التقديرات

توسيع المواجهة:

لماذا صنفت واشنطن "جيش تحرير بلوشستان" منظمة إرهابية؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 17 يوليو, 2019

توسيع المواجهة:

تشير الخطوة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية، في 2 يوليو 2019، بتصنيف جماعة "جيش تحرير بلوشستان" الانفصالية في باكستان "منظمة إرهابية دولية" إلى أنها لن تركز في سياق دورها في الحرب ضد الإرهاب على التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود فقط، وفي مقدمتها تنظيمى "القاعدة" و"داعش"، رغم أهمية ذلك، وإنما ستستهدف أيضًا التنظيمات المحلية التي بدأت في توسيع نطاق عملياتها الإرهابية التي وصلت إلى مصالح بعض القوى الدولية، على نحو يمكن أن يفرض تداعيات سلبية على الاستقرار في تلك المنطقة التي تحظى باهتمام خاص من جانبها. 

عمليات متعددة:

على الرغم من عدم ظهور مؤشرات تكشف عن وجود علاقة بين جماعة "جيش تحرير بلوشستان" والتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود مثل "القاعدة" و"داعش"، أو حتى المحلية على غرار حركة "طالبان" (بشقيها الأفغاني والباكستاني) سواء من الناحية الفكرية أو التنظيمية، إلا أن ذلك لا ينفي أن تلك النوعية من التنظيمات الإرهابية لا تقل خطورة، لا سيما من حيث ممارسة العنف المسلح الذي تصاعد خلال الفترة الماضية، حتى ضد الأهداف المدنية، على غرار استهداف أحد الفنادق الرئيسية في منطقة غوادار، في 11 مايو 2019، والتي تطمح باكستان إلى تطويرها وتحويلها إلى مركز تجاري يساعدها في تعزيز موقعها الاستراتيجي كمحور للربط بين العديد من القوى الدولية ومنطقة وسط آسيا.

كما تتعمد هذه الجماعة استهداف مصالح بعض القوى دولية، على غرار الصين التي تبدي اهتمامًا خاصًا بعلاقاتها مع باكستان كونها مركزًا رئيسيًا في مشروع "مبادرة الحزام والطريق" الذي تتبناه بكين، حيث قامت بتنفيذ هجمات ضدها، مثل الهجوم الذي استهدف القنصلية الصينية في كراتشي، في 23 نوفمبر 2018، وقبله الهجوم الانتحاري الذي وقع في نهاية سبتمبر 2018، واستهدف مهندسين صينيين في منطقة بلوشستان.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن جماعة "جيش تحرير بلوشستان" تمثل امتدادًا للحركات المتمردة المسلحة التي نشأت في منطقة بلوشستان، التي تقع على الحدود بين أفغانستان وباكستان وإيران، وتتعرض لمشكلات اقتصادية واجتماعية عديدة فرضت توترًا مستمرًا في العلاقة بين سكان الإقليم والسلطات الحاكمة، لا سيما في كل من طهران وإسلام أباد.

عوامل مختلفة:

يمكن تفسير إعلان الولايات المتحدة الأمريكية تصنيف "جيش تحرير بلوشستان" كمنظمة إرهابية دولية في ضوء عوامل عديدة يتمثل أبرزها في:

1- المواجهة الشاملة للإرهاب: كان لافتًا أن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية وتضمن تصنيف "جيش تحرير بلوشستان" كمنظمة إرهابية، وضع أيضًا حسين علي هزيمه، القيادي في حزب الله اللبناني، على لائحة الإرهاب، وأشار إلى إضافة اسم "جيش العدل" إلى جماعة "جند الله"، على نحو يوحي بأن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى عبر ذلك إلى توسيع نطاق الحرب ضد الإرهاب، لتشمل اتخاذ مزيد من الإجراءات التي تهدف إلى منع التنظيمات الإرهابية من الوصول إلى الموارد المالية التي تستغلها في دعم أنشطتها وعملياتها الإرهابية، دون أن يقتصر ذلك على تنظيمى "داعش" و"القاعدة"، خاصة وأنها تسعى إلى تحجيم الإرهاب المتصاعد في تلك المنطقة الحيوية بالنسبة لها.  

وقد حرصت الخارجية الأمريكية على الإشارة في البيان إلى العمليات الإرهابية التي نفذتها تلك الجماعة ضد بعض المصالح الصينية تحديدًا، مثل الهجوم على القنصلية الصينية في كراتشي، بما يعني أنها حريصة على منع تلك الجماعة من استهداف مصالحها أو مصالح أى من الأطراف الأخرى في باكستان.

2- منع تمدد التنظيمات: لا يمكن استبعاد أن تحاول التنظيمات الإرهابية الرئيسية، على غرار "القاعدة" و"داعش"، استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تتفاقم باستمرار في إقليم بلوشستان، من أجل تكوين خلايا إرهابية تابعة لها أو فتح قنوات تواصل مع التنظيمات المسلحة الموجودة في تلك المنطقة، التي تتسم بالهشاشة الحدودية، في إطار سعيها إلى دعم أنشطتها من جديد والرد على الضربات القوية التي تعرضت لها واستنزفت قسمًا لا يبدو هينًا من قدراتها البشرية والعسكرية.

ومن هنا، يمكن تفسير مسارعة باكستان إلى الترحيب بالقرار الأمريكي، الذي اعتبرت أنه يعزز الجهود التي تبذلها لتحجيم نشاط وعمليات تلك الجماعة، ويوجه رسالة بأن مواجهتها باتت تحظى باهتمام خاص من جانب القوى الدولية المعنية بالحرب على الإرهاب.

3- تحجيم نفوذ "طالبان": يبدو أن واشنطن ترى أن انشغال السلطات الباكستانية في محاربة تنظيمات مثل جماعة "جيش تحرير بلوشستان" إلى جانب "جيش العدل" الذي تسبب، خلال فترات مختلفة، في تصاعد حدة التوتر مع إيران، يمكن أن يؤثر على الدور الذي تمارسه إسلام أباد في الحرب ضد التنظيمات الإرهابية، التي تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها في تلك المنطقة، لا سيما حركة "طالبان". 

وهنا، فإن واشنطن تسعى إلى توجيه رسالة بأن المحادثات التي تجري مع الأخيرة لا تعني أنها سوف تتغاضى عن محاولاتها التمدد إلى مناطق أخرى خلال المرحلة القادمة، خاصة أنها حريصة على رفع مستوى التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية المعنية بالنتائج التي يمكن أن تنتهي إليها تلك المحادثات، على نحو بدا جليًا في الجولة التي قام بها المبعوث الأمريكي إلى أفغانستان زلماى خليل زاد وزار خلالها 7 دول، هى أفغانستان وبلجيكا وبريطانيا وباكستان وأوزبكستان والأردن وقطر، في الفترة من 25 مارس إلى 10 إبريل 2019.

لكن رغم ذلك، يمكن القول في النهاية إن القرار الأمريكي الجديد بتصنيف جماعة "جيش تحرير بلوشستان" كمنظمة إرهابية سوف يفرض مزيدًا من الضغوط على الأخيرة، دون أن يؤدي إلى القضاء على عملياتها تمامًا، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها المنطقة التي تنشط فيها، على نحو لا يمكن معه استبعاد إقدام تلك الجماعة على تنفيذ مزيد من العمليات الإرهابية خلال المرحلة القادمة.