التقديرات

الحرب الثانية:

لماذا شنت العراق عملية "إرادة النصر" ضد "داعش"؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 11 يوليو, 2019

الحرب الثانية:

فرضت حملة "إرادة النصر"، التي تشنها القوات العراقية، منذ 7 يوليو 2019، في شمال غرب البلاد باتجاه الحدود العراقية– السورية ضد فلول تنظيم "داعش"، مزيدًا من الأهمية والزخم على الشكوك التي طرحتها تقارير استخبارات دولية عديدة حول إعادة تموضع التنظيم فى أحد معاقله الرئيسية، بما يوحي، وفقًا لذلك، بأن إعلان رئيس الوزراء العراقى السابق حيدر العبادي، قبل عامين، النصر على "داعش" ارتبط فقط بسقوط مظاهر "المشروع" المزعوم للتنظيم، ولم يصل إلى مرحلة القضاء عليه نهائيًا، لا سيما بعد أن دخل الأخير، بحسب اتجاهات عديدة، مرحلة "كمون" لإعادة بناء قدراته التنظيمية مرة أخرى استعدادًا لحضور جديد على الساحة العراقية قد يكون أكثر خطورة من السابق.

وعلى المستويين السياسي والأمني العراقي، ثمة متغيرات جديدة في سياقات حملة "إرادة النصر"، لا تتعلق بالأبعاد الميدانية التي تشير التقارير العسكرية إلى نجاحها في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، إذ تصاعد على الساحة مرة أخرى الجدل بشأن معالجة الثغرات الأمنية والسياسية التي سمحت للتنظيم باجتياح مناطق في البلاد عام 2014، لا سيما ما يتعلق بطبيعة الانتشار الأمني، وعملية القيادة والسيطرة، ووضع الميليشيات المسلحة على غرار "الحشد الشعبي"، إضافة إلى الموقف من الدور الأمريكي في العراق في ظل الحملة القائمة حاليًا.

آليات مختلفة:

أبدت اتجاهات عديدة شكوكًا إزاء إعلان الانتصار على "داعش" في العراق بنهاية عام 2017. فعلى الرغم من أن مؤشرات سقوط "المشروع" بدت واضحة، إلا أنها لم تقترن بالعمل على استئصال التنظيم، وهو الأمر الذي تعكسه تقارير محلية ودولية صادرة عن مراكز دراسات متخصصة في متابعة التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" و"القاعدة"، اعتبرت أن عودة التنظيم بشكل أكثر خطورة لم يعد احتمالاً مستبعدًا، لأسباب عديدة يتمثل أبرزها في إقدامه على تنفيذ عمليات إرهابية جديدة في مناطق مختلفة، فضلاً عن سعيه إلى بناء قدراته من جديد، والتي استُنزِفَت بشكل كبير خلال المعارك التي خاضها على جبهات مختلفة في العامين الماضيين.

ورغم أن الحكومة العراقية اتجهت إلى تسليح العشائر التي تقع على خط المواجهة مع التنظيم في إطار سياسة الدفاع عن النفس، إلا أن العملية الحالية كشفت أن تلك المواجهات التي اندلعت لم تكن كفيلة بوضع حد لتمدد التنظيم على الساحة العراقية مجددًا خاصة في المناطق الرخوة أمنيًا سواء مناطق الحدود والصحارى كما هو الحال في الأنبار، أو الوعرة على غرار الوضع في جبال حمرين، إضافة إلى أن أهداف تلك العملية تتطلب الاعتماد على قوة عسكرية وليس فصائل أو مجموعات عشائرية مسلحة، خاصة وأن التنظيم، الذي فقد البيئة الحاضنة له في العراق، عاد أيضًا لينتقم من الزعامات التقليدية التي دعمت حرب إسقاط مشروعه.

ملفات مترابطة:

لا يمكن فصل الحملة الجديدة ضد تنظيم "داعش" عن التصعيد الحالي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، والذي انعكس في السجال الذي اتسع نطاقه على الساحة العراقية حول دوافع البقاء الأمريكي في العراق بعد إعلان حكومة حيدر العبادى الانتصار على "داعش"، ثم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نقل جزء من القوات الأمريكية في سوريا إلى العراق لدواعي مراقبة إيران، وهو ما كان سببًا في دفع بعض القوى الموالية للأخيرة إلى تبنى مشروع إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في البلاد. إلا أن تزايد التحذيرات من إمكانية استعادة "داعش" نفوذه السابق، فضلاً عن شن العملية العسكرية الجديدة ساهم في احتواء هذا الجدل، بعد أن أضفت تلك العملية أهمية على الدور الذي تقوم به القوات الأمريكية تحت راية التحالف الدولى للحرب على "داعش"، لا سيما فيما يتعلق بتوفير الغطاء الجوي للمعركة، إضافة إلى تقديم الدعم اللوجيستي.

وقد أشارت اتجاهات عديدة إلى أن احتمال استهداف القوات الأمريكية في العراق يمكن أن يتزايد في حالة ما إذا استمر التصعيد الحالي بين واشنطن وطهران، خاصة في ظل التهديدات التي أطلقتها العديد من الميليشيات المسلحة في هذا السياق، إلا أن شن العملية الجديدة لم يساهم فقط في تراجع حدة تلك التحذيرات، وإنما كشف أيضًا، وفقًا لتلك الرؤية، أن الضغوط التي تمارسها تلك الأطراف في هذا الصدد لم تؤثر بشكل كبير على الدور الأمريكي فيها.

القيادة دون السيطرة:

على عكس الحرب السابقة، بدا الحضور الأبرز في هذه الحملة للجيش العراقي. فعلى الرغم من مشاركة "الحشد الشعبي" في العملية بخمسة ألوية، إلا أن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بدا حريصًا على إشراك كافة القطاعات العسكرية في المعركة ومنحها الدور القيادي فيها، وهو ما يتسق وسياسته القائمة على إدماج "الحشد الشعبي" تحت مظلة المؤسسة الأمنية.

لكن هذه السياسة تواجه تحديات لا تبدو هينة، منها على سبيل المثال، إصرار إيران على تأكيد نفوذها لدى تلك الميليشيات ودفعها في اتجاه إبقائها بمعزل عن المؤسسة الأمنية. ففي هذا الإطار، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي، في 8 يوليو الجاري، أن "قرار رئيس الوزراء العراقي بضم الحشد الشعبي إلى قوات الجيش العراقي لا يعني الدمج الكلي، بل هو إعادة تنظيم للحشد الشعبي"، وهو ما يعني أن إيران قد تتجه إلى محاولة عرقلة تنفيذ هذا التوجه. واللافت أن ذلك انعكس سريعًا على الصعيد الميداني، حيث شاركت ميليشيا "الحشد" براياتها الطائفية مجددًا وأصدرت بيانات مستقلة عن بيانات الجيش العراقي، وحرص مسئولوها، مثل أبو مهدى المهندس، على استخدام مصطلح "التنسيق" مع قوات الجيش وليس العمل تحت رايته.

تحديات قائمة:

وفي ظل السياقات والدوافع السابقة، يبدو أن هناك تصميمًا عراقيًا على مواجهة تحديات إعادة تموضع تنظيم "داعش" في البلاد. لكن البيانات العسكرية، فضلاً عن بيانات الأطراف المشاركة في العملية العسكرية، تكشف عن أنها ربما لن تكون الأخيرة، في ظل التحديات القائمة على المستويات المختلفة الميدانية والأمنية، ومنها، على سبيل المثال، ما كشفه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي من أن الانتشار الخاص بالقوات الاتحادية في مقابل الانتشار الخاص بالقوات الكردية أدى إلى وجود ثغرات أمنية سمحت بفراغ في بعض المناطق التي قام التنظيم بالتمدد فيها.

إلى جانب ذلك، فإن ثمة اعتبارات أخرى ساهمت في بقاء "داعش" رغم إعلان الانتصار عليه، ومنها عدم المضى قدمًا في مشروعات إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب وتعويض المضارين منها خاصة النازحين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى مناطقهم الأصلية، فضلاً عن إعادة تأهيل المواطنين الذين كانوا يقطنون في المناطق التي كانت تحت سيطرة التنظيم.

وفي النهاية، يمكن القول إن الحملة العسكرية "إرادة النصر" على تنظيم "داعش" في العراق تعكس عددًا من الدروس المستفادة في الحرب على الإرهاب عمومًا، يأتي في مقدمتها أن الانتصار في الحرب على الإرهاب لا يتحقق في جولة واحدة بل يعتمد على سياسة "النفس الطويل" في تلك المواجهة، التي تقتضي تبني آليات مختلفة عسكرية وسياسية واجتماعية لعرقلة أى محاولة من جانب التنظيمات الإرهابية لاستعادة نفوذها السابق.

الكلمات المفتاحية: داعشالعراقعملية إدارة النصر