التقديرات

مداخل متباينة:

كيف تعكس سياسة التعويضات المالية تفاعلات الشرق الأوسط؟

الخميس، 16 يناير، 2020
مداخل متباينة:

تزايد الحديث حول سياسة التعويضات المالية ضمن تفاعلات الإقليم، سواء على مستوى العلاقات العربية- الإقليمية أو على صعيد التأثيرات الدولية على القوى الإقليمية خلال الفترة الماضية، على نحو ما عكسته جملة من المؤشرات الدالة، ومنها احتواء تداعيات إسقاط إيران الطائرة المدنية الأوكرانية، والانتهاء من إعداد مذكرة تفاهم لتعويض شركات تركية عن توقف أعمالها في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011، ورفض المحكمة العليا الأمريكية نظر طعون السودان على تعويضات تفجيرى كينيا وتنزانيا، واستئناف دفع الحكومة العراقية تعويضات أضرار غزو الكويت.

وتعكس تفاعلات الشرق الأوسط، في الشهور القليلة الماضية، حضوراً واسعاً لسياسة التعويضات المالية، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

ضحايا حوادث الطيران:

1-احتواء تداعيات إسقاط إيران الطائرة المدنية الأوكرانية: والتي أسقطها القوات المسلحة الإيرانية، وأودت بحياة 176 شخصاً، ولم تعترف طهران بذلك لفترة من الوقت، ثم أقرت بإسقاطها في مرحلة لاحقة، وهو ما يشير إلى حجم المأزق الذي يعاني منه النظام الإيراني، مما يعزز من احتمالية فرض عقوبات على إيران لا تقتصر على دفع تعويضات عن الحادث. فقد أعلن الرئيس الأوكراني فولود يمير زيالينسكي في 11 يناير الجاري أن الدبلوماسية الأوكرانية ستصدر بياناً حول قضية "التعويضات"، وأكدت الرئاسة الأوكرانية أن الجانب الإيراني متفق مع أوكرانيا حول هذا الملف.  

وفي هذا السياق، أثيرت تساؤلات بشأن الهدف من زيارة أمير قطر تميم بن حمد لطهران في 12 يناير الجاري، حيث التقى المرشد علي خامنئي والرئيس حسن روحاني، وإن كانت بعض التحليلات ترجح عرض الدوحة التكفل بدفع أغلب تعويضات ضحايا الطائرة الأوكرانية مقابل عدم استهداف طهران للقاعدة الأمريكية في قطر، واستعداد الأخيرة لاستضافة أية مفاوضات أمريكية محتملة مع طهران.

وقد نسبت الرئاسة الإيرانية في بيان للأمير تميم قوله: "إن قطر لن تنسى مواقف إيران من العقوبات المفروضة على الدوحة"، فيما اعتبره البعض تصريحاً ضمنياً يمهد لتحمل الدوحة، على الأقل، جزء من تعويضات الطائرة الأوكرانية، لاسيما في ظل حدة العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران من قبل الولايات المتحدة.

مواصلة النشاط الاقتصادي:

2-دعم العلاقات الاقتصادية بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية: أشارت بعض وسائل الإعلام إلى أن الحكومة التركية وحكومة الوفاق الليبية انتهت من إعداد مذكرة تفاهم تتعلق بحصول تركيا على 2,7 مليار دولار، كتعويض مبدئي لشركات تركية توقفت أعمالها في ليبيا بعد الثورة ضد نظام معمر القذافي، والصراع الذي تأجج بعد مقتله، ويتم التوقيع عليها بحلول فبراير المقبل، وهو ما أوضحته تصريحات رئيس مجلس الأعمال التركي الليبي في مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية مظفر أكسوي في 10 يناير الجاري، على نحو يمثل إشارة من جانب أنقرة لعودة الشركات التابعة لها للعمل في ليبيا، حيث كانت تركيا تستحوذ على النصيب الأكبر من مشروعات الإسكان والمرافق الخدمية قبل عام 2010.

وأضاف أكسوي: "في ظل توقف المشروعات في ليبيا في الوقت الراهن بسبب القتال، فإن قيمة تأخيرات الأعمال التركية المتعاقد عليها في ليبيا تصل إلى 16 مليار دولار، بما في ذلك ما بين 400-500 مليون دولار لمشروعات لم تبدأ بعد". وأوضح أنه رغم الاضطرابات "مازالت التجارة الليبية-التركية نشطة، إذ تبلغ صادرات تركيا إلى ليبيا مليارى دولار سنوياً، بينما تصل الواردات إلى 340 مليون دولار، لكن المتعاقدين الأتراك على مشروعات في ليبيا يعجزون عن السفر منذ إبريل بسبب القتال حول طرابلس".

ومن هذا المنطلق يمكن تفسير أحد دوافع دعم تركيا لحكومة الوفاق في ليبيا، والذي يعد أحد أبعاده المدخل الاقتصادي، عبر تعويض الخسائر الاقتصادية القديمة ونسج مصالح جديدة. وفي هذا السياق، كانت ليبيا الدولة الثالثة من حيث عدد المشروعات المنفذة من جانب الأتراك، وفقاً لما أكده رئيس اتحاد المقاولين الأتراك مدحت يني جون، ووصل حجم أعمال الشركات التركية في العام، قبل الحرب، إلى 4 مليار دولار، وبلغ عدد الشركات التركية العاملة في ليبيا 48 شركة. ولعل ذلك يفسر إعلان فاتح الحوات المدير العام لهيئة الاستثمار وشئون الخصخصة التابعة لحكومة الوفاق عن أن شركات تركية ترغب في إنشاء مدينة "غضن الزيتون" في طرابلس، بتكلفة تصل إلى 3 مليار دولار، ويتم تمويله عبر المصارف.

ضحايا عمليات إرهابية:

3-رفض المحكمة العليا الأمريكية نظر طعن السودان على تعويضات تفجيرى كينيا وتنزانيا: وذلك في 13 يناير الجاري، حيث حاولت الحكومة السودانية تجنب دفع 3,8 مليار دولار تعويضاً عن قتلى (224) ومصابي تفجيرى السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا في 7 أغسطس 1998، ونفذهما تنظيم "القاعدة"، وأشارت المحكمة إلى "أدنى درجة من تواطؤ السودان في التفجيرين". فقد أقام مئات المدعين من أفراد أسر القتلى والمصابين عدداً من الدعاوي في إطار التقاضي منذ عام 2001، وكلهم غير أمريكيين، والذين سعوا للحصول على تعويضات عن الأضرار النفسية التي لحقت بهم من التفجيرين.

ويمثل هذا الطعن أحدث تحرك قامت به الحكومة السودانية التي استندت في حيثيات الطعن إلى أنها "دولة فقيرة تمزقها الحرب الأهلية"، بهدف الحد من إلقاء تبعات عليها خلال التقاضي. ومن المقرر سلفاً أن تنظر المحكمة العليا الأمريكية في فبراير المقبل، طعناً منفصلاً أقامته السودان لتجنب دفع نحو 4,3 مليار دولار تعويضاً عن الأضرار التي قالت مجموعة كبيرة من المدعين أنها لحقت بهم. وقد جاء في أوراق هذا الطعن قول المحامين الموكلين عن السودان إن "السودان في خضم انتقال تاريخي إلى دولة ديمقراطية قيادتها مدنية والزيادة الهائلة في تبعية المسائل هنا تقوض الانتعاش الاقتصادي الذي تحتاج إليه السودان بشدة".

أضرار غزو الكويت:

4-استئناف دفع الحكومة العراقية تعويضات أضرار غزو الكويت: لاسيما أن الحكومة العراقية قد طلبت التوقف عن الدفع خلال الفترة (2014-2018)، حيث كانت تحارب تنظيم "داعش" الذي كان قد أعلن تدشين ولايته الرئيسية، وسيطر على أهم الحقول النفطية العراقية، الأمر الذي قلص من قدرة الحكومة على سداد الديون، بخلاف تكلفة الحرب المرتفعة، وهو ما تزامن مع انخفاض سعر برميل النفط. وهنا صدر قرار دولي في نهاية عام 2014 بتأجيل دفع المستحقات على بغداد للكويت، وهو ما وافقت عليه الأخيرة.

وقد أعلنت لجنة الأمم المتحدة للتعويضات (تأسست في عام 1991 وفقاً لقرارين من مجلس الأمن، القرار 687 والقرار 692 في العام نفسه، لمعالجة المطالبات ودفع التعويضات عن الخسائر والأضرار التي شملت الأفراد والشركات والحكومات والمنظمات الدولية) في 23 يوليو 2019 تقديمها مبلغ 270 مليون دولار إلى حكومة الكويت، باعتباره جزءاً من مبالغ التعويضات المستحقة، وفقاً لقرارات مجلس الأمن لمعالجة الأضرار التي تكبدتها البلاد من الغزو والاحتلال العراقي خلال الفترة (2 أغسطس 1990-2 مارس 1991).

وتجدر الإشارة إلى أن صندوق الأمم المتحدة للتعويضات يتلقى نسبة مئوية من عائدات مبيعات تصدير النفط والمنتجات النفطية العراقية. وكانت النسبة المقتطعة من هذه العائدات قد حددت بـ5% بموجب قرار مجلس الأمن، وأعيد تأكيدها في القرارات اللاحقة. وطبقاً لقرار لاحق في نوفمبر 2017، تم تحديد النسبة المئوية بـ5.0%، وارتفعت إلى 1,5% في عام 2019. وسيزيد هذا المبلغ إلى 3% بداية من عام 2020 وسيظل عند هذا المستوى حتى يتم دفع التعويضات المستحقة بالكامل. 

خلاصة القول إن ثمة تصاعداً في اللجوء إلى سياسة التعويضات في الشرق الأوسط التي تحصل عليها أسر ضحايا حوادث الطيران بموجب القانون الدولي، كما تحصل عليها أسر ضحايا العمليات الإرهابية، وكذلك تحصل عليها الدول عن أضرار الغزو والاحتلال التي تلحق بها وخاصة تخريب منشآت النفط.

الكلمات المفتاحية: التعويضات الماليةسقوط طائرة

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات