التحليلات - التغيرات السياسية

اقترابات بديلة:

جدلية المحلي و"المعولم" في تمرد شمال موزمبيق

الخميس، 10 سبتمبر، 2020
اقترابات بديلة:

من المفيد في عملية فهم العقل الإرهابي في إفريقيا أن يتم فك الاشتباك بين الدين والتوظيف الأيديولوجي له، "فالأيديولوجيات تحتاج إلى أعداء لتزدهر، أما الدين فإنه ليس كذلك". لتحقيق هذا الهدف قام "رحماني إدريسا" في كتاب له بعنوان "سياسات الإسلام في الساحل: بين الإقناع والعنف"، الصادر عن مؤسسة روتلدج هذا العام، بدراسة مقارنة لخمس حالات مهمة هي: بوركينافاسو، ومالي، والنيجر، وشمال نيجيريا، والسنغال. 

حاول هذا المجلد المهم الانخراط في المهمة الشاقة المتمثلة في فصل الإسلام عن الأيديولوجيات السياسية التي انبثقت عن معتقداته للقتال من أجل السلطة الحكومية وتغيير المجتمع. وبينما تستفيد هذه الأيديولوجيات التي تتدثر ظاهريًّا برداء الإسلام من مصادر الشرعية الدينية، فإنها في الأساس تتصارع على مؤسسات علمانية، وتواجه أيديولوجيات سياسية أخرى -سواء كانت تقدمية أو ليبرالية- داخل حلبة الدول القومية. أهداف "الإسلامويين" هي نفسها مثل هذه الأيديولوجيات الأخرى، أي تسخير القوة السياسية لتغيير المجتمعات الوطنية، ويلجؤون إلى أساليب الإقناع المختلفة تارة، ثم يتحولون إلى العنف تارة أخرى. السؤالان الرئيسيان -في هذا السياق- هما: من أين تأتي هذه الأيديولوجيات الراديكالية السلفية؟ ولماذا تؤدي أحيانًا إلى العنف؟

يمكن من خلال أساليب التحليل التاريخي والتطور الأيديولوجي، العودة إلى نقطة البداية التي أشعلتها الصدمة بين عمليات الأسلمة والاستعمار في بدايات القرن العشرين. ومع ذلك، نجد أن كلًّا من مالي ونيجيريا سلكتا طريق الصراع العنيف، بينما كان مسار السنغال مثلًا أكثر اعتدالًا. وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه تمكّن من خلال الفحص الدقيق لتطور أيديولوجيات الراديكالية السلفية عبر الزمن من التوصل إلى استنتاجات مقنعة حول هذه النتائج المتباينة. وعلى الرغم من أوجه التشابه العديدة بين بلدان الساحل عمومًا، فإن العوامل الهيكلية التي ترتبط بالتطور التاريخي، وسلوك النخبة الحاكمة، وعلم الاجتماع الوطني بشكل عام؛ تكتسب أهمية معتبرة مقابل افتراضات التناقضات "الطبيعية" بين الإسلام والعلمانية أو الديمقراطية. إننا أمام منظور جديد في المناقشات حول دور الأيديولوجيا، والذي يظل بمثابة المتغير المستقل للعديد من العمليات السياسية المعاصرة الرئيسية، سواء تم السكوت عنها، أو أنها توارت خلف رداء ديني.

نحو اقتراب بديل

يُمكن فهم هذا المنظور المتعلق بدور التوظيف الأيديولوجي للدين من خلال وضعه في السياق العام لأدبيات التطرف العنيف. إذ تركز هذه الأدبيات على مجموعتين من الدوافع التي يمكن أن تسهم في دعم جاذبية خطاب التطرف العنيف، وزيادة نسبة التجنيد للجماعات المتطرفة. تعرف المجموعة الأولى باسم "عوامل الدفع" التي تُشكل -في مجملها- السياق العام (مثل: الفقر، والتهميش الاجتماعي، وانتشار البطالة، وتفشي الفساد، وانتهاك حقوق الإنسان، وسيادة القانون). تدفع هذه الظروف الهيكلية، بجانب عوامل أخرى، إلى تغذية المظالم المجتمعية التي تجعل الأفراد أكثر قبولًا لرواية التطرف العنيف. وعادةً ما يتم الشعور بهذه المظالم والتعبير عنها من قبل المجتمعات التي تجمعها روابط ثقافية أو أيديولوجية أو دينية أو عرقية. أما المجموعة الثانية فهي "عوامل الجذب" التي تشكل دوافع مباشرة في معركة كسب العقول والقلوب من جانب الجماعات المتطرفة. ومن أبرز هذه الأسباب المباشرة: المزايا المادية، أو اكتساب المكانة الاجتماعية نتيجة الانضمام لهذه الجماعات الإرهابية المسلحة. بعبارة أخرى، تُشير "عوامل الدفع" إلى تلك العوامل الهيكلية داخل المجتمع، في حين أن "عوامل الجذب" هي عوامل نفسية يمكن أن تجعل الفرد أكثر تقبلًا لاتخاذ سلوك متطرف عنيف.

يحاول هذا المقال التركيز على عوامل الدفع التي توفر بيئة مواتية للتطرف العنيف، على الرغم من عدم وجود إجماع بين الباحثين بشأن مجموعة معينة من الدوافع يكون لها وزن أكبر ليس فقط في التطرف الأيديولوجي، ولكن في حشد الأفراد والجماعات وتجنيدهم للتعبير بعنف عن مظالمهم. قد يستنتج بعض الدارسين أن أولئك الذين ينضمون إلى الجماعات المتطرفة العنيفة ربما يكون الدافع وراءهم عوامل دفع مثل الفقر والبطالة وأشكال أخرى من الصعوبات الاقتصادية، بالإضافة إلى أيٍّ من العوامل الهيكلية الأخرى. وقد يشير آخرون إلى أن الظروف التي يُحرم فيها الأفراد بشكل مباشر أو غير مباشر من الحقوق أو العدالة قد ثبت أنها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بدعم الحركات الراديكالية أو المشاركة فيها. إن أساس التفريق بين مختلف مظاهر العنف، والجهات الفاعلة التي ترتكب العنف، والعوامل التي تجذب الأفراد والجماعات إلى أن يصبحوا أطرافًا في العنف؛ ليست سوى أسس مباشرة وجاذبة. وعليه فإن الراديكالية العنيفة في إفريقيا تُعد نتاجًا لمجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعقدة للغاية والمتداخلة. ولعل حالة الضعف والهشاشة التي تُعاني منها إفريقيا تجاه التطرف العنيف تؤكد على أهمية تعميق فهم كيف يمكن لهذه الظروف، في كل سياق وطني وعبر المنطقة الأوسع، أن تكون بمثابة محركات أو ظروف مواتية للتطرف العنيف.

بؤرة جديدة للإرهاب:

 إن هجمات تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على شمال موزمبيق يُهدد بإغراق المنطقة في حالةٍ من الفوضى، وخَلْق بؤرة عُنْف مُسَلَّح ‏جديدة في إفريقيا.

لم تعد القوى‎ ‎الدولية الكبرى -مثل الولايات المتحدة- تُمارس دورًا كبيرًا في تنسيق الجهود لمواجهة هذه الأنواع من ‏حالات الطوارئ، وهو ما يخلق الفرصة لداعش للتمدد وإقامة بؤر إرهابية جديدة في مناطق الهامش التي تشهد فشلًا للدولة الوطنية. ‏ربما تكون جنوب إفريقيا هي الدولة الإقليمية الرئيسية التي يمكنها التدخل والحيلولة دون انتشار رقعة التطرف العنيف. لكن من غير ‏الواضح ما إذا كانت لدى حكومة المؤتمر الوطني الإفريقي في بريتوريا أو النخب الحاكمة في كل من تنزانيا وكينيا الرغبة في التدخل ‏في هذه الأزمة. لقد أدَّى الصراع العنيف، الذي اندلع في مقاطعة كابو ديلغادو في خريف عام 2017، إلى مقتل أكثر من ألف شخص، ‏وتشريد مائة ألف آخرين اضّطروا إلى الفرار من منازلهم. في الخامس من أغسطس 2020، شن المتمردون هجومًا آخر على ميناء موسيمبا دا برايا ‏ الإستراتيجي، وقتلوا أكثر من 50 جنديًّا في كمين واحد، وأغرقوا سفينة حربية صغيرة بقذيفة صاروخية. ‏بعدها بعدة أيام استولوا على الميناء لفترة محدودة. ولا شك أن عمليات التوغُّل والتمدُّد المسلَّح في مقاطعة كابو ديلغادو الغنية بالغاز ‏الطبيعي تُظهر كيف استطاع تنظيم "داعش" كسب معركة العقول والقلوب بين السكان المحليين، في الوقت الذي أدَّت فيه هجماته العنيفة ‏المتكررة إلى خفض معنويات الجنود الحكوميين، والتسبُّب في أزمة إنسانية في أفقر إقليم من أقاليم موزمبيق. 

ونحاول في هذا المقال فَهْم ‏السياق المركَّب والمعقَّد الذي أدَّى إلى تصاعد هذه الأزمة.

تقع جمهورية موزمبيق في منطقة الجنوب الإفريقي على طول ساحل المحيط الهندي، وتشترك في الحدود مع كلٍّ من إيسواتيني ‏وملاوي وجنوب إفريقيا وتنزانيا وزامبيا وزيمبابوي. على أن الموقع الساحلي لموزمبيق يمنحها أهميةً جغرافيةً واستراتيجيةً، ليس على ‏الصعيد الإقليمي فحسب، باعتبارها ممرًّا تجاريًّا إلى أسواق أخرى، ولكن أيضًا على المستوى القارّيّ؛ حيث تربط إفريقيا بعالم الشرق ‏الرحيب.‏

بعد حصولها على الاستقلال عن البرتغال في عام 1975، نشبت حرب أهلية وحشية في موزمبيق خلال الفترة (1977-1992) بين ‏جبهة تحرير موزمبيق (فريليمو) والمقاومة الوطنية الموزمبيقية (رينامو)، والتي أسفرت عن مقتل ما يقرب من مليون شخص ونزوح ‏خمسة ملايين آخرين. وقد وضعت هذه الحرب أوزارها بتوقيع الطرفين المتحاربين على اتفاق سلام عام 1992. وسرعان ما نفضت ‏البلاد عنها أوزار الماضي، وكادت تتحوَّل إلى قصة نجاح إفريقية بعد نحو عقدين من السلام والاستقرار. ففي خلال الفترة ما بين عامي ‏‏2004 و2015، شهدت البلاد نموًّا اقتصاديًّا مستقرًّا بمعدل 8٪ سنويًّا لتصبح واحدةً من أسرع عشرة اقتصادات نموًّا في العالم، وكان ‏من المتوقع أن تستمر في مسار هذا النموّ الواعد بعد اكتشاف حقول الغاز قبالة سواحل البلاد عام 2017. 

المحلي والأممي في الشمال:

تعكس مسيرة التطرُّف في شمال موزمبيق نفس خبرة بوكو حرام في نيجيريا والغرب الإفريقي؛ حيث تكون البداية من خلال الدعوة إلى ‏التطبيق الحرفي للتعاليم الإسلامية، ومعاداة الخطاب الصوفي المداهن للسلطة، ثم ينتهي الأمر إلى تكفير الجميع، وحمل السلاح في ‏مواجهة كلٍّ من الدولة والمجتمع. ومع تمكن الإسلاميين من أدوات حركتهم انتقلوا إلى مرحلة التنفيذ، حيث شهدت الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2017 ثلاث هجمات مسلحة، ثم ازدادت بشكل تصاعدي لتصل إلى 34 هجومًا في عام 2019. وخلال الفترة من يناير وحتى أبريل 2020 شهد شمال موزمبيق 43 هجومًا مسلحًا.

جاء أغلب أعضاء جماعة "أهل السنة والجماعة" من قبيلة كيمواني التي تم تهميشها اجتماعيًّا واقتصاديًّا، حتى إنها تكسب أقواتها من ‏خلال وسائط التجارة غير المشروعة. ويتحدث معظم المسلحين في المنطقة الشمالية اللغات البرتغالية، والكيموانية، والسواحيلية. وبصرف النظر عن حاجز اللغة؛ فإنهم لا يثقون بقوات الشرطة المحلية والجيش، التي يأتي أفرادها في الغالب من مناطق الجنوب. كما ‏أنَّ هناك عددًا كبيرًا من المقاتلين من تنزانيا والصومال ومنطقة البحيرات العظمى، الذين هاجروا بحثًا عن فرص أفضل.

قد تبدو بدايات الحركات المسلحة العنيفة في السياق الإفريقي واحدة أو متماثلة إلى حدّ كبير، وهو ما يجعل المكون الأممي المعولم أحد ‏المتغيرات المهمة في عملية الفهم والتحليل؛ بيد أن مسار كل حركة يرتبط كثيرًا بخصوصية السياق المحلي. كان سبيل الخلاص ‏المتصور لهؤلاء الدعاة هو استبدال المؤسسات الحكومية بهياكل أخرى بمقتضى "الشريعة الإسلامية" من أجل تأسيس دولة الإمارة ‏الإسلامية. فهم يرفضون استخدام الرموز الوطنية والمسيحية، ويميزون أنفسهم باعتبارهم "الفرقة الناجية"؛ من خلال ارتداء عمامات ‏ذات رؤوس بيضاء، وحلق رؤوسهم، وإعفاء لحاهم، وارتداء سراويل قصيرة تقف عند أسفل الركبتين مباشرة. مع مرور الوقت، انتقلت ‏المجموعة من هذه الحالة التطهرية لتصبح أكثر راديكالية؛ حيث أقامت معسكرات في مناطق نائية. تلقَّى الأعضاء تدريبات عسكرية ‏على أيدي أفراد خدموا سابقًا في قوات الشرطة والجيش الوطني، وكذلك على أيدي مقاتلي حركة الشباب من الصومال وكينيا وتنزانيا. ‏كما سافر بعض الأعضاء إلى الخارج للتدريب في معسكرات تابعة لحركة الشباب الصومالية.‏

في مايو 2018، قال ممثل الاتحاد الإفريقي، إن "داعش" وسّع نطاق انتشاره ليشمل شرق إفريقيا وموزمبيق. وبالفعل في يونيو 2019 ‏أعلن تنظيم "الدولة الإسلامية" لأول مرة مسؤوليته عن هجوم "شنه جنود الخلافة على الصليبيين التابعين للقوات المسلحة ‏الموزمبيقية" بحسب زعم البيان. وعلى الرغم من أن جذور الصراع محلية إلى حدٍّ كبير؛ إلا أن الجهاديين أقاموا روابط دولية -خاصة في تنزانيا- حيث ‏تم تجنيد عدد كبير من المقاتلين، وفقًا للحكومة الموزمبيقية. في 13 نوفمبر 2019، في أول هجوم عبر الحدود على قرية حدودية ‏تنزانية، أعدم المسلحون ستة أشخاص. وعادةً ما يُنظر إلى تنزانيا على أنها عُرضة للتوسع الجهادي، حيث يدين ما بين 30 إلى 40٪ ‏من سكانها بالإسلام، في حين أن نسبة المسلمين تبلغ ما بين 18 إلى 20٪ من إجمالي سكان موزمبيق‎ . ويعتقد ‏أيضًا أن للجهاديين صلات بجنوب إفريقيا. ففي أغسطس 2018، اعتقلت السلطات الموزمبيقية أحد المواطنين من جنوب إفريقيا، ‏لتزويده المتمردين بالأسلحة والأدوية والمال، وتمكين الجهاديين من تحويل الأموال لمقاتليهم.‏

لقد أصبح الجهاديون أكثر وضوحًا عن ذي قبل، حيث تظهر مقاطع الفيديو التي تم نشرها خلال المداهمات مطالبهم بتطبيق الشريعة ‏الإسلامية، كما أنهم يرفعون أعلام "داعش"، ولم يتركوا مجالًا للشك في ولائهم لها‎.‎‏ وتحاول الجماعة المسلحة توسيع نطاق جاذبية ‏خطابها الراديكالي بين السكان المحليين، في الوقت الذي تشن فيه هجمات أكبر وأكثر جرأة تربك الجنود المحبطين وتسبب أزمة ‏إنسانية في البلاد. ولذلك يتجه جانب كبير من الأدبيات إلى القول بأن التمرد الإسلامي العنيف في شمال موزمبيق هو ظاهرة مستوردة، ‏وهو ما يعني وجود مصادر خارجية تنبع من خارج حدود الدولة، إذ لا يخفى وجود تأثيرات أيديولوجية للدعاة الأجانب القادمين من كينيا والصومال. ولعل ذلك ‏كله يدفع باتجاه القول بالطبيعة الدينية للصراع العنيف في موزمبيق.

وفي هذا السياق نلاحظ وجود ارتباط بين ‏‎ ‎حركة التمرد الإسلامي في كابو ديلجادو والقوات الديمقراطية ‏المتحالفة، وهي منظمة معارضة للرئيس الأوغندي "يوري موسيفيني"، وتتبنى تفسيرًا راديكاليًّا عنيفًا لنصوص الشريعة الإسلامية. وقد ‏حاولت هذه المنظمة إقامة روابط مع التنظيمات الجهادية الكبرى، مثل "القاعدة" و"داعش"، كما أنها تدير معسكرًا للتدريب الجهادي في ‏شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتُظهر كثيرٌ من الدراسات الميدانية أهمية تأثير ‏أيديولوجيا السلفية الجهادية التي وفدت إلى المنطقة في الثمانينيات من القرن الماضي عن طرق المجلس الإسلامي في موزمبيق. كان ‏ذلك الغزو السلفي على حساب التفسير الصوفي المهادن الذي اتسمت به الخبرة الدينية في موزمبيق منذ أن دخلها الإسلام على أيدي ‏التجار المتصوفة في القرن العاشر الميلادي.

ختاماً يمكن القول إجمالًا إن الحركات المسلحة العنيفة في كل بلد تبدو مختلفة، وتعتمد على السياق، أي إنها تتبع مسارًا معينًا تُشكّله -في ‏الغالب- عوامل هيكلية داخلية أكثر من العوامل الخارجية. وعليه فإن التمرد الإسلامي العنيف في مقاطعة كابو ديلجادو، شمال موزمبيق ‏يرجع في جذوره التكوينية إلى فشل مشروع بناء الدولة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال. تداخلت مجموعة معقدة ومترابطة من ‏التفاعلات الداخلية والخارجية أدت إلى تفشي الفقر والفساد والتهميش الاجتماعي في كابو ديلجادو، وهو ما أسهم -بدوره- في زيادة ‏الشعور بالاغتراب والاستياء العام، خاصةً من الشباب المهمّشين. وقد انهمكت النخب المحلية في العمل مع الشركات الأجنبية لجني ‏الأرباح من الموارد الطبيعية وربما التجارة غير المشروعة. وفي ظل غياب الدولة وعجزها عن تقديم الخدمات الأساسية قد يلجأ بعض ‏الأفراد إلى التحصن بالدين كوسيلة للخلاص الدنيوي، وهو ما يُسهم في زيادة جاذبية الخطاب الديني العنيف. عادة ما يتم تقديم الدين ‏كإجابة لأزمة التنمية (على سبيل المثال: الإسلام هو الحل)، وعليه ينبغي التوكيد على أهمية العوامل المحلية المرتبطة ‏بفشل الدولة في تفسير صعود الجماعات المسلحة العنيفة، وإن كانت عولمة الخطاب الجهادي العنيف تمارس دورًا مهمًّا في صياغة هذا ‏المسار العنيف. 

لا يمكن تبنّي مقتربات عسكرية فقط للقضاء على عنف الحركات الإسلامية المسلحة. ثمة حاجة إلى تبنّي الروايات المضادّة لمحاربة خطاب الكراهية والتطرف الذي تتبنَّاه تلك الجماعات، وهنا يمكن للمبادرات المحلية التي ‏يقودها رجال الدين ومؤسسات المجتمع المدني أن يكون لها الدور الرئيسي. على أن ذلك كله لن يجدي نفعًا دون دعم حكومة موزمبيق ‏لمعالجة الدوافع الاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراء التطرف في كابو ديلغادو من خلال الخطط التنموية والتعليمية والمهنية الهادفة ‏لتطوير الإقليم، وتحويل لعنة الموارد الطبيعية إلى نعمة يستفيد منها الجميع على قدم المساواة.‏


الكلمات المفتاحية: إفريقياموزمبيق

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات