العروض - الكتب

‎التضليل المتعمد

‎تطور أشكال حروب المعلومات ضد الخصوم

الإثنين، 09 ديسمبر، 2019
‎التضليل المتعمد

عرض- وفاء الريحان: باحثة في العلوم السياسية

كان من المُفترض أن التطور التكنولوجي والمعلوماتي سيُقوي من المجتمعات الديمقراطية والليبرالية، بما يجعل النقاش العام أكثر اتساعًا، ويفتح آفاقًا للتعاون عبر الحدود، ولكن ما حدث هو العكس، حيث أصبحت "حرب المعلومات" الآن سلاحًا أكثر ضراوة من الحرب التقليدية؛ إذ يمكن لبلد ما أن تقترب من تدمير أخرى دون أن تتشابك معها في حرب نظامية.

وفي هذا الإطار، يعرض "بيتر بوميرانتسيف" (زميل بمعهد الشئون العالمية في كلية لندن للاقتصاد) في مؤلفه المعنون "هذه ليست دعاية: مغامرات في الحرب ضد الواقع"، التلاعب بالمعلومات من خلال ملاحظاته الميدانية، وتقارير استقصائية أعدها بنفسه عن حروب التضليل. وفي الكتاب حاول استكشاف عوالم المتصيدين الإلكترونيين (Troll)، ومزودي الأخبار المزيفة، من الفلبين مرورًا بروسيا وصربيا وتركيا وأوكرانيا، وانتهاءً بأمريكا اللاتينية، ليوضح كيف تطورت حروب التضليل، واستخدامات الأنظمة غير الديمقراطية للتكنولوجيا للتلاعب بالمعلومات.

هندسة التضليل

ناقش "بوميرانتسيف" في كتابه الأشكال الجديدة من التلاعب بوسائل الإعلام في العصر الرقمي. فيشير إلى أن ما يحدث فيه يتلاءم مع نمط أكبر لاحظته الباحثة في الحرب الإلكترونية بجامعة هارفارد "كميل فرانسوا" في جميع أنحاء العالم، وأنه إصدار جديد من العلاقة القديمة للسلطة مقابل المعارضة، وحرية الرأي مقابل الرقابة. وتضيف أن الأساليب السابقة لإسكات المواطنين أصبحت غير محتملة؛ فبخلاف الاتحاد السوفيتي السابق، فإن عددًا قليلًا من الأنظمة تستطيع منع الناس من تلقي أو نشر المعلومات. ومع ذلك، استطاعت النظم القوية التكيف، وأصبحت الميليشيات الإلكترونية التابعة لها قادرة على تقويض أصوات المعارضة، وتشويه سمعتها حتى لا يستمع إليها أحد. وأنه بالنظر إلى أن الروابط بين الدول وتلك الميليشيات تظل خفية، فيمكن للنظام أن يدعي أنه لا علاقة له بهذه الحملات، وأنهم مجرد أفراد عاديين يمارسون حرية التعبير.

وأشار الكتاب إلى قيام "فرانسوا"، خلال الفترة من عام 2015 إلى عام 2018، بتشكيل فريق من عشرين باحثًا وائتلافًا من منظمات المجتمع المدني للبحث عما يمكن تسميته "التصيد برعاية الدولة" في آسيا والشرق الأوسط وأوروبا والأمريكتين. وتوصل البحث إلى وجود ما أسماه "حملات موجهة من الدولة"، من خلالها يُعطي النظام تعليمات بشأن من يجب أن يُسْتَهدف، وكيف، ومتى، وهو ما حدث في فنزويلا عندما أنشأت حكومة "نيكولاس مادورو" قنوات إعلامية توجه من خلالها المتحمسين إلى من يهاجمون، وماهية الرسائل، ومتى، ولكنها لا تنفذ العمل بنفسها.

وفي أذربيجان، تم إنشاء اتحاد للشباب يُسمى "Ireli"، لإنتاج شباب يمكنهم القيام بدور نشط في حرب المعلومات، وكانوا يرسلون تهديدات عبر الإنترنت إلى الصحفيين الناقدين للنظام. وفي تركيا، يُحرض كتاب الأعمدة من أعضاء الحزب الحاكم (حزب العدالة والتنمية) على هجوم أي شخص يجرؤ على انتقاد الرئيس "رجب طيب أردوغان". وفي بعض الأحيان، يستهدف كتاب الأعمدة شخصًا خطأ، ويقوم الرئيس بإلغاء الهجوم بالإشارة إلى أنه يدعم الضحية.

وفي الولايات المتحدة، يشير أحد التقارير إلى قيام فريق الإعلام بالبيت الأبيض بتحديد المواقع التي تدعم الرئيس "دونالد ترامب". وقد أشار الرئيس نفسه إلى المعارضة بأنهم "حُثالة" و"أعداء". كما تلقى البعض منهم تهديدات بالقتل والاغتصاب، ومكالمات هاتفية بمكان عملهم تطالب بإقالتهم، بما جعل "فريدوم هاوس" تُخفض تصنيف الولايات المتحدة عام 2017.

حرب المعلومات

يرى الكاتب أنه حاليًّا تم استبدال الحديث عن الحرب الباردة التي كانت سائدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق، والتي يعاد استخدامها لوصف التنافس بين واشنطن وموسكو، وكذلك بين واشنطن وبكين، بمناقشة حرب المعلومات. وقد وجد أثناء بحثه كتابًا روسيًّا تحت عنوان "عمليات الحرب النفسية - المعلوماتية: موسوعة ومرجع صغير"؛ تم تصميمه من أجل الطلاب والسياسيين وأجهزة أمن الدولة، وهو نوع من دليل المستخدم لمحاربي المعلومات الجدد. ويأخذ الكتاب فكرة حرب المعلومات إلى ما هو أبعد من الحملات الإعلامية عبر الإنترنت، باعتبارها أداة للسياسة الخارجية الروسية، وشبه أيديولوجيا للتعامل مع العالم.

ويوضح "بوميرانتسيف" أن فكرة حرب المعلومات بدأت تستحوذ على المحللين الجيوسياسيين الروس منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق؛ حيث أرجع بعض الأكاديميين الانهيار إلى "فيروسات المعلومات" التي زرعتها أجهزة الأمن الغربية من خلال أفكار "حصان طروادة" مثل حرية التعبير والإصلاح الاقتصادي "عملية البيريسترويكا".

ويُقدم الكتاب رأي الخبير الروسي "إيغور أشمانوف"، الذي يرى أن روسيا تعرضت للعديد من حروب المعلومات، كما أخبر المُشرّعين الروس بأن وسائل التواصل الاجتماعي "جوجل وفيسبوك وتويتر"، أسلحة أيديولوجية موجهة ضد موسكو. وأن فكرة "أشمانوف" هي سيطرة الحكومة على المعلومات التي تصل إلى السكان، والتي يحاول الغرب تقويضها بالحديث عن "حرية التعبير".

وفي المقابل، يرى الكاتب أن الدقة والنزاهة والإنصاف المؤدية إلى الديمقراطية، والتي نشأ عليها الإعلام الغربي وقِيَم الـ"بي بي سي" قد انقلبت. ونقل عن "جميس هاردينج" (المدير السابق لبي بي سي نيوز) أن السبب إزاء التحول هو ضعف الانتماء إلى الأحزاب السياسية، وبالتالي أصبحت القِيَم التي يتعاطف معها الناس (مثل: الدين، أو الملكية، أو حقوق الأقليات) أقوى، ومن هنا تغيرت تصورات التحيز وفهْم الناس للنزاهة، بما يتجاوز الأفكار التقليدية لليسار واليمين.

المستقبل يبدأ من روسيا

يذكر الكاتب أن عالم السياسة الروسي "جيلب بافلوفسكي" يرى الغرب، اليوم، وكأنه يمر بنفس التغيرات التي مرت بها روسيا في التسعينيات من القرن الماضي، وهو رد فعل متأخر على أزمة مماثلة، وأن الحرب الباردة قسمت الحضارة العالمية إلى شكلين بديلين، وكلاهما وعد الناس بمستقبل أفضل، والاتحاد السوفيتي خسر بلا شك، ولكن بعد ذلك ظهرت يوتوبيا غربية بلا بديل.

وانتهى دعاة السياسة في الغرب إلى تبني استراتيجيات تشبه استراتيجيات النظام الروسي. وبشكل عام، يمكن اعتبار الغرب متبعًا لـ"بوتينية" من نوع ما. ولهذا يشير الكاتب إلى أن هذه هي المفارقة الكبرى في نهاية الحرب الباردة، حيث إن المستقبل وصل أولًا إلى روسيا، والغرب فقط يلحق به، والمنطق الثقافي الحاكم لذلك هو: "إذا كان التماسك الأيديولوجي الغربي يستند جزئيًّا إلى معارضة الاتحاد السوفيتي، فعندما انهار اتبعه الغرب".

وعن الصين، يستعرض الباحث التعامل مع التكنولوجيا الرقمية بها، فيشير إلى أن الباحثين بجامعة هارفارد ذهبوا إلى وجود بعض المنصات التي يتم بها كتابة تعليقات مؤيدة للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويُسمح فيها ببعض الانتقادات، كما أن هناك قدرًا من التلاعب والتضييق المعلوماتي كغلق بعض المواقع الأجنبية داخل البلاد.

بيانات الكتاب

Peter Pomerantsev, This Is Not Propaganda: Adventures in the War Against Reality, (New York: Public Affairs, August 2019).

الكلمات المفتاحية: التضليلحرب المعلومات

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات