التقديرات

تباين مستمر:

تأثير التصعيد الإيراني– الأمريكي على المشهد السياسي العراقي

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 30 مايو, 2019

تباين مستمر:

انعكس التوتر المستمر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على العلاقة بين القوى السياسية في العراق، خاصة القوى الشيعية، حيث تصاعدت حدة الاستقطاب فيما بينها تجاه الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى توظيف العراق كساحة مواجهة أمامية والزج بها في أتون الصدام مع واشنطن. وتنتقل درجة الحدة تدريجيًا من تعميق الانقسام إثر تباين المواقف بين الكتل الشيعية تجاه السياسات الإيرانية على الصعيدين المحلي والإقليمي، إلى مستوى آخر من التصعيد ساحته الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي يتعالى فيها السجال وتبادل الاتهامات بتأجيج الفتن، على نحو استدعى تدخل نخب عراقية بهدف تهدئة الأجواء بين الطرفين خشية الانزلاق إلى مستوى آخر من الصدام. ومن هنا، برزت الدعوة إلى النأى بالنفس عن هذا الصراع، بهدف تجنب عواقبه المحتملة التي يمكن أن تتعرض لها العراق على المستويين السياسي والأمني، بشكل بدا واضحًا في ردود الفعل التي أثارها إطلاق صاروخ "كاتيوشا" على المنطقة الخضراء، حيث مقر السفارة الأمريكية، في 19 مايو 2019. 

مراحل الانقسام: 

لفترة طويلة ساد الاعتقاد بوجود معسكر شيعي واحد في العراق قامت إيران بتشكيله في الفترة التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين عام 2003، انطلاقًا من كون إيران كانت الحاضنة السابقة لمعظم القوى الشيعية قبل الإطاحة به، وأن التمايزات السياسية والحزبية تنعكس فقط في مجال التنافس السياسي فيما بينها على الساحة الداخلية. لكن من المتصور أن مسار التجربة السياسية العراقية، لا سيما منذ عام 2007، ومع صعود حزب "الدعوة"، فرض مسارًا جديدًا للعلاقة مع إيران، التي انتقلت إلى مرحلة أخرى بالتزامن مع اجتياح تنظيم "داعش" للعراق في منتصف عام 2014، وتأسيس ميليشيا "الحشد الشعبي"، وهى المرحلة التي عكست مقاربة مختلفة في العلاقة مع ايران تتعلق بالأهداف والمشروعات الإيرانية في الإقليم والدعم الاستراتيجي الذي تقدمه العراق في سياق هذه المشروعات، بشكل ساهم في تقسيم القوى الشيعية، حسب اتجاهات عديدة، إلى تيار موالٍ لإيران يرى وحدة الهدف والمصير وآخر يدعو إلى ضروة تبني سياسة أكثر استقلالاً تعكس المصالح الوطنية العراقية في المقام الأول.

دلالات مختلفة: 

في سياق العرض المرحلي السابق، يمكن طرح ملاحظات أسياسية تعكس دلالات الانقسام داخل المكونات السياسية العراقية، يتمثل أبرزها في: 

1- أنماط متباينة: تمثل العلاقة بين التيار الصدري الذي يقوده مقتدى الصدر وبين جماعة "عصائب أهل الحق" المنضوية تحت مظلة "الحشد الشعبي" بزعامة قيس الخزعلى، تجسيدًا واقعيًا لحالة التصدع التي تواجهها تلك المكونات في الفترة الحالية، باعتبار أنها تعبر عن انشقاق وقع بين قوى تحولت أنماط التفاعلات فيما بينها من التحالف إلى التنافس إلى الصراع. 

2- متغير رئيسي: يمكن القول إن العلاقة مع إيران تمثل المتغير الرئيسي الذي يحدد اتجاهات التفاعلات بين تلك المكونات. فرغم أن التيار الصدري لا يشكل تيارًا معاديًا لإيران، وهو ما أبرزه مقتدى الصدر سواء في تصريحاته المتتالية أو في زياراته التي لا تنقطع إلى إيران ولقاءاته مع قادة إيرانيين، إلا أن ذلك لا ينفي، في رؤية اتجاهات عديدة، أن المعيار الحاكم في هذه العلاقة هو المصلحة الوطنية العراقية على نحو انعكس في سعى التيار إلى الانفتاح على بعض الدول العربية. في حين يتبنى التيار الموالي لإيران موقفًا مغايرًا يقوم على الدفاع عن مصالحها ودعم وكلاءها في المنطقة، على غرار حركة "أنصار الله" الحوثية المتمردة في اليمن وحزب الله في لبنان والميليشيات التي قامت إيران بتكوينها وتدريبها في سوريا.  وقد انعكس ذلك، على سبيل المثال، في الزيارة التي قام بها الخزعلي إلى الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، في 9 ديسمبر 2017، معربًا عن استعداده "للوقوف صفًا واحدًا مع الشعب اللبناني والقضية الفلسطينية أمام الاحتلال الإسرائيلي".  

3- حدود متوقعة: لم تعكس حدة الانقسام درجة من العداء تجاه إيران من جانب التيار الذي يدعو إلى اتباع سياسة تعكس المصالح الوطنية، وهو ما بدا جليًا في السجال الذي اندلع بين طهران وواشنطن، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن بقاء قوة عسكرية أمريكية في العراق لـ"مراقبة إيران"، وهو ما اجتمعت القوى الشيعية على رفضه وانتقاده. والجدير بالذكر في هذا السياق، أن هذه القوى اتخذت مواقف مناهضة للوجود الأمريكي في العراق، لكن بعضها ركز على فكرة "السيادة الوطنية" في موقفه من تلك الأزمة، في حين ربط البعض الآخر بين موقفه وبين علاقاته القوية مع إيران، على نحو انعكس في تصريحات الخزعلي، في 4 فبراير 2019، والتي قال فيها أن "القوات العراقية العسكرية والأمنية قادرة على إخراج القوات الأجنبية في حال أرادت قوة أجنبية أن تفرض وجودها رغمًا عن إرادة الشعب"، وهو ما توازى مع اتخاذ خطوات سياسية للحشد البرلماني بهدف إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق. 

4- دور غامض: يثير استمرار التباين بين تلك القوى تساؤلات عديدة عن دور المرجعية الدينية العليا في العراق، ممثلة في علي السيستاني، في محاولات تسويته واحتواءه، حيث لم يصدر موقف واضح على النحو المعتاد من مكتب السيستانى تجاه تلك التطورات. وقد تصاعد السجال مؤخرًا بين التيار الصدري و"عصائب أهل الحق"، بعد اتهام الأول لبعض النواب القريبين من الجماعة الثانية بالإساءة للصدر من خلال صور مسربة  على موقع "واتس آب"، على نحو سوف يدفع أطرافًا عديدة إلى مطالبة المرجعية باتخاذ موقف محدد يحول دون اتساع نطاق تلك الخلافات. 

تداعيات محتملة: 

ربما تفرض هذه الانقسامات تداعيات عديدة على المشهد السياسي العراقي خلال المرحلة القادمة، يتمثل أبرزها في استمرار تصاعد حدة الاستقطاب وانعكاسه على مظاهر الحياة السياسية، بما قد يعيد تفكيك المنظومة السياسية العراقية الراهنة، خاصة بعد ما فرضته نتائج الانتخابات البرلمانية من توازنات سياسية جديدة في البرلمان.

فضلاً عن ذلك، فإن مثل هذه الانقسامات يمكن أن تزيد من احتمالات الانزلاق إلى احتراب بين قواعد بعض هذه المكونات، في حالة عدم القدرة على احتواء الأزمات العالقة بينها، خاصة أن لديها أذرع أمنية.

وفي النهاية، يمكن القول إن التطورات السياسية التي طرأت على الساحة العراقية تشير إلى أن ثمة محاولات لضبط مستوى النفوذ الإيراني في العراق في إطار التأكيد على الثوابت الوطنية، والحرص على عدم تحويل العراق إلى ساحة حرب أو تصفية حسابات مع واشنطن، خاصة وأن هذه المسالة تمثل معضلة بالنسبة للعراق، حيث أن الدولة حريصة على تأسيس علاقات متميزة مع الطرفين في الوقت نفسه، وهو ما يفسر الجهود التي تبذلها حكومة عادل عبد المهدي للتوسط بينهما، من أجل تحييد العواقب السلبية التي يمكن أن يفرضها استمرار التصعيد على المشهد السياسي العراقي.