التحليلات - التغيرات السياسية

اختبار انتقالي:

خريطة وقضايا مرشحي الانتخابات الرئاسية في الجزائر

الثلاثاء، 10 ديسمبر، 2019
اختبار انتقالي:

يعج الشارع الجزائري بحالة من السيولة السياسية منذ الإعلان عن استقالة الرئيس الجزائري السابق "عبدالعزيز بوتفليقة" في أبريل 2019؛ حيث يرفض المحتجون إجراء الانتخابات الرئاسية مطالبين بإعلان مرحلة انتقالية، وهو ما يرفضه الرئيس الجزائري المؤقت "عبدالقادر صالح"، ورئاسة أركان الجيش الوطني. وتخوض المرحلة الانتقالية أول اختبار حقيقي بعد إعلان إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد في 12 ديسمبر 2019 إثر تأجيلها مرتين آخرها يوليو الماضي.

ملامح المشهد الانتخابي:

يُحيط بمشهد الانتخابات الرئاسية الجزائرية العديد من التخوفات منذ إعلان الرئيس السابق "بوتفليقة" عدم ترشحه لعهدة خامسة. وتتصل أبرز التخوفات بما يتعلق بمسائل الانقسام حول إجراء الانتخابات، وتنامي دعوات المقاطعة، والعنف السياسي، لا سيما في ظل استمرار حراك الشارع الجزائري الذي يطالب بتأجيل الانتخابات والبدء بفترة انتقالية يتم على إثرها حل البرلمان، وتعديل الدستور وعزل رموز النظام السابق، ومن ثم الشروع في بناء النظام الجديد. وسنشير فيما يلي إلى أبرز ملامح هذا المشهد برمته.

1- تنامي حالة الانقسام: يتخوف المحتجون الرافضون لإجراء الانتخابات الرئاسية من مسائل متعلقة بالتزوير، خاصة أنهم يرون أن رموز النظام السابق ما زالوا يسيطرون على أركان السلطة. لذا يرون أن هناك حاجة ماسة لاتخاذ إجراءات من شأنها استكمال خطط الإصلاح السياسي الشامل التي تبدأ بتعديل الدستور، وعزل رموز نظام بوتفليقة، ومكافحة الفساد. على الناحية الأخرى، تُصر النخب الجزائرية التقليدية على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المقرر في 12 ديسمبر 2019 لضمان عدم حدوث فراغ دستوري قد يهدد استقرار البلاد، خاصة أن الجزائر قد عانت في أواخر القرن الماضي من الفراغ الدستوري الذي قاد في نهاية المطاف إلى الفوضى والاقتتال الأهلي. ورغم تحفظ المرشح الرئاسي "علي بن فليس" على أجواء انعقاد الانتخابات، إلا أنه يتوافق مع باقي المرشحين الذين يرون أن هناك ضرورة لإنجاح إجراء الانتخابات في موعدها خوفًا من انزلاق البلاد في دائرة العنف والفوضى.

2- تنامي دعوات المقاطعة: تتنامى دعوات مقاطعة الانتخابات لإحراج القائمين على إدارة المرحلة الانتقالية، وإخراج الانتخابات في صورة غير مقبولة دوليًّا، وهو ما حذر منه رئيس أركان الجيش الوطني "قايد صالح" الذي أعلن في أكثر من مناسبة دعمه لإجراء الانتخابات الرئاسية لقطع الطريق أمام حدوث الشغور السياسي. وفي هذا السياق، ترى كثير من التحليلات أن مسألة العزوف لا تمثل مشكلة كبيرة لمصداقية الانتخابات، خاصة مع تنامي ظاهرة تراجع المشاركة السياسية على المستوى العالمي وقد كان آخرها الانتخابات الرئاسية التونسية. وتعمل حاليًّا السلطة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات على عقد مناظرة تلفزيونية بين مرشحي الرئاسة الخمسة لمنحهم الفرصة للتعريف ببرامجهم الانتخابية والتواصل بصورة أكثر فاعلية مع الجماهير، والعمل في الوقت نفسه على إكساب الانتخابات حالة من الزخم الجماهيري، خاصة في ضوء غياب المؤتمرات الجماهيرية الكبيرة في الساحات المفتوحة وقصرها على القاعات محكمة المنافذ لتسهيل عملية التأمين. وقد أعلنت حركة مجتمع السلم (حمس) رفضها إجراء الانتخابات الرئاسية بسبب غياب الشفافية والنزاهة والحوار الوطني الجاد، والتحق بموقفها كلٌّ من جبهة العدالة والتنمية التي يرأسها الإسلامي "عبدالله جاب الله"، وكذلك الحزب الديمقراطي الاجتماعي برئاسة اليساري "كريم طابو".

3- التوتر السياسي: يعمل بعض المحتجين على ممارسة العنف اللفظي ضد المرشحين وحملاتهم الانتخابية، إضافة إلى محاولات إفساد الحملات الترويجية للمرشحين من خلال التظاهر أمام قاعات الفاعليات، وترديد هتافات ضد إجراء الانتخابات، إضافة إلى الهتافات المناوئة للمرشحين أنفسهم. ويرى البعض أن الحراك بات يمتلك تهمًا مُعلبة لتشويه المرشحين، مثل اتهامهم بأنهم من فلول نظام الرئيس السابق "بوتفليقة"، أو اعتبارهم مرشحي الدولة العميقة. ووصل الأمر إلى قيام بعض المحتجين بمهاجمة المقار الانتخابية، ورشقها بالبيض، مثل ما حدث مع حملة "بن قرينة".

 وكرد فعل على هذه الحالة، تعهدت رئاسة أركان الجيش بحماية العملية الانتخابية برمتها، بدءًا من حماية المرشحين وفاعلياتهم، وصولًا إلى تأمين المقار الانتخابية حتى إعلان النتائج النهائية. وأوقفت الشرطة عددًا ممن وصفتهم بمثيري الشغب أثناء تنظيمهم تظاهرات لإفشال أحد المؤتمرات الانتخابية لأحد المرشحين. وتخشى السلطة الانتقالية من وصول سجال رفض وقبول الانتخابات الرئاسية إلى الشارع، لا سيما إذا نجح المحتجون في إفشال إجراء العملية الانتخابية.

قائمة المرشحين الخمسة:

يتنافس في الانتخابات الرئاسية الجزائرية 5 مرشحين بعد إعلان السلطة الوطنية المستقلة لتنظيم الانتخابات مطلع نوفمبر 2019 عن قبولها 5 ملفات مستوفاة الشروط القانونية والدستورية اللازمة من أصل 23 ملفًا كانوا قد أُودعوا لديها. وسنقوم فيما يلي بإبراز هؤلاء المرشحين.

1- عز الدين ميهوبي: ينحدر "ميهوبي" من أسرة سياسية عريقة في ولاية المسيلة، ويبلغ من العمر ستين عامًا. وتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة عام 1984، ويُعد عضوًا مؤسسًا لحزب التجمع الديمقراطي (شريك حزب جبهة التحرير في السلطة). وقد عمل وزيرًا للثقافة في الحكومة السابقة التي استقالت في مارس 2019. ويُقدم نفسه للناخب الجزائري بصورة مثالية؛ حيث يعتبر نفسه الأديب والمثقف الذي يستطيع إدارة مرحلة ما بعد "بوتفليقة" بما تحمل من سيولة وتناقضات. ويتهمه حراك الشارع بأنه امتداد لنظام "بوتفليقة"، خاصة أنه كان وزيرًا في آخر حكومة لنظام "بوتفليقة"، والتي أطاحت بها الاحتجاجات الشعبية.

2- عبدالمجيد تبون: يبلغ من العمر 74 عامًا، وتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة عام 1965، وقد شغل عدة مناصب وزارية منها السكن والعمران، والاتصال، والتجارة. وقد تولى رئاسة الحكومة عام 2017، ولكنه لم يستمر سوى ثلاثة أشهر فقط لخلافاته مع النخبة الاقتصادية التي كانت تحيط بالسيد "سعيد بوتفليقة" شقيق الرئيس، والذي اعتبره البعض الرئيس الفعلي للبلاد منذ أن غاب "بوتفليقة" عن الساحة السياسية نتيجة اشتداد مرضه، وذلك عقب إطلاقه حملة ضد تزاوج رأس المال والسلطة؛ حيث رفض تغلغل رجال الأعمال في مؤسسات الحكومة، ومحاولة التأثير على قرارات الدولة السيادية. ويرى مؤيدوه أنه رجل دولة محنك، وذلك لخبراته وقربه من الرئيس السابق "بوتفليقة". 

3- علي بن فليس: ينتمي "بن فليس" المولود في ولاية باتنة عام 1944 إلى أسرة نضالية؛ حيث قتل الاستعمار الفرنسي أخاه ووالده. بدأ حياته السياسية داخل حزب جبهة التحرير الذي أصبح على رأس أمانته العامة، وترأس الحملة الانتخابية للرئيس السابق "بوتفليقة" عام 1999، ثم عُين رئيسًا لديوان رئيس الجمهورية ثم رئيسًا للوزراء. وأعلن "بن فليس" معارضته لنظام "بوتفليقة" منذ إقالته من رئاسة الحكومة عام 2003، وخاض السباق الرئاسي كمعارض في انتخابات 2004، وانتخابات 2014 التي اتهم فيها السلطات بتزوير الانتخابات لصالح "بوتفليقة". وقد أسس "بن فليس" حزب طلائع الحرية عام 2015. 

4- عبدالقادر بن قرينة: يُعد "بن قرينة" البالغ من العمر 57 عامًا الإسلامي الوحيد الذي يخوض سباق الانتخابات الرئاسية، ويُعد من مؤسسي حركة مجتمع السلم المحسوبة على الإخوان المسلمين. وتقلد "بن قرينة" عدة مناصب حكومية أبرزها نائب رئيس البرلمان، ووزارة السياحة والصناعات التقليدية. وقد انشق عن حركة مجتمع السلم وأسس حركة البناء الوطني عام 2013. ورغم أنه الإسلامي الوحيد في السباق الرئاسي، إلا أنه لم يحظَ بدعم أيٍّ من الأطراف المُشكّلة للتيار الإسلامي الجزائري.

5- عبدالعزيز بلعيد: برلماني سابق كان قد دخل البرلمان لولايتين من خلال ترشحه على قوائم حزب جبهة التحرير قبل أن ينشق عنه لاختلافه مع توجهاته، وأسس عام 2012 حزب جبهة المستقبل. ويُعد "بلعيد" المرشح الوحيد الذي لا يمتلك أي خبرة تنفيذية داخل دولاب الدولة الجزائرية. 

البرامج الانتخابية:

رغم حالة الزخم السياسي، وتدهور الأوضاع الاقتصادية للعديد من الجزائريين، طغت ملفات العلاقات الخارجية -خاصة فيما يتصل بالعلاقات المغربية الجزائرية، والفرنسية الجزائرية- على الحملات الانتخابية للمرشحين. في المقابل، غابت الخطط الاقتصادية والسياسية الجادة عن برامجهم. ويرى البعض أن ظروف انعقاد الانتخابات وما يكتنفها من انقسام حاد دعت المرشحين إلى تبني قضايا شعبوية بهدف استقطاب أكبر عدد من الناخبين.

1- البرامج الداخلية:

أ- الإصلاح السياسي: يتوافق المرشحون الخمسة على تبني مطالب الإصلاح السياسي التي رفعها الحراك، مثل: إطلاق حرية الإعلام والصحافة، ورفع القيود عن العمل السياسي، ومكافحة الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة. إضافةً إلى ذلك، تبنى المرشحون مطلب حل البرلمان الحالي الذي تم انتخابه في يونيو 2017، إضافة إلى تعديل الدستور لتوزيع السلطات وإحداث نوع من التوازن بين الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية، البرلمان، مجلس الوزراء).

ب- الملف الاقتصادي: رغم أهمية الملف الاقتصادي بالنسبة للناخب الجزائري، إلا أنه لم يستحوذ على الاهتمام المطلوب من قِبل مرشحي الرئاسيات، ويعاني الاقتصاد من ارتفاع مؤشرات الفساد وغياب الشفافية، إضافة إلى أنه اقتصاد ريعي يعتمد على النفط والغاز كأهم مصادر الناتج المحلي. وركزت وعود مرشحي الرئاسة على القطاعات التقليدية كالزراعة والسياحة وتحقيق التنمية في المناطق المهمشة لاستمالة الناخبين. ووعد المرشحون بمكافحة الفساد، والعمل على استعادة الأموال المنهوبة. ووعد "تبون" بإبعاد الكارتل المالي ورجال الأعمال عن اللعبة السياسية، والعمل على مراجعة الاتفاقيات التجارية المجحفة للجزائر مع الاتحاد الأوروبي. في السياق ذاته، وعد "بن فليس" بتمكين اقتصاد السوق الاجتماعي القائم على روح المبادرة والتضامن، والعمل على إبعاد السياسة عن الفعل الاقتصادي. وتعهد "بلعيد" بإدخال الجزائر حقبة التنويع الاقتصادي، وإلغاء القاعدة 51/49 التي تشترط امتلاك الشريك الجزائري 51% من أصول الاستثمار في حال كان المستثمر أجنبيًّا، وهو ما يؤثر سلبًا على جذب الاستثمارات الأجنبية.

2- السياسة الخارجية:

أ- العلاقات مع المغرب: شغل ملف العلاقات المغربية الجزائرية وإحياء مشروع الاتحاد المغاربي الذي توقف منذ إغلاق الحدود الجزائرية المغربية عام 1994 حيزًا كبيرًا من الوعود الانتخابية لمرشحي الرئاسة الخمسة. وطرح المرشحون تصوراتهم الشخصية لتجاوز الخلافات مع المغرب وتطبيع العلاقات بين الجانبين. وتعهد كل من "بن فليس" و"بن قرينة" بالعمل على إحياء الاتحاد المغاربي، وفتح الحدود البرية بين المغرب والجزائر لتخفيف العبء على قاطني المنطقة الحدودية. وتشدد "تبون" ضد المغرب؛ حيث تبنى موقف نظام "بوتفليقة" الذي اشترط على الرباط تقديم اعتذار رسمي قبل فتح الحدود. ورغم هذه الوعود، يعتبر المحللون أنها جميعها للاستهلاك الانتخابي؛ حيث تبنى الرئيس السابق "بوتفليقة" في حملته الانتخابية عام 1999 هذه الوعود، ولكن ظل الملف مغلقًا طوال حقبته.

ب- قضية الصحراء: اعتبر المرشحون الخمسة أن مسألة الصحراء لا تمثل عائقًا أمام تطبيع العلاقات المغربية الجزائرية؛ حيث لم تُغلق الحدود البرية بين الجانبين بسبب قضية الصحراء ولكن بسبب اتهام الرباط للجزائر بالاشتراك في تفجيرات مراكش عام 1994، وقيامها بإغلاق الحدود من جانب واحد، وفرض تأشيرات دخول على الجزائريين. وأعلن المرشحون في الوقت نفسه تمسكهم بموقف الجزائر الداعم لقرارات الأمم المتحدة الداعي إلى إجراء استفتاء شعبي حول مسألة الاستقلال. وتمسك كل من "بن فليس" و"بلعيد" بالحوار البنّاء مع المغرب في هذه المسألة بهدف الوصول إلى قواسم سياسية وأمنية مشتركة لخدمة شعوب المنطقة.

ج- العلاقات مع فرنسا: يعمل مرشحو الانتخابات الرئاسية في الجزائر على استدعاء الذاكرة التاريخية للاستعمار الفرنسي، وذلك لكسب تعاطف الجماهير الجزائرية نظرًا لمركزية هذه القضية في المخيلة التاريخية للشعب الجزائري. ويرى المحللون أن هذه الخطابات تميل للشعبوية لكسب الأصوات واستقطاب الرأي العام. ويذهب بعض المرشحين مثل "بن قرينة" لتحميل باريس مشكلات الجزائر السياسية والاقتصادية. ويرى "تبون" أن تطبيع العلاقات مع فرنسا بشكلٍ كامل يتطلب معالجة ملفات الذاكرة المرتبطة بملايين الشهداء، إضافة إلى اعتراف باريس بجرائمها الاستعمارية. وينظر "بن فليس" إلى العلاقات مع فرنسا نظرة واقعية؛ حيث حمَّل النظام السابق مسئولية ما وصلت له الجزائر، واعتبر أن وجود نظام يحوز على الشرعية الشعبية واقتصاد قوي أساس لبدء علاقات ندية مع فرنسا.

ختامًا، تبرز حالة من الفتور التي أصابت الحملات الانتخابية للمرشحين الخمسة الذين آثروا هجر العاصمة نظرًا لسيطرة الحراك عليها، والاتجاه لعقد مؤتمراتهم الانتخابية في الولايات البعيدة عن العاصمة خوفًا من حالة الزخم المناوئ لإجراء الانتخابات. وقد انعكست هذه الحالة على البرامج الانتخابية للمرشحين أنفسهم؛ حيث طغى على المرشحين الخطاب الشعبوي الهادف لاستقطاب الجماهير، مثل الموقف من العلاقات مع المغرب وفرنسا. وفي السياق ذاته، غابت ملفات تحمل أهمية كبيرة للسياسة الخارجية الجزائرية، مثل الأزمة الليبية. وقد بدت البرامج الاقتصادية عامة وغير قابلة للتطبيق، إضافة إلى عدم ربطها بتوقيتات زمنية محددة.


الكلمات المفتاحية: الجزائربوتفليقة

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات