التقديرات

دوافع متباينة:

لماذا يُستهدف قطاع الكهرباء في بؤر الأزمات العربية؟

الخميس، 21 مايو، 2020
دوافع متباينة:

تزايد استهداف معدات وشبكات ومحولات الإمداد الكهربائي، بأشكال مختلفة، في كل من ليبيا وتونس واليمن وسوريا والعراق، خلال العقد الماضي، وبصفة خاصة العام الأخير منه، وهو ما يمكن تفسيره استناداً لجملة من الاعتبارات تتمثل في نشاط عصابات الجريمة المنظمة المتخصصة في سرقة الأسلاك الكهربائية، وازدهار "تجارة الخردة"، وتمويل المجهود الحربي للميليشيات المسلحة عبر فرض جبايات على ملاك المولدات الكهربائية، ومعاودة نشاط التنظيمات الإرهابية في مناطق النفوذ التقليدية باستهداف أبراج الضغط العالي للطاقة الكهربائية، وتوفير موارد ومعدات خادمة لتحركات التنظيمات الإرهابية في البؤر الطرفية، وتدخلات الأطراف الإقليمية، وخاصة تركيا، في أتون الصراعات المسلحة العربية.

محور رئيسي:

تشير تفاعلات عام 2020 إلى أن قطاع الكهرباء مثل أحد محاور الاستهداف من قبل الأطراف الفاعلة الداخلية في بؤر الأزمات العربية، وهو ما تعكسه النقاط التالية: 

لصوص الأسلاك:

1- نشاط عصابات الجريمة المنظمة المتخصصة في سرقة الأسلاك الكهربائية: أدت الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتردية التي شهدتها ليبيا في مرحلة ما بعد سقوط نظام القذافي، وبصفة خاصة في العاصمة طرابلس، إلى تبلور نمط جديد من الجريمة، يقوم به ما يطلق عليهم "لصوص الأسلاك"، الذين ينهبون آلاف الكيلومترات من أسلاك الضغط العالي الكهربائي، الأمر الذي يتسبب في انقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، وهو ما يتطلب تركيب أسلاك بديلة. ووفقاً لما تشير إليه العديد من وسائل الإعلام المحلية الليبية، تشهد العاصمة طرابلس يومياً حالات سرقة لمئات أو آلاف من الأسلاك الكهربائية.

وفي هذا السياق، قال محمد النكوري، مدير دائرة الإعلام بالشركة العامة للكهرباء، في تصريحات لصحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية في 5 مارس الماضي: "إن القطاع يعاني من عمليات سرقة واسعة على مدار السنوات الماضية في عموم المدن الليبية، وهو ما يتسبب في وضع الشركة تحت ضغوط مادية كبيرة"، مضيفاً أن "اللصوص يستغلون فترات تخفيف الأحمال، فيتجهون إلى خطوط تيار الضغط العالي، ويستولون على آلاف الأمتار". 

وأوضح أن "ارتفاع ثمن مادة النحاس بات يغري اللصوص بالاتجاه إلى خطوط التيار الكهربائي أثناء عملية فصل التيار لتخفيف الأحمال، وبيع هذه الأسلاك في سوق الخردة". ويشير أحد التقديرات الصادرة عن الشركة العامة للكهرباء الليبية إلى أن الأسلاك والمعدات الكهربائية المسروقة خلال السنوات الخمس (2015-2019) بلغت قيمتها نحو 1.285 مليون دينار (الدولار يساوي 4.35 دينار)، وهو ما يعكس اقتصاد حرب مهم ومتطور في ليبيا. 

ولم يقتصر ذلك على الحالة الليبية، بل يمتد إلى الحالة السورية، حيث انقطعت الكهرباء عن عدد من منازل بلدة في محافظة حماة السورية بسبب السرقة، وفقاً لما أشارت إليه العديد من وسائل الإعلام السورية. فقد قال المدير العام لشركة كهرباء حماة محمد الرعيدي، في 28 إبريل الفائت، أن "شبكات التوتر المنخفض الهوائية في السعن القبلي بمنطقة سلمية تعرضت للسرقة من مجهولين ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن قسم كبير من المنازل". 

وأضاف الرعيدي أن "أعمال التخريب المتعمدة والتعديات والتجاوزات التي تتعرض لها مكونات الشبكة الكهربائية ازدادت مؤخراً في معظم المناطق واستغل ضعاف النفوس الظروف الراهنة وفترة تطبيق إجراءات الحجر المنزلي لسرقة الكابلات والتجهيزات النحاسية بهدف الاستفادة من بيعهم لمادة النحاس". ولا تعد تلك الحادثة الأولى من نوعها، إذ سبق أن أعلنت كهرباء حماة عن واقعة سرقة أسلاك نحاسية بهدف بيعها في ريف المحافظة.

جباية الميليشيا:

2- تمويل المجهود الحربي للميليشيات المسلحة: وذلك عبر فرض جبايات على ملاك المولدات الكهربائية، وهو ما تعكسه ممارسات ميليشيا المتمردين الحوثيين في العاصمة اليمنية صنعاء، التي تشمل استهداف وابتزاز ملاك محطات توليد الطاقة الكهربائية غير الموالين لها. وفي هذا السياق، تشير العديد من وسائل الإعلام المحلية اليمنية إلى أن الحوثيين استهدفوا مؤخراً عبر حملة موسعة ما يقرب من 12 محطة كهرباء خاصة تتبع المنطقتين الأولى والثانية من العاصمة، وكذلك المنطقتين الثالثة والرابعة. 

وفي الوقت الذي أدت الحملة الحوثية إلى إغلاق المحطات تحت دعوى عدم التزام ملاكها بالتسعيرة المقررة، فضلاً عن اعتقال بعضهم لرفضهم دفع الجبايات المالية، سمحت الميليشيا بتشغيل عدد منها، بعد فرض مبالغ مالية ضخمة لأعضاءها. ويأتي ذلك في ظل ازدواج معايير واضح، إذ أنشأت الميليشيا للموالين لها محطات بصورة مخالفة وبدون الانتهاء من التراخيص الرسمية، على نحو يشير إلى أنها تحاول الانفراد بإدارة هذا القطاع الحيوي. وتم تأجير المحطتين الأولى والثانية في العاصمة لمجموعة "المترب"، وحصلت مجموعة "اللوزي" على المنطقتين الثالثة والرابعة. 

وهنا، تجدر الإشارة إلى إقدام الميليشيا، في منتصف عام 2018، على خصخصة محطات الكهرباء الحكومية، وتحويل الوزارة إلى قطاع تجاري خاص، وهو ما يفسر انتشار تعبير "الكهرباء الحوثية"، لاسيما أن العديد من المناطق بما فيها العاصمة الواقعة تحت نفوذها تعاني من الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي منذ أكثر من خمس سنوات، الأمر الذي يفرض على اليمنيين، في الغالب، الاعتماد على الألواح الشمسية أو الكهرباء التجارية المدفوعة، وهى باهظة الثمن.

ويمثل هذا الاستهداف الممنهج من الحوثيين سلوكاً عاماً تجاه المنشآت العامة والبنية التحتية. فقد دعت شركة صافر النفطية، في بيان صادر عنها في 9 إبريل الفائت، الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن مارتن جريفيث إلى ممارسة الضغط على الحوثيين للسماح بوصول فريق فني إلى خزان صافر، لإجراء الصيانة اللازمة، وأضافت: "أدى الاستهداف لتضرر خزانات الوقود بشكل مباشر، إضافة لاختراق السكن الخاص بالمحطة، وتلف غرف التحكم والمولدات الكهربائية".   

ضربات الإرهاب:

3- معاودة نشاط التنظيمات الإرهابية في مناطق النفوذ التقليدية: يحاول تنظيم "داعش" استعادة دوره عبر توجيه ضربات لأهداف محددة في كل من سوريا والعراق، لاسيما في ظل انشغال العالم بمواجهة جائحة "كوفيد-19". ونفذ التنظيم، خلال الأسابيع القليلة الماضية، عبر خلايا نائمة، عدة هجمات خاطفة استهدفت القوات الأمنية والحشد الشعبي في عدة أماكن من العراق، وفقاً لأسلوب "حرب العصابات".

فقد أشارت تقارير عراقية إلى أنها نقلت عن مصدر أمني من محافظة ديالى، في 19 مايو الجاري، أن تنظيم "داعش" استهدف برجين للطاقة الكهربائية في المحافظة، وأضافت أن "هذا الاستهداف هو السادس من نوعه خلال الـ 5 أسابيع الماضية". وسبق أن أعلنت خلية الإعلام الأمني في العراق، في 14 من الشهر نفسه، عن انفجار عبوة ناسفة على الخط 33 للضغط العالي لنقل الطاقة الكهربائية، بين قرية إدريس هياس وقرية الكيف في محافظة كركوك.

تهديدات الأطراف:

4- توفير موارد ومعدات خادمة لتحركات التنظيمات الإرهابية في البؤر الطرفية: تشهد تونس منذ سنوات عمليات إرهابية تشبه ثورات البراكين، تظهر أحياناً وتختفي أحياناً أخرى، وتستهدف قوات الشرطة والجيش والمدنيين، على حد سواء، لاسيما في مناطق الأطراف. فقد أحبط الجيش التونسي مخطط تحضير لعملية إرهابية كانت ستستهدف عسكريين وأمنيين في مرتفعات القصرين بغرب تونس، وفقاً لبيان صادر عن وزارة الدفاع التونسية في 11 مايو الجاري. 

وأضاف البيان أنه "بتمشيط المنطقة التي ظهرت فيها الحركة، تم العثور على مخبأ يحتوي على معدات وحاشدات وأسلاك كهربائية وقطع حديدية وكمية من مادة الأمونيتر، وتوابع مخصصة لصناعة الألغام والعبوات الناسفة". ولعل عثور فريق الهندسة العسكرية على الأسلاك الكهربائية في هذا المخبأ يعبر عن محوريتها لدى الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية لاسيما في ظل ازدهار تجارة الخردة في بؤر صراعات وأزمات مختلفة.

تمدد أنقرة:

5- تدخلات الأطراف الإقليمية في أتون الصراعات المسلحة العربية: أدى استهداف الفصائل المسلحة التابعة لتركيا، في 28 فبراير الماضي، لخطوط التوتر العالي لنقل الكهرباء في مدينة تل تمر شمالى الحسكة إلى انقطاع الكهرباء عن المدينة، ولم يكن هذا الاستهداف هو الأول من نوعه حيث سبقته عملية بثمانية أيام لاستهداف المنطقة نفسها. 

وقبل ذلك بيومين، أصيب 7 من العمال من مكتب الطاقة التابع للإدارة الذاتية في ريف بلدة زركان/أبو رأسين، عقب انفجار لغم أرضي أثناء محاولتهم صيانة خطٍ للتوتر العالي في قرية خربة شعير، الأمر الذي يعكس دور أنقرة في التضييق على حياة القاطنين في شمال شرق سوريا عبر استهداف محطات توليد الكهرباء ومياه الشرب.

سياقات الفوضى:

خلاصة القول، إن سياقات الاضطراب والفوضى التي تعاني منها دول الأزمات العربية، انعكست على أسلاك وأبراج الكهرباء بشكل واضح، وهو ما أدى إلى انفصالها وخروجها من الخدمة، في أغلب الأحيان، الأمر الذي يتطلب إعادة الصيانة في ظل انهيارات البنية التحتية وتعثر جهود إعادة الإعمار وتزايد الطلب على الكهرباء في فصل الصيف، الذي ترتفع فيه معدلات درجات الحرارة عام بعد آخر. فمشكلات الكهرباء تعد عائقاً أمام استعادة الاستقرار في بؤر الأزمات العربية.

الكلمات المفتاحية: الكهرباءالأزمات العربية

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات