أخبار المركز
  • أ. د. علي الدين هلال يكتب: (جدل علاقة إيران ووكلائها.. توافق التوجهات ومرونة التحركات)
  • هدير طلعت سعيد تكتب: (مشروع ممر TUTIT: محفزات ومعوقات تنفيذ ممر جديد لربط آسيا وأوروبا)
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (الشرق الأوسط يترنح بين النزاعات الإقليمية والممارسات عديمة الإنسانية)
  • ديميتري بريجع يكتب: (استراتيجية "سيرسكي": قيادات جديدة لجيش أوكرانيا.. هل تتغير مسارات الحرب؟)
  • عادل علي يكتب: (تأمين الجوار: دوافع وقيود تبادل السفراء بين الصين وحكومة طالبان الأفغانية)

حسابات متعددة:

دوافع تنشيط المركز الأمني الرباعي في العراق

01 سبتمبر، 2020


تسعى العراق في الوقت الحالي إلى تنشيط عمل المركز الرباعي الاستخباراتي والأمني الذي تشارك فيه إلى جانب كل من روسيا وإيران وسوريا، وهو ما انعكس في تصريحات المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة في العراق اللواء تحسين الخفاجي في 26 أغسطس الفائت، الذي قال أن المركز مستمر في العمل بمقره في وزارة الدفاع العراقية ببغداد، وأنه قدم الكثير في محاربة الإرهاب "الداعشي" من خلال توفيره سيلاً من المعلومات ضد العصابات الإرهابية، خاصة بما يتعلق بالجانبين السوري والعراقي. 

مهام تنسيقية:

كان الغرض من إنشاء المركز الرباعي في 26 سبتمبر 2015 هو رفع مستوى التنسيق بين الدول الأربعة المشاركة فيه، ويتضح ذلك من خلال ما يلي: 

1- رفع مستوى التنسيق بين الأطراف الأربعة: وذلك من خلال جمع ومعالجة وتحليل معلومات عن تنظيم "داعش" وامتداداته، مع توزيع هذه المعلومات على الجهات ذات الشأن وتسليمها إلى هيئات أركان القوات المسلحة للدول المشاركة في المركز.

2- تقديم الاستشارة الأمنية في الحرب ضد تنظيم "داعش": إذ تقوم روسيا وإيران ببلورة توصيات تخص خوض عمليات قتالية للعراق وسوريا. وبحسب الاتفاق التأسيسي للمركز بين الدول الأربعة، يعتبر المركز بمثابة غرفة عمليات مشتركة ويضم ممثلين لهيئات أركان جيوش هذه الدول، وتتم إدارته بالتناوب بين ضباط من روسيا وسوريا والعراق وإيران على ألا تتجاوز فترة إدارة كل طرف ثلاثة أشهر. 

اعتبارات مختلفة: 

يمكن تفسير المساعي العراقية الحالية لتنشيط عمل المركز الرباعي الاستخباراتي من خلال عدد من الاعتبارات، والتي تتمثل فيما يلي: 

1- تصاعد المخاوف العراقية من عودة تنظيم "داعش": جاء الإعلان العراقي عن تنشيط عمل المركز الرباعي بالتزامن مع بروز تحذيرات لنائب الأمين العام للأمم المتحدة فلاديمير فورونكوف، والذي يتولى كذلك منصب إدارة مكافحة الإرهاب في المنظمة، من إمكانية تصاعد خطر الإرهاب في المنطقة مجدداً، خاصةً مع التقديرات الأممية بوجود أكثر من 10 آلاف مسلح لـ"داعش" لا يزالون ناشطين في العراق وسوريا ويتنقلون بحرية ضمن خلايا صغيرة بين الدولتين، وأن كلا البلدين سُجلت فيهما زيادة ملموسة للهجمات المنفذة على يد "داعش" عام 2020 مقارنة مع عام 2019.

2- تطوير مستوى التنسيق الاستخباراتي السوري- العراقي: تبذل بغداد جهوداً حثيثة من أجل محاصرة تنظيم "داعش" في الساحة السورية، وذلك كخطوة مكملة للجهود التي تقوم بها في الداخل وكذلك في محيط الحدود السورية- العراقية ضد التنظيم. ورغم أنه من المعروف تاريخياً قوة العلاقات الاستخباراتية بين بغداد ودمشق، إلا أنه كان من الملاحظ بالنسبة للجانب العراقي أن هناك ضعفاً حالياً في القدرات الأمنية والاستخباراتية السورية على صعيد محاصرة تنظيم "داعش" في الساحة السورية. 

ولعل أبرز المؤشرات الدالة على ذلك هو التسرب المتواصل للعناصر "الداعشية" من سوريا إلى العمق العراقي رغم الإجراءات التي تتخذها السلطات العراقية لوقف ذلك. وفي هذا السياق، ترى بغداد أن المركز الرباعي سيُزيد من قدرة دمشق على التصدي لعناصر "داعش". واللافت هنا أن الإعلان العراقي عن استئناف نشاط المركز جاء مباشرة بعد الزيارة التي قام بها رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض إلى دمشق في 26 أغسطس الفائت، والتي نقل خلالها رسالة من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى الرئيس بشار الأسد بشأن جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز أمن الحدود بين البلدين.

3- تصدر المؤسسات الأمنية والاستخباراتية جهود المواجهة: يمثل تصاعد الدور الاستخباراتي العراقي ضد تنظيم "داعش"، انعكاساً لتصدر المؤسسات الأمنية والاستخباراتية في العراق في الوقت الحالي لجهود مواجهة فلول التنظيم، على اعتبار أنه بات بمثابة تهديد متحرك يتطلب جهوداً استخباراتية ومعلوماتية كبيرة، على عكس الفترة التي كان يسيطر فيها التنظيم على مساحة كبيرة من الأرض في العراق، والتي كان للجانب العسكري الدور الأكبر فيها من خلال العمليات العسكرية. ومن الأسباب التي تضفي مزيداً من الزخم على الدور الحالي البارز الذي تقوم به الاستخبارات العراقية الخلفية الاستخباراتية لرئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، حيث كان يشغل رئيس جهاز المخابرات العراقية السابق.

4- السياسة الخارجية المتوازنة للحكومة العراقية الحالية: حرصت الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي منذ توليها السلطة على تبني سياسة خارجية متوازنة مع جميع الأطراف، على اعتبار أن العراق تضررت في الأعوام الأخيرة جراء تبنيها سياسات منغلقة ومنحصرة في محاور معينة. ولعل آخر أبرز المؤشرات الدالة على النهج الحالي المتوازن للحكومة الحالية على صعيد السياسة الخارجية بشكل عام وفي مسألة تنشيط المركز الرباعي على وجه الخصوص، ما ذكره الكاظمي في 26 أغسطس الفائت خلال جلسة للحكومة، بأن إبعاد العراق عن سياسة المحاور هو المنهج الذي تسير عليه حكومته الحالية.

5- الرغبة العراقية في الاستفادة من الدعم الدولي والإقليمي ضد "داعش": تحاول حكومة الكاظمي الاستفادة بأقصى قدر ممكن من الجهود الدولية والإقليمية المبذولة للتصدي لتنظيم "داعش". ولا ينفصل ذلك عن القمة الثلاثية المصرية- الأردنية- العراقية التي عُقدت في العاصمة الأردنية عمان في 25 أغسطس الفائت، والتي ضمت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وكان من ضمن محاورها الرئيسية سعى الأطراف الثلاثة لتنسيق الجهود للتصدي لخطر الإرهاب المتجدد. كما يرتبط بذلك استضافة بغداد في 27 أغسطس الفائت لوزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي لبحث كيفية تنسيق الجهود ضد إرهاب تنظيم "داعش".

6- احتواء الضغوط الشيعية في ملف الحضور الأمريكي: شهدت الفترة الأخيرة تصعيداً من جانب القوى والميليشيات الشيعية العراقية بشأن الحضور العسكري الأمريكي في العراق، للدرجة التي دفعت بعض الأطراف الشيعية للتهديد بالإطاحة بحكومة الكاظمي حال عدم إقدامها على تنفيذ القرار البرلماني بإخراج القوات الأجنبية من البلاد. وبالتالي، يبدو أن الحكومة سعت عبر تنشيط المركز الأمني إلى توجيه رسائل طمأنة للقوى والميليشيات الشيعية، لاحتواء الضغوط التي تمارسها في الوقت الحالي. 

مساران متوازيان: 

يبدو أن الحكومة العراقية تحاول في الوقت الحالي الانخراط في مسارين أمنيين متوازيين في إطار جهودها لمكافحة نشاط تنظيم "داعش": يتمثل أولهما، في مواصلة إجراء الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية، بكل ما يتضمنه من ترتيبات أمنية تتعلق بالوجود العسكري الأمريكي في العراق. ويتعلق ثانيهما، بتطوير التعاون الأمني مع خصوم واشنطن، وتحديداً روسيا وإيران وسوريا، لاعتبارات ترتبط بتوازنات القوى السياسية الداخلية وجهود توسيع هامش المناورة وحرية الحركة أمام الحكومة للتعامل مع ضغوط المحاور الخارجية.