التحليلات - التطورات التكنولوجية

الردع بالانتقام:

دلالات أول هجوم إسرائيلي على الفلسطينيين لذريعة سيبرانية

الثلاثاء، 07 مايو، 2019
الردع بالانتقام:

في سابقةٍ هي الأولى من نوعها، أعلنت إسرائيل قيامها بشن هجوم عسكري على أحد المباني التي ادّعت أنه يُستخدم من قبل مجموعة من قراصنة المعلومات التابعين لحركة "حماس" لشن هجمات إلكترونية ضد أهداف إسرائيلية لم يتم تحديد نوعيتها، وبذلك يُعتبر هذا الاعتداء الإسرائيلي هو أول رد عسكري على هجوم سيبراني في التاريخ، لتصبح الحرب السيبرانية حقيقة واقعة، وتصبح التساؤلات حول شرعية الرد العسكري على الهجوم السيبراني، ومدى إمكانية اللجوء إلى القوة كحق للدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك مبدأ التناسب بين الاعتداء والدفاع، وقبل ذلك كيف يمكن التحقق من صحة الادعاء بتورط أحد الأطراف في هجوم سيبراني، أسئلة جديرة بالنظر والتحليل.

نهاية جدل الحرب السيبرانية: 

سادت خلال السنوات الماضية حالة من الجدل الأكاديمي حول ما هي الحرب السيبرانية؟ وهل هي موجودة بالفعل أم لا؟ وهو ما أدى إلى عدم صقل المفهوم واتضاح كافة أبعاده بصورة كاملة، على الأقل لدى المجتمع الأكاديمي، حتى أصبح هناك مفهومان للحرب السيبرانية هما: Cyber War & Cyber warfare.

وفي محاولة للتمييز بينهما، أجرى كلٌّ من "أندرو كولاريك" (Andrew Colarik) دراسة في الخطاب السياسي والعسكري صادرة في عام 2017 بعنوان "هيراركية تعريفات الحرب السيبرانية" (The Hierarchy of Cyber War Definitions)، وتوصّلا إلى أنه بينما يُقصد بالأول -أي Cyber War- تصرف الحرب ذاته، فإنه يقصد بالثاني Cyber Warfare الوسائل اللازمة لإدارة هذه الحرب.

وكانت أولى الكتابات التي تنبأت بالحرب السيبرانية لكل من   "جون أركيلا" (John Arquilla)، و"ديفيد رونفليد" (David Ronfeldt) وذلك في مقالهما المنشور عام 1993 بعنوان "الحرب السيبرانية قادمة"  cyberwar is coming، حينما حذّرا من تهديدات الحرب السيبرانية المقبلة. 

وعرّفها الكاتبان بأنها "تنفيذ، والاستعداد لتنفيذ، العمليات العسكرية وفقًا للمبادئ المعلوماتية، من خلال تعطيل -إن لم يكن تدمير- نظم المعلومات والاتصالات على أوسع نطاق"، بل إن الكاتبين وسّعا مفهوم الحرب السيبرانية ليشمل أيضًا أبعادًا غير مادية تتمثل في "تدمير العقيدة العسكرية للعدو، والتي تمثل الأساس الذي يعتمد عليه لتحديد هويته وخططه وتصرفاته وأهدافه والتحديات التي يواجهها"، وذلك عبر معرفة كل شيء عن العدو، ومنعه في الوقت نفسه من معرفة أي شيء عن الطرف الآخر، وتحويل ميزان المعرفة ليكون في صالح هذا الطرف، فالحرب السيبرانية هي عملية "توظيف المعرفة بهدف الاقتصاد في توظيف رأس المال والعمالة" أو حتى في حالة عدم تكافؤهما مع الخصم.

وإذا كان كافة الدراسات السابقة أكدت أن الحرب السيبرانية قادمة لا محالة، فإن "توماس ريد" (Thomas Rid) في مقاله الصادر عام 2011 بعنوان "الحرب السيبرانية لن تحدث" Cyber War Will Not Take Place، يجزم بأن الحرب السيبرانية لم تحدث في الماضي، ولا تحدث حاليًّا، ولن تحدث في المستقبل، وذلك عبر تعريف الحرب السيبرانية بأنها "ممارسة النفوذ عبر توظيف البرمجيات الخبيثة بصورة سياسية ووظيفية وقاتلة"، ومن خلال تفنيد الأحداث التي شهدت توظيف القوة السيبرانية، يرى "ريد" أن الأمر لا يتعدى كونه "هجمات سيبرانية Cyber Attacks" وليست حربًا سيبرانية، وأن الهجمة السيبرانية تسعى بالأساس لتحقيق ثلاث وظائف رئيسية أقدم من فكرة الحرب نفسها، وهي: التخريب، والتجسس، والتدمير.

وعلى النقيض، يرى كل من "ريتشارد كلارك" (Richard Clarke) و"روبرت كينك" (Robert Knake) في كتابهما الصادر بعنوان "Cyber War: The Next Threat to National Security and What to Do About It"، أن الحرب السيبرانية قد بدأت بالفعل، وأنها حرب حقيقية، تحدث بسرعة الضوء، وعلى نطاق عالمي، وتتخطى ساحة المعركة.

ومع الإعلان الإسرائيلي بشن هجوم مادي عسكري تقليدي على مواقع مدنية بداعي استخدامها لشن هجمات إلكترونية على أهداف إسرائيلية؛ فإن الجدال حول حقيقة الحرب وماهيته قد يكون انتهى، فما فعلته إسرائيل هو رد "فوري" و"سريع" من قوات الاحتلال ضد الفلسطينيين، وهو ما يعتبر تصرف حرب، ويطلق عليه مصطلح Cyber War، أي إنها حرب سيبرانية، أو على الأقل أحد شقيها سيبراني، إذا كانت الرواية الإسرائيلية صحيحة.

إسرائيل لا تفرق بين الحرب المادية والسيبرانية:

تمتلك إسرائيل قدرات متقدمة في مجال الحرب السيبرانية، حيث توجد بها مراكز أبحاث كبرى لكل من: آبل، وجوجل، ومايكرسوفت، وأمازون، وفيسبوك، كما أنها تحصل على 20% من الاستثمارات العالمية في الأمن السيبراني، فضلًا عن ذلك يوجد لديها الوحدة 8200 المسئولة عن العمليات العسكرية في الفضاء السيبراني.

الوحدة 8200 تابعة لشعبة الاستخبارات الإسرائيلية "أمان"، تأسست في عام 1952، وأصبحت مسئولة عن قيادة الحرب السيبرانية في الجيش الإسرائيلي، وتُشكّل تحالفًا مع وكالة الأمن القومي الأمريكي (NSA)، وقيادة الفضاء الإلكتروني (US Cyber Command)، وتعتبر أهم وأكبر قاعدة تجسس إلكترونية إسرائيلية بالنقب للتنصت على البث الإذاعي والمكالمات الهاتفية والفاكس والبريد الإلكتروني في قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتم تطويرها بإضافة مهام الحرب على الفضاء الإلكتروني إليها في وقت لاحق.

وقد لعبت هذه الوحدة دورًا رئيسيًّا في ضرب البرنامج النووي الإيراني من خلال تصميم فيروس "ستاكس نت". كما أكد المعلق العسكري الإسرائيلي "عمير رايبوبورت" أن الدور الذي تقوم به "وحدة 8200"، قد جعل إسرائيل ثاني أكبر دولة في مجال التنصت في العالم بعد الولايات المتحدة، وأشار "رايبوبورت" إلى أن الحواسيب المتطورة التابعة لهذه الوحدة قادرة على رصد الرسائل ذات القيمة الاستخباراتية من خلال معالجة ملايين الاتصالات ومليارات الكلمات.

هذه القدرات التي تمتلكها إسرائيل لا يمكن مقارنتها بقدرات "حماس" في الفضاء السيبراني، فمهما بلغت قوة "حماس" السيبرانية في الوقت الحالي فهي لا شيء أمام قدرات إسرائيل السيبرانية الهجومية، ولكن هناك ميزة نسبية تمتلكها "حماس"، بل تمتلكها كل فلسطين، في مواجهة إسرائيل وهي تعدد الأهداف السيبرانية التي يمكن إصابتها في إسرائيل مقارنة بفلسطين، حيث تعتمد إسرائيل على التكنولوجيا الحديثة في تقديم الخدمات المحلية وفي إدارة البنية التحتية، وبل وحتى في استخدام الأسلحة وتوجيهها، وهذه النظم يمكن اختراقها والسيطرة عليها وتدميرها أو تحقيق ضرر مادي كبير لإسرائيل، سواء على مستوى البنية التحتية أو المعلوماتية أو الخدمية، في حين لا تملك فلسطين بنية تكنولوجية قد تصبح هدفًا للاختراق الإلكتروني من الوحدة 8200 الإسرائيلية.

ولعل إسرائيل على إدراك كبير بنقطة الضعف هذه، وهو ما دفعه للقيام بحملة عسكرية على "حماس" لا بهجوم إلكتروني مضاد، فلا توجد أهداف سيبرانية ذات قيمة يمكن تدميرها، كما أن شن هجوم عسكري من شأنه تحقيق الردع السيبراني، ومنع "حماس" أو أي فصيل آخر من مجرد التفكير في شن هجوم سيبراني على إسرائيل، لأن معنى ذلك هو الرد بهجوم عسكري قاتل وليس بهجوم سيبراني مضاد، وبذلك فإن العقيدة العسكرية الإسرائيلية لا تفرق بين الحرب التقليدية والحرب السيبرانية، وترى أن الحرب السيبرانية هي حرب تستدعي الاستخدام العسكري للقوة، والرد بكل الطرق المتاحة.

الهجوم السيبراني والدفاع عن النفس:

دائمًا ما تتذرع إسرائيل باستخدام القوة كحق للدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة، وبالنظر إلى الهجوم السيبراني الذي قامت به "حماس" والذي لم تعلن حتى الآن قيامها به، فإن هذا الهجوم لا يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة أو مبادئ القانون الدولي وذلك من عدة جوانب أهمها:

1- عدم توافر أدلة قطعية بأن "حماس" هي المتورط في الهجوم: حيث تستند إسرائيل في هجومها إلى أن الهجوم الإلكتروني تم من خلال فيروس يحمل اسم HamasCyberHQ.exe، وهو أمر غير كافٍ لاتهام "حماس" أو غيرها بالهجوم، حيث يمكن لأي مجموعة قراصنة سواء كانت تتعاطف مع القضية الفلسطينية أو لا أن تسمي الفيروس المستخدم في الهجوم بأي اسم تختاره.

2- محدودية الخسائر الناجمة عن الهجوم السيبراني: حيث قامت إسرائيل برد عسكري مباشر فور إعلانها إيقاف هجوم إلكتروني من حماس. وهذه السرعة في الرد تحمل أمرين؛ إما أن الفيروس المستخدم ضعيف للدرجة التي يمكن اكتشافه بسرعة وسهولة ومن ثم فإن التداعيات الناجمة عن الهجوم ضعيفة ولا تستوجب اللجوء إلى القوة للرد، أو أن النية كانت مبيتة بالفعل لاتهام حماس بشن هجوم إلكتروني وتوجيه ضربة عسكرية لها.

3- عدم تناسب الرد على الهجوم السيبراني المحدود: حيث يتطلب استخدام القوة كوسيلة للدفاع عن النفس أن يكون الدفاع على قدر الهجوم الذي وقع، ولكن ما حدث غير ذلك، حيث لم يتم الإعلان عن وقوع ضحايا أو خسائر، سواء مادية أو بشرية في إسرائيل، ومع ذلك تم استخدام القوة العسكرية في الرد على الهجوم.

وفي النهاية، فإن الرد العسكري الإسرائيلي جاء تطبيقًا لمبدأ "الردع بالانتقام" الذي يقوم على فكرة العقاب، وفيه يدرك الخصم أن أي هجوم سيتبعه هجوم آخر انتقامي لا يستطيع تفاديه أو تحمله، بهدف منع حماس أو أي فاعل آخر، سواء كان من الدول أو من دون الدول، من شن هجمات سيبرانية على إسرائيل.

الكلمات المفتاحية: إسرائيلحماسهجمات سيبرانية

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات

المركز في الإعلام

صحيفة الشروق:

تأثير الأوضاع السياسية فى المنطقة العربية على قطاع التعليم

العين الإخبارية :

واشنطن: إطفاء ناقلات النفط الإيراني لأجهزة التتبع "تصرف خطير"

صحيفة الشروق

اقتراب حذر فى العلاقات الفرنسية ــ الروسية