التحليلات - الاتجاهات الأمنية

عقيدة الكراهية:

دوافع وسمات منفذ الهجوم الإرهابي في نيوزيلندا

محمد بسيوني

الجمعة, 15 مارس, 2019

عقيدة الكراهية:

شكّل الهجوم الإرهابي المزدوج على مسجدين بمدينة كرايست تشيرش بنيوزيلندا، يوم 15 مارس 2019، تقويضًا لفرضية "النموذج النيوزيلندي الآمن"، إذ كان يُنظر إلى نيوزيلندا عبر عقود كدولة مستقرة تُمثّل نموذجًا للتعددية الثقافية والمجتمعية. وحتى عندما تعرض النموذج النيوزيلندي لبعض الإشكاليات في ظل تزايد موجات الكراهية ضد المسلمين في الغرب، وصعود التيارات اليمينية المتطرفة في الدول الغربية؛ فقد ظلت تلك الإشكاليات متوقفة عند حدود هجمات الإرهاب العنصري المحدودة داخل نيوزيلندا، ولم تتطور إلى أنماط من الهجمات الضخمة، سواء في النوعية أو الكم، على غرار ما يحدث في دول غربية أخرى.

سياقات محفّزة:

يرتبط الهجوم الإرهابي الذي نفذه اليميني المتطرف "برينتون تارانت" على مسجدين بمدينة كرايست تشيرش بنيوزيلندا يوم 15 مارس 2019 بسياق محفز للكراهية في الغرب تم التكريس له خلال السنوات الأخيرة، فقد نشأ خطابٌ في الدول الغربية معادٍ للآخر، ويحمله مسئولية المشكلات المجتمعية التي تُعاني منها الدول الغربية، وتم تصوير المسلمين كتهديد للتجانس المجتمعي والقيم الثقافية السائدة في الغرب.

واتّسم هذا السياق بدرجةٍ ملحوظةٍ من العنصرية، وظهور العديد من جماعات الكراهية Hate Groups التي تدعو إلى العنف والعداء غير المبرر تجاه أشخاص أو مجموعات لها سمات عرقية، أو دينية، أو جهوية، أو حتى جنسية، وتستخدم لتحقيق أهدافها أدوات متعددة بما فيها الفضاء الإلكتروني الذي قدم لهذه الجماعات إطارًا يُمكن من خلاله الوصول إلى الجماهير بشكل غير مسبوق، وإعادة تدوير خطابها، وتجديد صياغته.

ووظّفت هذه الجماعات الفضاء الإلكتروني كأداة للاتصال (بحسب نظرية التقارب الرمزي Symbolic Convergence theory) في نقل الأفكار والروايات، سواء كانت خاصة بها أو تلك المتعلقة بالأغيار، وبالتبعية تشكيل وعي الجماعة، وتدعيم الهوية المشتركة لأعضائها.

واكتسب هذا الخطاب المعادي للآخر زخمًا متزايدًا بسبب الصعود السياسي لليمين المتطرف في الغرب، بما في ذلك نيوزيلندا، حيث ظهر عددٌ من الأحزاب اليمينية المتطرفة، مثل حزب "نيوزيلندا أولًا"، وتتبنى هذه الأحزاب خطابًا معاديًا للهجرة ومعاديًا للمسلمين كجماعات تهدد التجانس الثقافي والمجتمعي، وقد استُدعي هذا الخطاب بكثافة في السنوات الأخيرة، خاصة في ضوء الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الدول الغربية من قبل تنظيمي "القاعدة" و"داعش"، وهكذا بات خطاب الكراهية اليميني يَلقى جاذبية لدى الكثير من الناخبين. 

ولقد وَقَعت نيوزيلندا في إشكالية حينما اهتمت فقط بالتهديدات التي تشكلها الجماعات الإرهابية المنسوبة للمسلمين، ولم تهتم بما يمكن أن يُفضي إليه الإرهاب اليميني المتطرف، ولعل هذا ما عبر عنه الخبير الأمني "بول بوكانان"، حيث ذكر "أنه منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان تركيز أجهزة الاستخبارات والأمن النيوزيلندية على تهديد التطرف الإسلامي، ولم يتم إعطاء الاهتمام الكافي لتهديد المتطرفين اليمينيين بالرغم من أن المتطرفين اليمينيين كانوا مرئيين للغاية، ولهم نشاط ملحوظ في كرايست تشيرش، ونفذوا هجمات منتظمة على مجتمعات الأقليات خلال العقد الماضي".

ويُشير إلى أن مدينة كرايست تشيرش استضافت خلال العقود الماضية مزيجًا من المجموعات اليمينية المتطرفة، على غرار جماعة "حليقي الرؤوس" و"النازيين الجدد" والجماعات القومية الراديكالية، وروّجت هذه الجماعات لمفردات النقاء العنصري والتخلص من الأغيار، كما نفذت بعض الهجمات ضد المسلمين، ناهيك عن استخدامها الفضاء الإلكتروني لنشر خطاب الكراهية ضد المسلمين والرموز الإسلامية مثل الحجاب.

دلالات الهجوم:

تشير التقارير المتاحة عن الهجوم الإرهابي إلى أن منفذه "برينتون تارانت"، أسترالي الجنسية يبلغ من العمر 28 عامًا، كان قد توجه بسيارته إلى محيط مسجد النور بشارع دينز بمدينة كرايست تشيرش، وحينما وصل إلى المسجد ترجل من سيارته وأطلق النار على المصلين بالمسجد أثناء تأدية صلاة الجمعة، وبعد ذلك توجه إلى مسجد آخر بشارع لينوود وأطلق النار على من فيه، لتكون حصيلة الهجوم، بالمسجدين، مقتل نحو 49 شخصًا وإصابة آخرين. 

وبعد الهجوم قالت رئيسة وزراء نيوزيلندا "جاسيندا أرديرن": "هذا يوم أسود تعيشه نيوزيلندا"، وذكرت أن "الشرطة ألقت القبض على أربعة أشخاص، منهم امرأة ومنفذ الهجوم، لهم آراء متطرفة، لكنهم لم يكونوا على أي قائمة من قوائم المراقبة"، وقررت رفع درجة التهديد الأمني إلى أعلى مستوى.

وفي هذا الصدد، كان مُنفذ الهجوم "برينتون تارانت" قد نشر بيانًا على الإنترنت، قبل الهجوم بأيام، يشرح فيه توجهاته اليمينية المتطرفة، وأهدافه من تنفيذ العملية. ويكشف البيان والكيفية التي تم تنفيذ الهجوم بها عن عددٍ من الدلالات الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- موسيقى عنصرية: فقد استدعى "تارانت" عددًا من الطقوس بدت كما لو كانت نوعًا من الهوس والاحتفاء بعملية القتل، فهو لم يكتفِ بتنفيذ العملية سريعًا، ولكنه سجل فيديو مباشرًا أثناء إطلاق النار، فضلًا عن استماعه إلى الموسيقى أثناء تنفيذه العملية. ووفقًا للفيديو المسجل له فقد كان يستمع إلى أغنيتين، إحداهما أغنية "صربيا قوية"(Serbia strong) ذات المدلولات العنصرية المرتبطة بالصراع البوسني الصربي، والأغنية الثانية كانت أغنية fire.

2- النقاء العرقي: إذ إن كافة المؤشرات تشير إلى أن "تارانت" يميني متطرف يتبنى أطروحة النقاء العنصري، فقد كان حريصًا على نشر صور لبندقيته باستمرار مصحوبة بكتابات متطرفة على حسابه في تويتر. ووفقًا للبيان المنسوب له، وصف "تارانت" نفسه بأنه "مجرد رجل أبيض عادي" وقرر أن "يتخذ موقفًا ليضمن مستقبلًا لقومه"، وأضاف "أنه يمثل الملايين من الأوروبيين والشعوب القومية الأخرى التي تسعى إلى العيش في سلام داخل أراضيها وتمارس تقاليدها الخاصة"، وأنه "يجب ضمان وجود شعوبنا، ومستقبل أطفالنا البيض". 

3- تزايد معدلات الهجرة: واحد من المبررات التي ساقها "تارانت" لتنفيذ هجومه هو سعيه إلى إيقاف الهجرة إلى نيوزيلندا وغيرها من الدول الغربية، ولذا أشار في البيان المنسوب له إلى أنه "نفذ الهجوم كي يُقلل من معدلات الهجرة إلى الأراضي الأوروبية"، خاصةً أنه اعتبر المسلمين بمثابة غزاة يقوضون نمط الحياة الغربية.

4- تقويض "المناطق الآمنة": حيث بدا "تارانت" مهتمًّا بتقويض فرضية "المناطق الآمنة في الغرب" للمسلمين، وبالتالي طمح إلى توسيع دائرة التهديدات للمسلمين لتشمل كافة المجتمعات بما فيها تلك المجتمعات التي ظلت لسنوات موسومة بالاستقرار والتعايش الداخلي. 

وفي هذ الإطار، قال "تارانت" إنه "كان يخطط للهجوم منذ عامين، ولم تكن نيوزيلندا الخيار الأصلي لتنفيذ الهجوم، حيث وصلت إليها للعيش مؤقتًا والتخطيط والتدريب، ولكن بمرور الوقت وجدت نيوزيلندا بيئة غنية بالأهداف مثل أي مكان آخر في الغرب"، وأضاف: "سوف يلفت هجوم نيوزيلندا الانتباه إلى الحقيقة التي تُشير إلى الاعتداء على حضارتنا، وأنه ليس هناك مكان آمن في العالم، وأن الغزاة موجودون في جميع أراضينا، وحتى في أبعد مناطق العالم".

5- الهجمات الملهمة: وترتبط هذه الدلالة بالصلة بين هجوم كرايست تشيرش والهجمات المثيلة التي شهدتها المجتمعات الغربية في السنوات الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بآلية تنفيذ الهجوم والأماكن المستهدفة، وفي مقدمتها دور العبادة باعتبارها مناطق تجمع يمكن أن يؤدي استهدافها إلى سقوط عددٍ من الضحايا.

وثمة تأثير للعناصر الإرهابية اليمينية، مثل "لوكا ترايني" و"ألكسندر بيسونيت"، على "برينتون تارانت"، وكشف "تارانت" عن ذلك التأثير حينما ذكر أن العملية "من أجل ترايني وبيسونيت"، وأوجه التشابه بين الثلاثة تتمثل في كراهية الأجانب والمسلمين واستهداف دور العبادة، إذ إن "ألكسندر بيسونيت" نفذ الهجوم على مسجد المركز الثقافي الإسلامي في مدينة كيبيك الكندية (يناير 2017) ليقتل ستة أشخاص، فيما قام "لوكا ترايني" بإطلاق النار في فبراير 2018 على المهاجرين الذين يقابلهم في شوارع مدينة ماتشيراتا الإيطالية على مدار ساعتين.

6- الثأر من الآخر: فالكثير إن لم يكن معظم منفذي الهجمات الإرهابية يستحضرون سردية "الثأر من الآخر" لتبرير الهجمات، ومحاولة إضفاء شرعية "متوهمة" عليها، ولم تكن هذه السردية غائبة عن هجوم كرايست تشيرش، فـ"برينتون تارانت" تبنى خطابًا يمزج بين التاريخ والحاضر للتأكيد على أن ما قام به بمثابة ثأر للمجتمعات الغربية.

وأوضح "تارانت" أن ما قام به كان للتخلص من الغزاة الموجودين في الأراضي الغربية، ومن ثمّ وصف الهجوم بأنه عمل "انتقامي من الغزاة من أجل مئات آلاف الوفيات التي تسبب فيها الغزاة الأجانب بالأراضي الأوروبية على مر التاريخ، وآلاف الأرواح الأوروبية التي أزهقت نتيجة للإرهاب المنتشر في الأراضي الأوروبية".

واستحضر "تارانت" عددًا من الكلمات والأسماء ذات الدلالة السلبية في العلاقات بين المسلمين والغرب، فعلى سبيل المثال كتب "تارانت" على سلاحه المستخدم في الهجوم عدة أسماء وكلمات منها فيينا 1683، وذلك في إشارة إلى المعركة التي هزمت فيها الجيوش الأوروبية جيش الدولة العثمانية، وفي معرض سردية "الثأر" ذكر أيضًا أسماء من قبيل "إبا أكرلوند"، وهي طفلة قُتلت في هجوم إرهابي حدث في استكهولم عام 2017. 

المواقف الدولية:

أظهرت المواقف الدولية من الهجوم الإرهابي إدانات واسعة من كافة الدول الغربية والإسلامية، وإن كانت امتدت هذه المواقف إلى ديناميات التفاعل بين العالمين الغربي والإسلامي الحاكمة للعلاقات خلال السنوات الأخيرة. وفي هذا السياق، تخوفت الدول الغربية من أن يؤدي هجوم كرايست تشيرش إلى موجة جديدة من الهجمات ضد المسلمين في الغرب على النحو الذي يؤزم الأوضاع المجتمعية، وبالتبعية المزيد من التأزم في العلاقة بين العالمين الغربي والإسلامي، وهكذا أعلنت العديد من الدول الأوروبية عقب الهجوم عن تعزيز إجراءات تأمين المساجد لتجنب تعرضها لهجمات من اليمين المتطرف. 

وعلى الجانب المقابل، ركزت ردود أفعال الدول الإسلامية على ضرورة اعتبار ما جرى "عملًا إرهابيًّا" لا يختلف عن الأعمال التي يقوم بها تنظيم "داعش" وتصفها الدول الغربية بالإرهاب، ووصف البيان الصادر عن "مؤسسة الأزهر" الهجوم بأنه "مؤشر خطير على النتائج الوخيمة التي قد تترتب على تصاعد خطاب الكراهية ومعاداة الأجانب وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في العديد من بلدان أوروبا".

وختامًا، لا يمكن اعتبار الهجوم الإرهابي المزدوج بمدينة كرايست تشيرش استثناءً في الحالة الغربية والدولية الراهنة، كما أنه قد لا يكون الأخير، خصوصًا أن مغذيات الكراهية لا تزال قائمة في خضم استمرار صراعات الشرق الأوسط، واستمرار التهديد الذي يُمثله تنظيما "القاعدة" و"داعش"، وعلى الجانب المقابل تهديدات اليمين المتطرف الذي ينظر إلى المسلمين كغزاة ودخلاء في المجتمعات الغربية يتعين التخلص منهم للحفاظ على النقاء المتوهم لتلك المجتمعات.

الكلمات المفتاحية: الإرهابنيوزيلندا