التقديرات

حوائط الصد:

انتشار ظاهرة الأسوار الحدودية في المنطقة

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 21 سبتمبر, 2016

حوائط الصد:

بدأت بعض دول المنطقة في بناء أسوار حدودية، بوسائل مختلفة، مع دول الجوار، وهو ما بات يمثل انعكاسًا مباشرًا لتصاعد تهديدات الأمن غير التقليدي التي تجتاح العالم والمنطقة، على غرار انتشار التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، واتساع نطاق حروب المدن، وتزايد موجات الهجرة غير الشرعية المندفعة من المنطقة وإفريقيا باتجاه دول غرب أوروبا. واللافت في هذا السياق هو أن بعض القوى الدولية بدأت بدورها في طرح مبادرات مماثلة من أجل تحييد المخاطر التي تفرضها الأزمات الإقليمية في المنطقة، لا سيما الأزمة السورية.

وتتوافق هذه الظاهرة الجديدة مع التحول البارز في المفهوم التقليدي للحدود السياسية التقليدية باتجاه آخر أصبح يميل لصالح المقاربة الأمنية منها إلى غيرها من المقاربات الكلاسيكية ذات الطابع السياسي. فبعد أن كانت الأسوار خطًّا معبرًا عن الحدود السياسية، أضحت ضمن إحدى أبرز آليات الوقاية الحدودية التي تلجأ إليها الدولة لتقليص المخاطر والتهديدات التي يُمكن أن تتعرض لها، ثم في مرحلة لاحقة تحولت إلى أحد مؤشرات ما يمكن تسميته بـ"مناعة الدولة".

اتجاهات مختلفة

ارتبطت عملية بناء الأسوار الحدودية، في الغالب، بفكرة الحدود السياسية للدولة كخط وهمي في البداية يتم ترسيمه لتمارس الدولة داخله سيادتها على إقليمها، وقد ظل هذا التصور يتقدم ويتراجع بحسب الظروف السياسية التي تمر بها الدول، فغالبًا ما كان يتم التركيز على الحدود خلال فترات الحروب، أما في مراحل الاستقرار والتعايش المشترك فتصبح الحدود أكثر مرونة.

وقد فرضت العولمة سياقها على الحدود السياسية باعتبار أن إقامة الأسوار الحدودية يعبر عن رغبة في العزلة، وهي الفكرة الجدلية البارزة في الوقت الراهن بين معسكري الجمهوريين والديمقراطيين في معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الحالية، سواء فيما يتعلق بالحدود مع كندا شمالا أو الحدود مع المكسيك جنوبًا.

وفي هذا الإطار، ظهرت اتجاهات عديدة تبنت رؤى مختلفة إزاء فكرة الأسوار الحدودية، حيث اعتبر أحد الاتجاهات أن تلك الفكرة باتت تقليدية على اعتبار أنها لم تعد قادرة على الحد من تهديدات الأمن غير التقليدي التي تفرضها الأجيال الجديدة من الحروب. في حين رأى اتجاه آخر أن مكافحة الأجيال الجديدة من الحروب يتم بآليات دفاعية حديثة، لا تلغي في الوقت ذاته المخاوف من الظواهر التقليدية التي تحد منها الأسوار مثل التهريب والتسلل وغيرها. وبمعنى أدق، فإن تلك الأسوار يمكن أن تشكل بالفعل "حوائط صد" للتهديدات المحتملة في حالة ما إذا توافرت عوامل مساعدة تمكنها من تحقيق أهدافها.

وهنا، فإن ثمة اتجاهًا ثالثًا أشار إلى أن الأسوار لم تعد مجرد أداة ترسيم حدود طبيعية للحد من المخاطر التقليدية التي تُواجهها الدول، بل إنها أصبحت أحد مؤشرات "مناعة" الدولة، حيث أن الدولة التي تستطيع الدفاع عن حدودها عبر منظومة إحكام الحدود هى دولة لديها كفاءة أمنية، في حين أن الدولة التي تشهد خللا أمنيًّا تتراجع قدرتها على حماية الحدود، وهو ما يجعلها عرضة للاختراق بشكل مستمر.

وتُشير معظم مشروعات الأسوار التي تم إنشاؤها مؤخرًا إلى أن العامل الأساسي لبنائها يعود لأسباب أمنية حتى لو تم توظيفها لأهداف أخرى، بل إن معظم عمليات بناء الأسوار تدرج ضمن ميزانيات الدفاع في أغلب الدول، وتكشف تقديرات عديدة عن أن عمليات بناء الأسوار منذ عام 2000 وحتى عام 2014 وصلت إلى نحو 50 عملية، بعضها داخل المنطقة وبعضها الآخر في الخارج، حيث بدأت بعض دول وأقاليم الجوار في تبني تلك الآلية للتعامل مع التهديدات التي تفرضها أزمات المنطقة.

خطوات إجرائية

اتجهت بعض القوى الدولية والإقليمية المعنية بأزمات المنطقة إلى طرح مبادرات أو اتخاذ خطوات فعلية لبناء أسوار حدودية بوسائل مختلفة. فقد أنهت الجزائر، في أغسطس 2016، المرحلة الأولى من بناء عازل ترابي على الحدود مع تونس بهدف منع تسلل الإرهابيين من ليبيا وتونس ووقف أنشطة التهريب، وذلك بالتزامن مع بناء جدار مماثل على الحدود مع المغرب لدواعٍ أمنية، وهو الاتجاه نفسه الذي تبنته تونس، التي أنشأت خندقًا وحاجزًا ترابيًا على طول حدودها مع ليبيا لمنع الإرهابيين من اختراق تلك الحدود.

وطرح رئيس وزراء النمسا السابق المستشار فيرنر فايمن، في أكتوبر 2015، مبادرة تأمين الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بدلا من اقتراح بناء أسوار حدودية داخل دول الاتحاد لمواجهة تدفق اللاجئين والمهاجرين في ظل تباين توجهات الدول في التعاطي مع هذه القضية. 

كما اتجهت بلغاريا، في أبريل 2015، إلى إنشاء سياج حدودي مع تركيا من أجل تقييد موجات اللاجئين من تركيا إلى الدول الأوروبية والذي بات يشكل مصدر تهديد لأمن ومصالح تلك الدول، لدرجة دفعت تلك الدول إلى الاتفاق على تمويل هذا المشروع.

وقامت كينيا أيضًا، في يونيو 2015، ببناء سور باتجاه الحدود مع الصومال، وذلك بهدف منع تسلل عناصر حركة "شباب المجاهدين" الصومالية إلى داخل الأراضي الكينية من أجل تنفيذ عمليات إرهابية. وانتهت تركيا، في مايو 2016، من بناء جدار حدودي مع سوريا، لمنع أنشطة التهريب وتسلل الإرهابيين إلى أراضيها.

إشكاليات متعددة

ربما تُقلل الأسوار الحدودية - بحسب درجة كفاءتها ومدى القدرة على تأمينها هى في حد ذاتها- من المخاطر والتهديدات التي تتعرض لها الدول، إلا أن التجارب لم تثبت فقط أنها ليست الأداة الفعالة لوقف تلك التهديدات، بل إنها كشفت أيضًا أن هناك إمكانية للتحايل عليها. 

فضلاً عن ذلك، تتراجع قدرة تلك الأسوار على تحقيق أهدافها في حالة ما إذا تصاعدت حدة الصراعات بين دول لا تشترك في حدود على الأرض، إلا في حالة اتجاه إحدى تلك الدول إلى تقديم دعم مباشر لميليشيات أو عناصر في بعض دول الجوار لمهاجمة أو استهداف مصالح الدولة الأخرى. 

كذلك تعتبر التكلفة الخاصة بعمليات البناء ثم التأمين باهظة مقارنةً بمواجهة التهديدات بأساليب أخرى، خاصة لو كانت هناك إمكانية لتسوية الصراع، أو تبني برامج للتنمية في الدولة المُصدِّرة للأزمات، أو دعم البرامج الأمنية خاصة إذا كانت في مساحات حدودية واسعة. وإذا كان مستوى التهديد مرتفعًا، فإن إعادة تقوية النقاط الحدودية أمنيًّا عبر الأبراج الأمنية أو ما يُعرف بـ"الحدود الذكية" تبدو أفضل من إقامة سور حدودي.

كما أن تلك الآلية التي لجأت إليها دول مثل الجزائر وتونس وكينيا، يمكن أن تتحول إلى أزمة في حد ذاتها، لا سيما في حالة ما إذا اتجهت الأطراف المستهدفة منها إلى استخدام وسائل بديلة للتعامل معها، على غرار حفر أنفاق عبر الحدود، بشكل قد يضاعف من التكاليف الخاصة بالإجراءات الأمنية التي تفرضها تلك الدول على حدودها.

وعلى ضوء ذلك، ربما يمكن القول إن الأسوار الحدودية تمثل آلية مهمة للحد من التهديدات والمخاطر التقليدية وغير التقليدية في بعض الأحيان، لكن من المهم القول إنها ليست الأداة الوحيدة الفعالة لضبط الحدود، خاصة أن قدرتها على تحقيق أهدافها ترتبط بتوفير عوامل تأمين إضافية، لا سيما في ظل تطور آليات التحايل عليها. لكن رغم ذلك، يبدو أن هذا الاتجاه سوف يتصاعد خلال المرحلة القادمة، في ظل اتساع نطاق التهديدات والمخاطر التي باتت تواجه دول المنطقة.

الكلمات المفتاحية: الأسوار الحدوديةالارهاب