التقديرات

ضغوط مستمرة:

التأثيرات المحتملة للعقوبات الأمريكية على "جمّال ترست بنك" اللبناني؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء, 03 سبتمبر, 2019

ضغوط مستمرة:

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، في 29 أغسطس 2019، فرض عقوبات على "جمّال ترست بنك" اللبناني والشركات التابعة له، باعتبار أنه يقوم بتسهيل الأنشطة المالية لميلشيا "حزب الله" في لبنان، حيث قرر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) التابع للوزارة تصنيفه "بنكًا إرهابيًا عالميًا"، بدعوى "مساعدته أو رعايته أو تقديمه دعمًا ماليًا أو ماديًا أو تكنولوجيًا لحزب الله أو خدماته المالية أو غيرها من الخدمات"، مشيرًا إلى أن "جمّال ترست ‏بنك يتمتع بعلاقة طويلة الأمد مع كيان مالي رئيسي في حزب الله، ويقدم خدمات مالية إلى المجلس التنفيذي للحزب ومؤسسة الشهيد، التي تتخذ من إيران مقرًا لها". وشمل القرار الأمريكي شركات مملوكة للبنك أو خاضعة لسيطرته في لبنان ومن بينها "ترست للتأمين" و"ترست لخدمات التأمين" "وترست للتأمين على الحياة".

وإذا كان القرار الأمريكي ينطوي على تداعيات كبيرة على "جمّال ترست بنك" ويهدد مستقبله، فهو يثير الكثير من التساؤلات حول التأثيرات المتوقعة له على النظام المصرفي اللبناني، واستقراره في الأجل المنظور وغير المنظور.

عقبات قائمة:

تأتي العقوبات الأمريكية المفروضة على "جمّال ترست بنك" في إطار السياسة التي تتبناها الولايات المتحدة تجاه "حزب الله"، إذ أنها تصنفه كمنظمة إرهابية أجنبية منذ عام 1997. وفي تعليق أوَّلي على القرار، بدا أن الإدارة الأمريكية مُصِرَّة على المضى قدمًا في فرض قيود على الحزب وقطع مصادر التمويل التي يعتمد عليها، حيث قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أن "الولايات المتحدة عازمة على قطع الدعم عن حزب الله". كما أكد ذلك أيضًا ما قاله مسئول آخر في الإدارة الأمريكية عندما عقَّب على القرار بأنه "يبعث برسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة جادة جدًا في عرقلة النشاط الإرهابي".

لكن في المقابل، فإن القرار الأمريكي لا يبدو أنه سيكون سهل التنفيذ، لا سيما أنه يخضع لقبول السلطات المالية والنقدية اللبنانية من حيث المبدأ، وهو أمر مشروط- بشكل أو بآخر- بمشاركتها الإدارة الأمريكية قناعاتها باعتبار أن "حزب الله" منظمة إرهابية، ومن ثم رغبتها في محاصرة الأنشطة المالية للحزب. وتجدر الإشارة هنا إلى موقف "جمعية مصارف لبنان" من القرار الأمريكي، وإعلانها في بيان رسمي أنها "تأسف للقرار"، وتعقيبها كذلك بأن القرار "خطوة لن تؤثر على القطاع المصرفي اللبناني وأن أموال المودعين في البنك ستكون آمنة". 

وليس الموقف اللبناني فقط هو الذي سيؤثر على نجاح قرار العقوبات الأمريكي على البنك من عدمه، بل إن مواقف الدول الأخرى لها أهمية كبيرة في ذلك أيضًا، لا سيما الدول التي يمتلك البنك أصولاً مادية بها، أو تلك الدول التي يمارس البنك أنشطته بها من خلال وكلاء آخرين. فمشاركة تلك الدول في تنفيذ القرار تعد أحد أهم معايير وشروط نجاحه. بل إن تبني دول أخرى للموقف الأمريكي قد يدفعها إلى القيام بفرض عقوبات من قبلها ضد البنك وحظر التعامل معه. 

وفي إطار تلك المواقف، يمكن الإشارة إلى موقف إسرائيل الذي جاء مؤيدًا للموقف الأمريكي بوضوح، حيث رحبت الحكومة الإسرائيلية بالعقوبات التي فُرِضت على البنك ودعت دولاً أخرى للقيام بالمثل. كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بيان: "هذا تحرك مهم يهدف إلى الضغط على إيران ووكلائها الذين يعملون ضد إسرائيل".

دلالات عديدة:

تقضي العقوبات الأمريكية بحظر جميع ممتلكات ومصالح "جمّال ترست بنك" والكيانات التابعة له في الولايات المتحدة، أو في حوزة أو سيطرة أشخاص أمريكيين، وإبلاغ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بها. كما تحظر العقوبات جميع المعاملات التي يقوم بها أشخاص من الولايات المتحدة أو داخلها مع الكيانات المستهدفة، وقد يتعرض المخالفون إلى عقوبات أو ملاحقات قانونية، وهو ما يعني أن أنشطة "جمّال ترست بنك" في الولايات المتحدة يتم وقفها وحظرها والتحفظ عليها.

 ولا يقتصر الأمر على "جمّال ترست بنك"، إذ أن أى مؤسسة أو كيان مالي ينتمي للبنان أو أى دولة أخرى له صلة بـ"حزب الله" ويقدم الخدمات المالية له يمكن أن يتعرض للعقوبات الأمريكية.

 والانعكاس الأهم على أنشطة "جمّال ترست بنك" جراء القرار الأمريكي سيتمثل فيما يمكن أن يفقده البنك من ثقة لدى عملائه في لبنان ذاتها، وهو أمر جدي بالنسبة للبنك ووضعه الحالي والمستقبلي. ووفقًا لتقديرات عديدة، فإن البنك يمتلك 25 فرعًا في مختلف أنحاء لبنان، ومعظم عملائه من اللبنانيين. ويكشف القرار الأمريكي أن البنك لم يلتزم مبدأ الشفافية مع هؤلاء العملاء، بل إنه وظّف أموالهم في تمويل أنشطة غير قانونية، وفي ظل هذه المعطيات، من المتوقع أن يكون للقرار الأمريكي تأثير كبير على حصة البنك في السوق المصرفي في لبنان، حيث أنه لن يكون قادرًا على اجتذاب عملاء جدد في المستقبل كما كان في الماضي. وفيما يتعلق بالعملاء الحاليين للبنك، فقد يواجهون صعوبات في التصرف في ودائعهم إلى حين التوصل إلى آلية تسمح لهم بذلك من دون أن تكون للبنك القدرة على ممارسة أنشطته المثيرة للجدل.

أما بالنسبة للقطاع المصرفي اللبناني ككل، فليس من المتوقع أن يكون للقرار الأمريكي تأثير كبير عليه، وخاصة أنه لا يمكن تصنيف "جمّال ترست بنك" باعتباره من البنوك الرئيسية في المنظومة المصرفية اللبنانية، حيث تتراوح أصوله، طبقًا لتقديرات مختلفة، ما بين 0.3% و0.39% فقط من إجمالي أصول القطاع المصرفي اللبناني. كما أن البنك ليس لديه فروع كثيرة خارج لبنان، بما يفرض حدودًا للتداعيات التي يتوقع أن يتعرض لها بمقتضى قرار العقوبات الجديد.

وعلى ضوء ذلك، فإن التأثيرات المتوقعة للقرار الأمريكي ستكون مقتصرة في مجملها على "جمّال ترست بنك" ومالكيه، ولن تكون له تداعيات كبيرة على القطاع المصرفي اللبناني، لا سيما وأن الأخير استطاع أن يتجاوز، في فترات سابقة، أزمات مشابهة، على غرار تلك التي أنتجها فرض عقوبات على البنك اللبناني الكندي في عام 2011.