أخبار المركز
  • أ. د. علي الدين هلال يكتب: (جدل علاقة إيران ووكلائها.. توافق التوجهات ومرونة التحركات)
  • هدير طلعت سعيد تكتب: (مشروع ممر TUTIT: محفزات ومعوقات تنفيذ ممر جديد لربط آسيا وأوروبا)
  • معالي نبيل فهمي يكتب: (الشرق الأوسط يترنح بين النزاعات الإقليمية والممارسات عديمة الإنسانية)
  • ديميتري بريجع يكتب: (استراتيجية "سيرسكي": قيادات جديدة لجيش أوكرانيا.. هل تتغير مسارات الحرب؟)
  • عادل علي يكتب: (تأمين الجوار: دوافع وقيود تبادل السفراء بين الصين وحكومة طالبان الأفغانية)

مرحلة انتقالية:

إعادة تشكل خريطة التحالفات السياسية العراقية

16 يوليو، 2020


يعاد تشكل خريطة التحالفات السياسية العراقية على خلفية التوجهات السياسية الداخلية والخارجية للكتل التي تبرم تحالفات مرحلية. وعلى الأرجح، لا تعبر تلك التكتلات عن اصطفافات جديدة أو طارئة، حيث تشكل تكتل "عراقيون" بزعامة رئيس تيار "الحكمة" عمار الحكيم ويضم ائتلاف "النصر" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي. 

في المقابل، من المرجح اتجاه زعيم تيار "الفتح" هادي العامري ورئيس ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي إلى تشكيل تحالف جديد، خاصة بعد الخطوة الأخيرة التي أعلن عنها العامري بالاستقالة من البرلمان، وعدم تولي منصب سياسي أو زعامة "الحشد الشعبي"، وهى الخطوة التي سيتبعها تشكل تحالفات أخرى.

 لكن يظل ما هو قيد التشكل حالياً من تكتلات هو خطوة أولى أفرزتها المرحلة الانتقالية، وربما يعاد تشكلها مرة أخرى في مرحلة تالية بالنظر لاستحقاقات المرحلة الانتقالية وليس الموقف من الحكومة الحالية. 

طبيعة الاصطفافات:

بين معارضة وتأييد حكومة مصطفى الكاظمي الانتقالية، يتجه الخطاب الإعلامي والسياسي حالياً إلى التكتلات المرحلية. فعلى الرغم من أن بعض الأعضاء المحسوبين على تحالف "الفتح"، ومنهم النائب عدي شعلان، أكدوا على أن التحالف لا ينوي أن يشكل معارضة للحكومة في المرحلة الحالية، بقدر ما سيراقب أداءها، مشيرين إلى أن طلب استدعاء التحالف لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى البرلمان لتقييم دور الحكومة في التعامل مع أزمة "كورونا" جاء في هذا السياق، إلا أن استقالة العامري من البرلمان، على نحو دفع اتجاهات عديدة إلى ترجيح تعيينه في منصب تنفيذي أمني، وهو ما تم نفيه رسمياً، أكدت التكهنات المتوقعة بأن العامري بصدد تشكيل ائتلاف واسع معارض لرئيس الوزراء سيضم في المقام الأول ائتلاف "دولة القانون"، وسط مؤشرات عديدة، منها معارضة العامري لأغلب قرارات الكاظمي وآخرها القرارات المتعلقة بمخيم رفحاء، وقبلها الموقف الخاص بخلايا "الكاتيوشا"، وإن كان العامري لم يظهر في الصورة مباشرة.

ويمثل ضم ائتلاف "دولة القانون" إلى قوى المعارضة انعكاساً لترتيبات العلاقة بين زعيم الائتلاف والعامري حيال كافة القضايا الأمنية والسياسية، بالتوازي مع وجود قاسم مشترك رئيسي هو تعزيز التوجهات الإيرانية، لاسيما في المواجهة مع الولايات المتحدة داخل العراق، ودعم إنشاء جبهة غير رسمية مستقلة عن الدولة، بعد هيكلة "الحشد الشعبي".

 وقد شن المالكي حملة المعارضة للكاظمي مبكراً قبيل إعلان تشكيل تحالف معارض، بدأت بالدفاع عن نفسه في قضية اقتحام تنظيم "داعش" للموصل 2014، ما سمح بسيطرة التنظيم على ثُلث البلاد، حيث زعم، مطلع الشهر الجاري، بأن هناك "مؤامرة حيكت ضد العراق لدخول داعش"، وألمح إلى ضلوع الجيش العراقي والإدارة الأمريكية السابقة فيها، ويحاول من خلال ذلك عرقلة مساعي الكاظمي لإعادة الاعتبار لدور المؤسسة العسكرية، وكذلك جهوده لترتيب العلاقات مع الولايات المتحدة في إطار الحوار الاستراتيجي المشترك.  

دعم سياسي:

بحسب بيان تشكيل تحالف "عراقيون" وتقديرات مراقبين محليين، فإن تحالف عمار الحكيم الجديد يهدف مرحلياً إلى دعم الكاظمي وفق توجهاته الحالية. فالبنود العشرة التي تصدرها "تقوية مسار الدولة ومؤسساتها، وتطبيق القانون على الجميع، وإعادة الثقة بالنظام السياسي"، هى ذاتها جوهر الخطاب السياسي للكاظمي، وبالتالي سيشكل هذا التحالف الحاضنة السياسية للكاظمي الذى لم ينضم لتيار سياسي، بالنظر لاعتبارات المرحلة الانتقالية التي يفترض معها استقلاليته. 

وعلى الرغم من تأكيد الكاظمي على البعد عن الاستقطابات المرحلية، وسعيه إلى تنفيذ الأجندة السياسية الخاصة بالمرحلة الانتقالية، وتلويحه في أكثر من مناسبة بإمكانية الانسحاب من المشهد السياسي في حال عدم القدرة على القيام بذلك، إلا أن تطور خطابه السياسي بدأ يعطي انطباعاً، كما يقول مراقبون، بأن لديه طموحاً سياسياً ربما سيغير من وجهة النظر تلك، وقد تتحول الحاضنة الواعدة والداعمة له حالياً، والممثلة في تحالف "عراقيون"، إلى قاعدة سياسية له في المستقبل.

خيارات مؤجلة: 

ربما تفسر الدوافع الرئيسية لتشكل تحالف داعم وآخر مضاد للحكومة الانتقالية اتجاهات رد الفعل على المتغيرات التي أحدثها الكاظمي. لكن يظل هناك عامل آخر يتعلق بطبيعة الاصطفافات السياسية قيد التشكل لما بعد المرحلة الانتقالية، وهو ما ستتجه إليه أغلب القوى السياسية في المرحلة القادمة، في إطار الاستحقاقات المقبلة، لاسيما الانتخابات المبكرة، وهو ما يعكسه بيان تأسيس تحالف "عراقيون"، وما يتوقع أن يعكسه التحالف المرتقب تشكيله من جانب زعماء تحالف "الفتح" وائتلاف "دولة القانون".

لكن في مقابل ذلك، يبدو أن هناك تحالفات مؤجلة، لم تتبلور بعد، وهى التي ستحدد أين ستذهب كتلة فائض التحالفات التي جرى تشكلها، وأبرزها تحالف "سائرون" بزعامة رجل الدين البارز مقتدى الصدر. فعلى الرغم من أن سياسات هذا التحالف تتقارب، إلى حد كبير، مع توجهات "عراقيون"، بقدر ابتعادها عن توجهات تحالف المعارضة الذي ينوي العامري تشكيله، وهو ما ظهر في موقفها من القضايا الرئيسية خاصة الانسحاب الأمريكي من العراق، وقضايا الإصلاح بشكل عام، إلا أنها في الوقت ذاته تنتقد آلية تشكل "عراقيون" من زاوية تبني الحكومة الانتقالية، وترى أنه يعبر عن مصالح "شخصية وضيقة" وفقاً للنائب عن "سائرون" رياض المسعودي لدى تعقيبه على تشكل "عراقيون".

 ويبدو تحالف "سائرون" أكثر تركيزاً على جدول أعمال المرحلة الانتقالية، وتحديداً قضية الانتخابات، حيث يعتبر أن القوى السياسية وإن كانت تصرح علانية برغبتها في إجراء الانتخابات المبكرة، لكنها لا ترغب في ذلك طبقاً للنائب بدر الزيادي القيادي في التحالف. 

وربما يأتي هذا الموقف من جانب "سائرون" على خلفية تعثر الانتهاء من قانون الانتخابات، في ظل القضايا العالقة لاسيما تقسيم الدوائر وطريقة الاقتراع. كما أن اتجاهات القانون الجديد ربما لن تكون في صالح بناء تحالفات كبيرة، إذ من المرجح أن يمنح المستقلون والكتل السياسية الصغيرة فرصة أفضل، على نحو يزيد من احتمالات إعادة بناء التحالفات مرة أخرى بعد الانتهاء من قانون الانتخابات بشكل نهائي. 

في النهاية، من المتصور أن المرحلة الانتقالية فرضت نفسها على كافة القوى والتيارات السياسية العراقية، التي توزعت بين معسكرات وفقاً لمنظور كل منها تجاه المرحلة الانتقالية، ما بين انحيازات البعض سواء مع أو ضد سياسات الحكومة في المرحلة الانتقالية، ووقوف البعض الآخر في منتصف المسار انحيازاً لطبيعة الاستحقاق المقبل ما بعد تلك المرحلة. وربما يكون إقرار قانون الانتخابات المرتقب هو المتغير الذي سيفصل في هذه الإشكالية خلال المرحلة القادمة.