات سلبية على هذا النموذج، والذي كان من المحتمل تعميمه في باقي المناطق المتنازع عليها عبر ضمان مشاركة بغداد وأربيل في إدارتها.

3- تراجع تنسيق الجيش العراقي والبيشمركة ضد "داعش": سيؤثر التصعيد المُستجد بشأن قانون الاقتراض على مستوى التعاون اللافت بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية في الفترة الأخيرة ضد نشاط تنظيم "داعش"، وهو ما تجلي في اتفاق الطرفين، في 5 يوليو الماضي وكذلك في 13 أكتوبر الفائت، على فتح مركزى التنسيق الأمني المشترك الرئيسيين في بغداد وأربيل. 

وبالتالي، يبدو أن التعاون النادر الذي تحقق مؤخراً بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة في هذا الصدد سيتأثر بشكل سلبي في ضوء الخلافات حول قانون الاقتراض، وبما يمكن أن يؤدي إلى تصاعد نشاط "داعش" خلال المرحلة المقبلة. 

4- عزوف الإقليم عن دعم المشروع السياسي للكاظمي: استهدف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي من وراء سعيه في الفترة الأخيرة لتطوير العلاقات مع أربيل، ضمان دعم الإقليم له بشأن طموحاته السياسية في الفترة المقبلة، والتي برزت من خلال الأنباء التي تشير إلى مسعاه لتشكيل قائمة انتخابية تغطي كامل التراب العراقي، بما فيه إقليم كردستان، لخوض الانتخابات المبكرة التي سوف تجرى في منتصف العام القادم، وهو ما يعني ضمنياً وجود رغبة من جانبه للبقاء في رئاسة الحكومة. وفي ضوء الاستياء الكردي الأخير من قانون الاقتراض، من المتوقع تراجع دعم الإقليم لتلك الطموحات المحتملة. 

في النهاية، يمكن القول إن الفترة المقبلة ربما تشهد توتراً بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان في معظم ملفات التعاون البينية على خلفية رفض أربيل لقانون الاقتراض، والذي تراه حكومة الإقليم تجاوزاً صارخاً لحقوقه الدستورية. لكن ذلك لا ينفي في الوقت نفسه أن الجهود التي تبذل في الوقت الحالي، والتي انعكست في الزيارة التي سيقوم بها وفد كردي إلى بغداد، برئاسة نائب رئيس حكومة الإقليم قوباد طالباني، من أجل الوصول إلى تفاهمات حول موازنة عام 2021، ربما تؤدي إلى الوصول لتسوية، أو على الأقل تقليص حدة الخلافات التي نشبت بين الطرفين بسبب القانون.




الكلمات المفتاحية: قانون الاقتراضالبرلمان العراقي

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات