التحليلات - التغيرات السياسية

انحسار واضح:

هل يشهد النفوذ الإيراني تصدعاً في العراق؟
الثلاثاء، 07 أبريل، 2020
انحسار واضح:

يتمثل أول المؤشرات على وجود تداعيات مباشرة لتصفية "قاسم سليماني" على النفوذ الإيراني في العراق في ترشيح "عدنان الزرفي" لمنصب رئيس الوزراء، في أعقاب محاولة فاشلة من إيران لدعم "محمد علاوي" لتشكيل حكومة، وهو ما يمثل تطورًا لا يمكن الاستهانة به، خاصة أنه يمثل نجاحًا محتملًا لسياسة أمريكا القائمة على فرض الضغوط القصوى على طهران.

مرشح شيعي يفتقد الدعم الإيراني:

رشح الرئيس العراقي "برهم صالح"، في 17 مارس 2020، "عدنان الزرفي" ليكون رئيس الوزراء الجديد، وأمهله 30 يومًا لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وجاء هذا الترشيح في أعقاب فشل "محمد علاوي" في تشكيل حكومة جديدة على الرغم من المحاولات الإيرانية لتوفير الدعم له من قبل الأحزاب الشيعية. وأثار تكليف "الزرفي" انقسامًا بين الأحزاب الشيعية في العراق، بين تلك القوى المرتبطة بإيران التي عارضت ترشيحه، وبين تلك التي أعلنت دعمه، مثل الأحزاب المرتبطة برجل الدين العراقي "مقتدى الصدر" ورئيس الوزراء العراقي الأسبق "حيدر العبادي".

وفي المقابل، أبدت الولايات المتحدة دعمًا له على لسان "ديفيد شينكر"، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، الذي قال: "نحن ندعم السياسيين العراقيين الذين يدعمون السيادة العراقية" (1)، في إشارة إلى توقع واشنطن أن يقوم "الزرفي" بتحجيم النفوذ الإيراني على العراق سياسيًّا وأمنيًّا. وفي المقابل، سعى "الزرفي" لتأكيد قدرته على تلبية بعض هذه التوقعات، حيث أوضح أنه سيكرس جهوده لوضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة العراقية، في إشارة إلى قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران، فضلًا عن تأكيد رغبته في إقامة علاقات متوازنة مع الدول المجاورة للعراق (2)، وهي التصريحات التي تمثل مصدر قلق لطهران، خاصة بالنظر إلى تاريخ "الزرفي" نفسه. 

فقد انضم "الزرفي" إلى صفوف حزب الدعوة المحظور عام 1983، وسُجن عام 1988 بسبب انتمائه للحزب. وبعد انتفاضة عام 1991، تمكن من الهرب إلى المملكة العربية السعودية، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة. ومع الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، تم تعيينه من قبل المسؤولين الأمريكيين محافظًا للنجف (3)، كما كان عضوًا في ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء العراقي السابق "حيدر العبادي"، وهو أحد انشقاقات حزب الدعوة الإسلامي (4).

وعلى الرغم من كونه عضوًا في حزب شيعي، فإن طهران تبدي اعتراضًا عليه، بسبب تعاونه مع الولايات المتحدة. وقد ظهر ذلك في رفض "الزرفي" من قبل الأحزاب السياسية الشيعية المتشددة، التي اعتبرته تهديدًا لامتيازاتها. وزعم "هادي العامري"، زعيم تحالف فتح، وقائد فيلق بدر، إحدى الميليشيات التابعة لقوات الحشد الشعبي، أن ترشيح الزرفي "غير قانوني واستفزازي". وعلاوة على ذلك، أكّد زعيم عصائب أهل الحق "قيس الخزعلي"، أن ترشيح الرئيس العراقي" برهم صالح" للزرفي يهدد الاستقرار الداخلي في العراق، في رسالة تهديد مستترة من جانب ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية بإمكانية رفعها السلاح ضد الحكومة العراقية (5).

انحسار نفوذ طهران على بغداد:

يمثل ترشيح "الزرفي" تطورًا غير مسبوق في تاريخ السياسة العراقية، منذ الانتخابات البرلمانية عام 2005. فعلى الرغم من أن مختلف الأحزاب السياسية الشيعية العراقية عانت انقسامات داخلية حادة، منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، والذي تجسد في بعض الأحيان في صورة مواجهات مسلحة مفتوحة بين الميليشيات التابعة للقوى الشيعية المتنافسة، فإن "قاسم سليماني" قائد فيلق القدس، ذراع العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني، كان يتمكن من توحيد تلك الفصائل المتصادمة للحفاظ على النفوذ الإيراني على النظام السياسي العراقي. 

ففي كل المفاوضات التي سبقت تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2005، تدخلت طهران للتوسط بين مختلف القوى الشيعية، وذلك للاتفاق على مرشح مقبول من قبل الأحزاب السياسية الشيعية الرئيسية، ويحظى بدعم طهران، بحيث كان ينظر إلى الأخيرة باعتبارها صانعة الملوك في العراق. 

وبدا واضحًا، بعد وفاة "سليماني"، تعدد المؤشرات على تراجع نفوذ إيران على الأحزاب السياسية والميليشيات الشيعية على حد سواء، وأن طهران غير قادرة، حتى الآن، على العثور على شخص يمكنه إدارة النفوذ الإيراني في العراق (6)  . وتتمثل هذه المؤشرات في التالي:

1-إخفاق وساطة رجال طهران: وظفت طهران بعد وفاة سليماني "محمد كوثراني"، ممثل حزب الله في العراق وعضو المجلس السياسي لحزب الله، للضغط على الفصائل الشيعية للقبول بمرشح وسط. وكان "كوثراني" لعب دورًا مع "سليماني" في مفاوضات ديسمبر 2019 لاختيار رئيس وزراء جديد بعد استقالة "عادل أبو المهدي" في نوفمبر 2019. 

وبعد وفاة "سليماني"، حاول "كوثراني"، دون نجاح يذكر، إقناع "الصدر" بدعم "توفيق علاوي"، الذي تم ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء في فبراير 2020 (7). وبعد فشل "كوثراني"، زار أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني "علي شمخاني"، العراق في مارس 2020 في محاولة لاستيعاب الانقسامات بين الفصائل الشيعية العراقية، وتأييد مرشح جديد، بعد أن سحب "محمد علاوي" ترشيحه، بسبب إخفاقه في تشكيل حكومة جديدة (8) . 

ولم تُخفق جهود "كوثراني" و"شمخاني" فحسب، لكنهما فوجئا بترشيح الرئيس العراقي "عدنان الزرفي" لمنصب رئيس الوزراء، وتأييد هذا الترشيح من قبل الفصائل السياسية المرتبطة بـ"مقتدى الصدر" ورئيس الوزراء السابق "حيدر العبادي"(9) .

وإدراكًا من طهران لخطورة هذه الخطوة على النفوذ الإيراني، قام القائد الجديد لفيلق القدس العميد "إسماعيل قاآني" بزيارة العراق في أوائل أبريل 2020 لإقناع السياسيين الشيعة بتأييد مرشح آخر، وهي المحاولة التي أخفقت هي الأخرى.

2- توافق عابر للطائفية: كان تأسيس تحالف عابر للطائفية في العراق قادر على حكم العراق يمثل خطًّا أحمر للحرس الثوري الإيراني، والذي يبدو أنه تم تجاوزه هذه المرة. فمنذ أول انتخابات شهدها العراق بعد احتلال العراق في يناير 2005، كان الهدف الرئيسي لطهران هو جعل ترشيح رئيس الوزراء العراقي يتحقق من خلال التوافق بين الأحزاب الشيعية العراقية، ثم المصادقة عليه فيما بعد من قبل الأحزاب الممثلة للعرب السنة والفصائل الكردية. وجاء "عدنان الزرفي" كاستثناء لهذه القاعدة، وهو ما يكشف أن النفوذ الإيراني يواجه تحديًا خطيرًا. 

‌3- التهديد باستخدام القوة: بعد فشل "قاآني" في دعم مرشح بديل للزرفي، أصدرت بعض الميليشيات الشيعية المتحالفة مع إيران بيانًا تهدد فيه القوات الأمريكية في العراق، بالإضافة إلى مطالبة أعضاء البرلمان العراقي بحجب الثقة عن "الزرفي"(10) . وتوضح هذه الخطوة أن الحرس الثوري يسعى لاستخدام القوة المسلحة لتعويض انحسار نفوذه على السياسيين الشيعية في بغداد.

‌4- طرح مرشح آخر موالٍ لواشنطن: سعى "قاآني" لاستخدام تكتيك آخر، هو البحث عن مرشح آخر، يحظى بتوافق داخلي وإقليمي ودولي، وتمثل ذلك في دفع تحالف الفتح لتأييد رئيس المخابرات العراقية "مصطفى الكاظمي"، والذي كانت الميليشيات الإيرانية تتهمه قبل أسابيع بالتواطؤ مع الولايات المتحدة في اغتيال "سليماني" و"المهندس"(11) . ويكشف تأييد إيران للكاظمي كبديل للزرفي عن محدودية الخيارات الإيرانية في العراق، حيث تتهم إيران كلا الرجلين بأنهما مواليان لواشنطن. 

‌5- استمرار تدني شعبية طهران: يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن هذه التطورات جاءت في وقت تتناقص فيه شعبية إيران داخل العراق بشكل كبير، كما هو واضح في التظاهرات التي شهدها العراق، منذ أواخر عام 2019، في المدن الشيعية الكبرى ضد النفوذ الإيراني على بغداد. فقد أحرق المتظاهرون العراقيون القنصلية الإيرانية في النجف وكربلاء، من دون أن يخشوا من انتقام الميليشيات الشيعية، وهتفوا "إيران بره بره"(12) . ويمثل هذا التطور اللافت دليلًا واضحًا على أن قطاعًا كبيرًا من شيعة العراق بات يعترض على الدور السلبي إيران في العراق، والميليشيات المرتبطة بها، وهو ما يفرض قيودًا على قدرتها على الحركة.

انقسامات "الحشد الشعبي":

يمكن القول من خلال تحليل السياسة الإيرانية في العراق على مدار السنوات السابقة، إن طهران خططت لتعزيز نفوذها في العراق، ليس فقط من خلال علاقاتها بالطبقة السياسية الشيعية العراقية، ولكن أيضًا من خلال دعم طهران تأسيس ميليشيات موالية لها. فقد تمثلت إحدى الاستراتيجيات المبكرة التي تبناها "قاسم سليماني" في استنساخ الحرس الثوري الإيراني من خلال إنشاء قوات الحشد الشعبي، بذريعة محاربة "داعش". وسعى "سليماني" لإضفاء الشرعية على الحشد الشعبي كقوات شبه عسكرية خارج التسلسل الهرمي للقوات المسلحة العراقية. وتحتفظ طهران بولاء هذه القوات من خلال تكليف قادتها، ومن خلال توجيه قدر كبير من الدعم المالي لهذه الميليشيات للحفاظ على ولائهم لها (13) .

ومع ذلك، واجهت طهران تحديًا متزايدًا في أعقاب اغتيال "أبو مهدي المهندس" نائب رئيس لجنة التعبئة الشعبية. فقد كان "المهندس" قادرًا مثل "سليماني" على توحيد الفصائل المختلفة تحت مظلة الحشد الشعبي. ولاقى تعيين طهران لأبي فدك المحمداوي، وهو مسؤول كبير في كتائب حزب الله، خلفًا للمهندس، مقاومةً من بعض الفصائل داخل الحشد الشعبي (14) .

وتتمثل هذه الفصائل في: كتيبة الإمام علي، وفرقة الإمام علي، وفرقة العباس، وأنصار المرجعية. وتدين هذه الفصائل الأربعة بالولاء لآية الله العظمى "علي السيستاني". وعلاوة على ذلك، انسحبت هذه الفصائل من الحشد الشعبي، وأعلنت عن نيتها دمج مقاتليها تحت سيطرة قوات الأمن العراقية (15) .

وتحتفظ إيران بالسيطرة على بعض الفصائل الأخرى تحت مظلة الحشد الشعبي، خاصة كتائب حزب الله العراقية، التي استخدمتها طهران في مهاجمة القواعد الأمريكية في العراق، وامتلاك النفوذ على الحكومة العراقية (16) .

ومع ذلك، فإن خوف هذه الميليشيات من انتقام القوات الأمريكية في العراق، بالإضافة إلى تناقص الدعم المادي من الحرس الثوري الإيراني، بسبب الأزمة التي يعانيها الاقتصاد الإيراني حاليًّا، سيضع قيودًا إضافية على قدرة هذه الميليشيات على استخدام القوة، سواء ضد القوات الأمريكية أو ضد القوى الشيعية التي باتت تتبنى مواقف لا تتوافق مع سياسات طهران.

ومن ناحية أخرى، أمر البنتاجون قادته العسكريين في مارس بالتخطيط لهجوم انتقامي واسع النطاق ضد كتائب حزب الله العراقي (17) ، بالإضافة إلى نشر أنظمة دفاع جوي من طراز باتريوت لحماية قواعده في العراق في رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن الولايات المتحدة ليست مستعدة للانسحاب من العراق، كما ترغب طهران.

وفي الختام، يمكن القول إن النفوذ الإيراني ارتكز في العراق على ثلاث ركائز رئيسية، هي: استخدامها قوتها الناعمة كقوة شيعية تدعي الدفاع عن الشيعة في كل مكان، ونفوذها لدى بعض السياسيين الشيعة، وأخيرًا سيطرتها على بعض فصائل الحشد الشعبي. ومع ذلك، فإن تلك الركائز تواجه تحديات غير مسبوقة، يتمثل أولها في تضاؤل شعبيتها بين الشيعة العراقيين، على الرغم من استثماراتها في تعزيز الخطاب المذهبي والطائفي على مدار السنوات السابقة. وثانيها، رفض بعض الأحزاب السياسية الشيعية اتباع أوامر طهران. وثالثها، انسحاب بعض الفصائل المسلحة من تبعية الحشد الشعبي، فضلًا عن تراجع الدعم المادي الإيراني لبعض فصائلها، وخوفها من رد الفعل الأمريكي، وهي كلها عوامل ساهمت في إضعاف نفوذها في داخل العراق. وتتراجع الخيارات الإيرانية في العراق، إذ إنه من أجل لعب دور مؤثر في اختيار رئيس الوزراء العراقي، فإنه سيتعين على طهران أن تمارس ضغوطًا على "الصدر" و"العبادي" للتراجع عن دعم "الزرفي"، أو استخدام ميليشياتها المسلحة لإرهابهم، وهو تكتيك قد يكون مكلفًا في هذا الوقت، كما قد تكون نتائجه عكسية.

المراجع: 

1-Laurie Mylroie, US Endorses Adnan al-Zurfi as Iraqi Prime Minister, Kurdistan 24, March 20, 2020, accessible at: https://bit.ly/2UkE71G

2-Ghassan Adnan, Iraq Taps New Candidate as Prime Minister, Testing Relations with Iran, Wall Street Journal, March 17, 2020, accessible at: https://on.wsj.com/33MhaaY

3- Ghassan Adnan, op.cit. 

4- Nazli Tarzi, Who is Adnan al-Zurfi, the second prime minister-designate tasked with forming Iraq’s transitional government?, The Arab Weekly, March 22, 2020, accessible at: https://bit.ly/2WNpS7e

5- Taylan Cokenoglu, Analysis: Iraq’s slippery politics to test new prime minister, Anadolu Agency, March 26, 2020, accessible at: https://bit.ly/2WWTaAH

6- Martin Chulov and Dan Sabbagh, After Suleimani: Iran's scramble to recover from general's death, The Guardian, February 18, 2020, accessible at: https://bit.ly/3dHgFmU

7- Mohammad al-Kawtharani, Counter extremism project, accessible at: https://bit.ly/3dxvIzG

8- Speculations Surround Shamkhani’s Visit to Iraq, Asharq Al-Awsat, March 9, 2020, accessible at: https://bit.ly/3bneMtI

9- Taylan Cokenoglu, op.cit.

10- Iraqi Factions Vow to Attack US Forces, Accuse Zurfi of Collaborating with Washington, Asharq Al-Awsat, April 5, 2020, accessible at: https://bit.ly/2JFeD95

11- Iraqi Intelligence Denies Involvement in Soleimani's Assassination, Asharq Al-Awsat, March 4, 2020, accessible at: https://bit.ly/2Xe2YGk

12- Iraq unrest: Protesters set fire to Iranian consulate in Najaf, BBC, November 28, 2019, accessible at: https://bbc.in/3bRwTID

13- Soleimani’s successor is attempting to influence the Iraqi government crisis, Asharq Al-Awsat, April 2, 2020, accessible at: https://bit.ly/2xRQidE

14- Successor to killed Iraq militia chief Al Muhandis named, The National, February 21, 2020, accessible at: https://bit.ly/2Umxc8i

15- Anti-Iran Political Forces in Iraq Move to Free Iraq From Decade-Long Submission to Iranian Hegemony, Memri, March 19, 2020, accessible at: https://bit.ly/2WOv2A1

16- Khairallah Khairallah, Iran fighting for the survival of its regime and that of regional proxies, The Arab Weekly, March 22, 2020, accessible at: https://bit.ly/2wF9ZVR

17- Mark Mazzetti and Eric Schmitt, Top U.S. Commander Rebukes Pentagon Plan to Attack Iranian Militia, The New York Times, March 28, 2020, p. 20.


الكلمات المفتاحية: العراقعدنان الزرفي

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات