التحليلات - التغيرات السياسية

سياسات التغلغل:

دوافع أردوغان لإحياء "العثمانية الجديدة" في أفريقيا

الثلاثاء، 11 فبراير، 2020
سياسات التغلغل:

لعل من أبرز ملامح النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة هو زيادة أدوار القوى المتوسطة الصاعدة، مثل: تركيا، والبرازيل. وعلى الرغم من ذلك فإن الدراسات الموجودة لم تقدم إجابات واضحة عن أسباب هذا التحول، وبالتالي هناك فجوة بحثية ملحوظة حول موضوع القوى الوسطى الجديدة الذي اكتسب أهمية كبيرة في الآونة الأخيرة. ومن الأمثلة على ذلك "التدافع الدولي الجديد على أفريقيا". لقد اجتذبت المنافسة المتزايدة على القارة في السنوات العشر الماضية مجموعة واسعة من القوى الدولية الفاعلة، كما أدت في عام 2018 إلى قيام الولايات المتحدة بإعادة صياغة توجهاتها الاستراتيجية من أجل التركيز على إفريقيا، بشكل أساسي لمواجهة تصاعد النشاط الصيني والروسي هناك. ولم يتم إيلاء الكثير من الاهتمام للتوجه التركي الجديد من أجل زيادة النفوذ في القارة. 

وقد بدأ الهجوم التركي الناعم على إفريقيا عام 2003 عندما كان "رجب طيب أردوغان" رئيسًا للوزراء، وهو المنصب ‏الذي شغله بين عامي 2003 و2014 قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية. وقد استطاع "أردوغان" من خلال رحلات السفاري السياسية أن يزور نحو 30 دولة أفريقية والتي كان آخرها جولته الأفريقية في يناير 2020، ولعل ذلك يدفعنا إلى محاولة فهم هذا التحرك التركي الحثيث من أجل اكتساب الثروة والنفوذ في القارة الأفريقية.

من الحياد إلى التغلغل:

لم تكن أفريقيا على قائمة أولويات السياسة الخارجية التركية بعد تأسيس الجمهورية في عام 1923، حيث اتّسمت العلاقات مع أفريقيا -التي كانت لا تزال تحت سيطرة الاستعمار- بالضعف وعدم الفاعلية. ومع ذلك، ‏خلال فترة الحرب الباردة، بدأت تركيا تُولي بعض الأهمية لأفريقيا، حيث افتتحت في عام 1956 القنصلية العامة التركية في لاجوس، واعترفت بجميع الدول الأفريقية المستقلة حديثًا. وبشكل عام لم تُولِ تركيا الحديثة اهتمامًا كبيرًا بالشئون الأفريقية خلال سنوات الحرب الباردة. وفي عام 1998، حاولت تركيا أن تتخلى عن عزلتها عندما اعتمدت الحكومة التركية وثيقة جديدة بعنوان سياسات "الانفتاح ‏على أفريقيا"، حيث سعت أنقرة إلى تطوير العلاقات الدبلوماسية ‏والتعاون السياسي والاقتصادي والثقافي مع الدول الأفريقية. غير أن الافتقار إلى الخدمات اللوجستية، وعدم الاستقرار الداخلي، والأزمة الاقتصادية ‏الحادة التي شهدتها تركيا في الفترة من 2000 إلى 2001؛ كلُّ ذلك وقف حائلًا دون تنفيذ هذه الخطة الخاصة بأفريقيا‏.

ومع تولّي حزب العدالة والتنمية السلطة في عام 2002، بدأت أحلام العثمانية تراود الإسلاميين الجدد في تركيا. بيد أن الهجوم التركي الحقيقي على أفريقيا لم يبدأ إلا في عام 2005، عندما أعلنت تركيا أنه "عام أفريقياً"، وقام ‏رئيس الوزراء "رجب طيب أردوغان" بزيارة إثيوبيا وجنوب أفريقيا في مارس 2005 كأول رئيس ‏وزراء تركي يقوم بزيارة رسمية لمناطق تقع إلى الجنوب من خط الاستواء. في الوقت نفسه، عززت تركيا علاقاتها ‏على المستوى المؤسسي مع أفريقيا. فقد حصلت تركيا على صفة مراقب لدى الاتحاد الأفريقي في 12 أبريل ‏‏2005، كما أعلنت قمة الاتحاد ‏الأفريقي التي عقدت في أديس أبابا في يناير 2008 أن تركيا تتمتع بوضع "الشريك الاستراتيجي".

إحياء المشروع الإمبراطوري:

يبدو أن حركة "أردوغان" الإفريقية تحاول وصل ما انقطع عبر التاريخ لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية على التراب الأفريقي. حيث كان معظم الشمال الأفريقي والسودان وإريتريا وإثيوبيا وبلاد الصومال جزءًا من الدولة العليا. كما امتد نفوذ العثمانيين من خلال معاهدات الصداقة والتحالف إلى إمبراطورية كانم-بورنو التي كانت تسيطر على ما يشكل حاليًّا دول نيجيريا والنيجر وتشاد. ووصل النفوذ العثماني إلى منطقة الكيب في الجنوب الأفريقي حينما اتجه "أبو بكر أفندي" إلى هناك ليكون إمامًا للمسلمين. كما شارك مسلمو جنوب أفريقيا بنشاط في حملات بناء سكة حديد الحجاز، وجمعوا الكثير من الأموال.

وفي ظل رؤية العثمانية الجديدة بزعامة "أردوغان" تم إعداد "استراتيجية تنمية العلاقات الاقتصادية مع البلدان الأفريقية" في عام 2003. وكان الهدف المعلن هو الحصول على المواد الخام، وتعزيز التجارة مع أفريقيا. وفي عام 2008، عُقدت قمة التعاون التركية الأفريقية في إسطنبول. ومنذ ذلك الحين حدثت طفرة في الزيارات رفيعة المستوى إلى القارة، كما زاد عدد السفارات في إفريقيا من 12 إلى 42، وارتفع عدد مكاتب وكالة التعاون والتنسيق التركية في أفريقيا من 3 إلى 11 تعمل في 28 دولة في أفريقيا، وارتفع عدد المكاتب التجارية من 11 إلى 26. كما قامت شركة الخطوط الجوية التركية بزيادة أنشطتها في أفريقيا باعتبارها إحدى أدوات القوى الناعمة لتركيا. أضف إلى ذلك، فقد وصل عدد الطلاب الأفارقة الذين تخرجوا في الجامعات والمؤسسات التعليمية التركية أكثر من عشرة آلاف طالب. كما بلغ حجم التبادل التجاري التركي الأفريقي 24 مليار دولار.

كان المشروع التركي الأردوغاني يتدثر في بداية أمره برداء اقتصادي وإنساني من خلال دعم العلاقات مع الصومال منذ عام 2011، ولكنه سرعان ما أفصح عن وجهه الحقيقي من خلال الوجود العسكري التركي على الأراضي الأفريقية. ففي عام 2016، قامت تركيا بافتتاح أكبر سفارة في مقديشو في عام 2016‏. وقد استغلت تركيا مناخ الحرب الأهلية وقامت بافتتاح قاعدة عسكرية في الصومال في عام 2017. كما نجحت أنقرة في تأسيس روابط قوية مع كبار السياسيين داخل الحكومة الصومالية، وقامت بتمويل عدد من المواقع الإخبارية المحلية في سياق ما يُمكن وصفه بأنه حالة مثالية من الزبائنية السياسية. ويلاحظ أنه يتم تشغيل كل من ميناء مقديشو ومطارها من قبل الشركات التركية.

التمدد في سواحل إفريقيا:

يسعي "أردوغان" لإعادة تشكيل الأوضاع الجيوسياسية في أفريقيا. ففي عام 2018، أي بعد افتتاح القاعدة العسكرية في الصومال، وقّعت تركيا مع نظام الرئيس المخلوع "عمر البشير" عقد إيجار لميناء سواكن، وهي جزيرة سودانية في البحر الأحمر كانت ‏تُعتبر ميناءً عثمانيًّا قديماً. وادّعت أنقرة أنها تخطط لإعادة تطويره كمنتجع ‏سياحي ‏بتمويل قطري، لكن الخفيّ هو السعي لتطويق بعض الدول التي تعاديها أنقرة. ويبدو أن التحركات التركية ترتبط بالصراع الدولي على الموارد الطبيعية في كل من البحر الأحمر وشرق المتوسط. وقد تورطت تركيا بشكل سافر في الأزمة الليبية، وهو ما يخالف ادعاءاتها السابقة بالتركيز على جوانب التعاون الاقتصادي والتنموي. فقد وقفت تركيا خلف حكومة الوفاق الوطني بزعامة "فايز السراج"، حيث أرسلت ‏طائرات بدون طيار مسلحة ومستشارين عسكريين ومتمردين سوريين متحالفين مع أنقرة إلى طرابلس. 

كما ‏وقّعت تركيا مذكرة بحرية مع حكومة "السراج" المؤقتة، والتي تحدد قطاعًا غنيًّا بالغاز في شرق ‏البحر المتوسط كإقليم تركي ذي سيادة، مما يثير حفيظة دول أخرى في المنطقة. ولا شك أن تورط تركيا في ليبيا يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستراتيجيتها البحرية في شرق البحر المتوسط. ويترتب على ذلك كله زعزعة العلاقات الإقليمية في المنطقة المتوسطية، حيث إن الحدود البحرية المتداخلة لم يتم تسويتها بشكل نهائي بعد. ومن جهة أخرى، يبدو أن تركيا تنظر إلى ليبيا بحسبانها مسرح عمليات لاختبار وتسويق منتجات صناعاتها العسكرية والأمنية وإظهار وجودها العسكري في إفريقيا باعتباره أداة للسياسة الخارجية التركية. وتكتمل صورة الصراع بإعلان "أردوغان" عن قيام بلاده بالتنقيب عن النفط قبالة السواحل الصومالية بناء على طلب حكومة مقديشو.

وتحمل جولة "أردوغان" الإفريقية في أواخر يناير 2020، والتي شملت الجزائر والسنغال وجامبيا، دلالات مهمة بالنسبة لاستراتيجية التغلغل الاستراتيجي التركية. حيث تؤكد أن هناك ثمة محاولات لإعادة تشكيل ميزان القوى الدولي، ولا سيما التنافس التركي- الفرنسي من جهة، والبحث عن حلفاء جدد بعد سقوط نظام الإخوان المسلمين في السودان من جهة أخرى. وتُشير الإحصاءات إلى أنه منذ عام 2017، حلت تركيا محل فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة في الجزائر، باعتبارها أكبر مستثمر أجنبي في البلاد من خلال نحو ألف شركة تركية. وقد تجاوز حجم التجارة الجزائرية التركية في نهاية عام 2019 مبلغ 4 مليارات دولار. ويمكن القول أن الأزمة الليبية ومحاولة إعادة تشكيل المحاور الإقليمية كانت الهدف الأساسي لجولة "أردوغان" الأخيرة.

ولا شك أن التحرك التركي صوب غرب أفريقيا يحمل في طياته محاولة اختراق جدار الفرانكفونية المنيع عبر أكبر حصونها في السنغال. فمنذ عام 2010، كانت العلاقات بين تركيا والسنغال تنمو باستمرار. فقد أسهمت الشركات التركية في بناء مشروعات البنية الأساسية، مثل: مركز عبدو ضيوف الدولي للمؤتمرات، ومطار بليز دياجني الدولي الجديد في داكار. ومن الواضح أن "أردوغان" يقتفي آثار أسلافه الأتراك الذين أسسوا خلال العهد العثماني علاقات قوية مع مختلف الأمراء والممالك والمجتمعات في جميع أنحاء القارة الأفريقية.

وأيًّا كان الأمر فإن النموذج الأردوغاني الذي ينطلق من طموحات قوية وأحلام إمبراطورية تاريخية، يستند في مشروعه التوسعي إلى الاعتماد على القوة العسكرية جنبًا إلى جنب مع الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية. وتُمثّل حالة الضعف والهشاشة التي تُعاني منها الدول الأفريقية -مثل ليبيا والصومال- وضعًا مثاليًّا للاستغلال من قبل العديد من القوى الوسطى الطموحة وعلى رأسها تركيا، وهو ما يُكرر حالة التدافع الأولى على أفريقيا من قبل القوى الأوروبية خلال الفترة الإمبريالية.


الكلمات المفتاحية: تركياأردوغان

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات