التقديرات

ضغوط مستمرة:

إلى أين تتجه الليرة التركية في عام 2019؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 03 أبريل, 2019

ضغوط مستمرة:

يتعرض سعر صرف الليرة التركية مقابل العملات الصعبة لضغوط شديدة في الفترة الأخيرة، وذلك جراء توتر العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، في ظل الخلافات بين الطرفين حول إدارة عدد من القضايا المحلية والإقليمية، فضلاً عن ضعف الأساسيات الاقتصادية بسبب ارتفاع مستويات الديون الخارجية، واتساع عجز ميزان المدفوعات. ومع توقع استمرار هذه الأوضاع، تشير الترجيحات إلى أن الليرة ستشهد مزيدًا من الهبوط في الفترة المقبلة، لا سيما مع تراجع استجابة السياسات الحكومية لمعالجة الأزمة، الأمر الذي سيفرض معه ضغوطًا تضخمية شديدة، بالتوازي مع تدهور أداء الشركات التركية وتعثرها في سداد ديونها. 

مسار التراجع:

هبطت الليرة تدريجيًا منذ عام 2016 عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو من العام نفسه، حيث سادت البلاد حالة من عدم اليقين السياسي، وهو الأمر الذي هز الثقة في الأداء الاقتصادي، وبما ترتب عليه وصول سعر صرفها إلى ثلاث ليرات مقابل الدولار الأمريكي لأول مرة في عامى 2016 و2017.

 بيد أن التراجع الأكبر لليرة كان في عام 2018، وتحديدًا في 13 أغسطس، عندما هبطت إلى مستوى 6.88 ليرة مقابل الدولار، وبتراجع بنسبة 7% عن اليوم السابق، وجاء ذلك كنتيجة للتوتر الشديد في العلاقات بين أنقرة وواشنطن آنذاك مع احتجاز الأولى للقس الأمريكي آندرو برونسون. ومع الإفراج عنه، تعافت الليرة تدريجيًا وأغلقت عام 2018 عند مستوى 5.29 ليرة للدولار، ولكنها على مدار العام كله فقدت نحو 40% من قيمتها ولتعد من بين الأسوأ في العالم من ناحية الأداء بجانب عملات مثل البيزو الأرجنتيني والراند الجنوب أفريقي. ومنذ بداية عام 2019، حافظت الليرة على استقرارها نسبيًا وعند مستوى تراوح بين 5.30 و5.50 ليرة مقابل الدولار في يناير وفبراير الماضيين.

 أداء الليرة مقابل الدولار


 * البيانات تمثل الأول من يناير من كل عام، المصدر: رويترز.

لكن لم تلبث الليرة أن تعرضت لضغوط قوية مرة أخرى في مارس الفائت، وتحديدًا في 22 منه، حيث تراجعت بنسبة 5.4% إلى 5.7 مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى لها منذ أكتوبر الماضي، وجاء ذلك على خلفية تزايد مخاوف المستثمرين من احتمال تدهور العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة مجددًا.

ضغوط مستمرة: 

فرضت متغيرات سياسية واقتصادية عديدة ضغوطًا قوية على أداء الليرة في الفترة الماضية، يمكن تناولها على النحو التالي: 

1- تحولات سياسية: شهد المناخ السياسي في تركيا عدم استقرار منذ محاولة الانقلاب في يوليو 2016، وهى الفترة التي أعقبتها العديد من التغييرات السياسية التي واجهت انتقادات داخلية وخارجية واسعة. وقد أجرت أنقرة تعديلات على الدستور أسفرت عن تحويل النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، الأمر الذي أدى إلى تركيز السلطات السياسية في يد الرئيس أردوغان على حساب السلطات التشريعية والتنفيذية.

وصاحب هذه التغييرات مناخ عام يتسم بتقييد الحريات العامة والفردية، بما زاد من الاحتقان الشعبي وتصاعدت معه حدة الاستقطاب السياسي بين حزب "العدالة والتنمية" الحاكم وأحزاب المعارضة. وسبق أن تعرض الأول لأزمة ثقة كبيرة في عام 2013 بعد اتهام عدد من أعضائه من قبل الإدعاء العام بالتورط في شبهات فساد واختلاس الأموال العامة.

2- توتر العلاقات مع واشنطن: يعد العامل الخارجي من أكثر العوامل التي أثرت على مسار العملة في الآونة الأخيرة، وهو ما يتضح في فترات توتر العلاقات بين أنقرة وواشنطن. وتبدي أنقرة اعتراضًا على المواقف التي تتبناها الإدارة الأمريكية تجاه بعض الملفات، على غرار ملف زعيم حركة "خدمة" فتح الله كولن الذي اتهم من قبلها بتدبير الانقلاب العسكري في يوليو 2016، والدعم العسكري لميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" الكردية، الذي تعتبره الأولى تهديدًا صريحًا لاستقرارها الأمني.

ومن جانب آخر، تبدي الإدارة الأمريكية مخاوف عديدة إزاء إصرار أنقرة على مواصلة علاقاتها الاقتصادية مع إيران رغم العقوبات الأمريكية المفروضة على الأخيرة في أغسطس ونوفمبر الماضيين، ومساعيها لشراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "إس 400". وكنتيجة لذلك، قلصت الإدارة الأمريكية العديد من المزايا التجارية التي كانت تحظى بها السلع التركية في السوق الأمريكية خلال الفترة الأخيرة. 

3- ضعف الثقة الاقتصادية: تصاعدت مؤخرًا مخاوف المستثمرين المحليين والأجانب من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد نتيجة ضعف الأساسيات الاقتصادية وعدم فعالية السياسات الحكومية في مواجهة مشكلات مثل انخفاض النمو الاقتصادي وتراجع العملة وتزايد الدين الخارجي، فضلاً عن الضغوط التي مارسها الرئيس أردوغان على البنك المركزي لخفض سعر الفائدة.

ولأول مرة منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، اتجه الاقتصاد نحو الركود في العام الماضي، حيث تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.6% في عام 2018، من 7.3% في عام 2017، وذلك في إشارة على ضعف محركات النمو التقليدية التي تتمثل في الإنفاق الاستهلاكي للأسر والقطاع الخاص.

علاوة على ذلك، تواجه تركيا مستويات مرتفعة من الدين الخارجي بلغت نحو 448.4 مليار دولار بنهاية الربع الثالث من عام 2018، وبما يعادل 62% من الناتج المحلي الإجمالي، ويتحمل القطاع الخاص منها نحو 305.8 مليار دولار. وبحلول يوليو 2019، يستحق على تركيا سداد نحو 179 مليار دولار منها نحو 146 مليار دولار على القطاع الخاص وفق بنك جي بي مورجان الأمريكي.

وعليه، يتضح أن الشركات التركية قد تتعرض لضغوط مالية كبيرة في الأشهر المقبلة، لا سيما مع تدهور قيمة العملة بأكثر من 40%، حيث عليها تخصيص مزيد من الأموال بالليرة لدفع الدين المقوم بالعملات الصعبة. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي هذا الوضع إلى استنزاف الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي لسداد مستحقات الديون الأجنبية، فضلاً عن الواردات.

آفاق مستقبلية:

لا تتوقع المؤسسات الاقتصادية العالمية حدوث تحسن كبير في أداء الاقتصاد التركي في العام الجاري، بل إن بعضها يرى أن الأوضاع الاقتصادية سوف تسوء بشكل أكبر، كما من المحتمل أن تواجه القطاعات الاقتصادية، ولا سيما المصارف مخاطر أوسع في العام الجاري. وفي هذا الصدد، تتوقع وكالة موديز للتصنيف الائتمائي انكماش الناتج المحلي في عام 2019 بنسبة 2% نتيجة استمرار ضعف المؤشرات الاقتصادية العامة. 

وبناءً عليه، ترجح العديد من التحليلات أن تشهد الليرة مزيدًا من الضغوط الشديدة في الفترة المقبلة، لتهبط إلى ما بين 6 و7 ليرات مقابل الدولار الواحد بنهاية العام الجاري. ولا شك أن تقلبات الليرة سيترتب عليها نتائج وخيمة على الاقتصاد، ينصرف أهمها إلى حدوث مزيد من ارتفاع مستويات التضخم في البلاد، علمًا بأن التضخم بلغ ذروته في أكتوبر 2018 بنسبة 25.2% قبل أن ينخفض إلى مستوى أقل من 20% في الأشهر الماضية. 

إلى جانب مواجهة الشركات التركية أعباء مالية إضافية في الفترة المقبلة، حيث قد يتسبب تدهور العملة في تعثرها في سداد ديونها، وبما قد يتسبب في ارتفاع نسبة القروض المتعثرة لدى المصارف إلى ما بين 7 و9% من إجمالي القروض بحلول نهاية عام 2019، من مستوى 4% حاليًا. 

وختامًا، يمكن القول إن الليرة لا زالت مرشحة لأن تواجه مزيدًا من الهبوط في الفترة المقبلة، في ظل احتمال تجدد الخلافات السياسية مع الولايات المتحدة، وضعف استجابة الحكومة التركية للأزمة.