التقديرات

دعم واسع:

هل تساعد القوى الدولية الأردن لتجاوز الأزمة الاقتصادية؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء, 05 مارس, 2019

دعم واسع:

أبدت دول ومؤسسات دولية عديدة شاركت في "مؤتمر الأردن: نمو وفرص - مبادرة لندن"، الذي عقد في 28 فبراير 2019، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا واليابان وبنك الاستثمار الأوروبي، اهتمامًا خاصًا بدعم الاقتصاد الأردني، على نحو قد يساعد الأردن في عدة نواحي من بينها تمويل جزء من أعباء استضافة اللاجئين السوريين، وسد احتياجات الموازنة العامة، بجانب دعم المشاريع الأساسية من البنية التحتية، إلا أن حصول الأردن على تدفقات الدعم بوتيرة منتظمة من جانب تلك الأطراف سوف يتوقف في النهاية على استمرارها في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من جانب صندوق النقد الدولي.

ضغوط الجوار:

تواجه الأردن أوضاعًا اقتصادية صعبة بسبب تصاعد حدة الصراعات في بعض دول الجوار، بالتوازي مع ضعف مواردها المحلية. وعلى هذا النحو، انخفض معدل النمو الاقتصادي إلى حدود 2% في عام 2018، ومن المتوقع أن لا يزيد عن 2.3% في عام 2019، و2.4% في عام 2020، وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي. 

وفي هذا السياق أيضًا، تباطأت تدفقات الاستثمارات الأجنبية إلى الأردن بشكل ملحوظ، لا سيما في العام الماضي. وبحسب بيانات البنك المركزي الأردني، هبط صافي الاستثمار الأجنبي المباشر المتدفق على الأردن في النصف الأول من عام 2018 بنسبة 56.3% إلى 538 مليون دولار مقارنة مع مستواه  البالغ 1.234 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2017.

ومع ضعف النمو الاقتصادي، لم يستطع الاقتصاد الأردني توفير مزيد من الوظائف الكفيلة بتخفيض البطالة التي ارتفع معدلها إلى حوالي 18.7% بنهاية عام 2018 وبزيادة 4 نقاط مئوية عن معدل عام 2016 البالغ 14.6%. وفي الوقت نفسه، بدت أوضاع المالية العامة غير مستقرة، حيث حققت الموازنة العامة عجزًا مستمرًا في الأعوام الماضية وبمعدل 2.5% في عام 2018 مقابل3.2% في عام 2017.

وبناءً عليه، اضطرت الحكومة للاستدانة داخليًا وخارجيًا لسد العجز. ونتيجة لذلك، ارتفع إجمالي الدين العام الداخلي والخارجي المستحق على الأردن إلى 39.9 مليار دولار بنهاية عام 2017، أى ما يعادل 98% من الناتج المحلي الإجمالي. 

وتعتبر تكلفة استضافة اللاجئين السوريين المرتفعة من ضمن الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تزايد الأعباء المالية على الحكومة في الأعوام الماضية، إذ استقبلت الأردن أكثر من 670 ألف لاجئ سوري حتى الآن بما كبدها مبالغ مالية كبيرة، حيث قال رئيس الوزراء عمر الرزاز أن "سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين كلَّفت الأردن 2.5 مليار دولار سنويًا". 

ومن أجل التعامل مع الأوضاع المالية المضطربة، اتجهت الحكومة إلى تنفيذ سياسات للإصلاح المالي شملت تقليص الدعم الحكومي للسلع الأساسية بجانب زيادة الضرائب، إلا أن هذه الإجراءات كانت سببًا في اندلاع احتجاجات خلال الأشهر الماضية، بما اضطر الحكومة إلى إجراء تعديلات عاجلة على هذه الإجراءات بهدف تقليص الأعباء المالية على المواطنين. 

اهتمام ملحوظ:

في ظل الصعوبات الاقتصادية السابقة، عوَّلت الأردن على تنظيم مؤتمر دولي خارجي في الشأن الاقتصادي من أجل استقطاب الدعم المالي من شركائها السياسيين والاقتصاديين. وعلى هذا النحو، عقدت الأردن في لندن "مؤتمر الأردن: نمو وفرص - مبادرة لندن" بحضور ممثلي أكثر من 60 دولة ومؤسسة دولية كبرى.

وكما كان متوقعًا، تلقت الأردن تعهدات مالية من قبل الحكومات والمؤسسات العالمية المشاركة تقدر بنحو 3.6 مليار دولار تقدم على مدار الأعوام القادمة، وجاء معظمها من شركائها الأوروبيين. إذ أعلنت بريطانيا عن زيادة مساعداتها للأردن إلى 860 مليون دولار على مدى الأعوام الخمسة المقبلة، بالإضافة إلى ضمان قرض على الأردن للبنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار.

فيما ستقدم فرنسا نحو 1.1 مليار دولار في صورة قروض ومنح على مدى الأعوام الأربعة المقبلة، وفقًا لتصريحات وزيرة الدولة بوزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية أنييس بانييه روناشير، وتعهدت اليابان بدورها بتقديم منحة لدعم الأردن بقيمة 100 مليون دولار وقرض بقيمة 300 مليون دولار.

وبالنسبة لبنك الاستثمار الأوروبي، فقد خصص مبالغ بنحو مليار دولار كمنح وقروض للمساهمة في دعم مشروعات بنية أساسية في الأردن، إضافة إلى دعم دور القطاع الخاص في الاقتصاد. وبالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تحدد مبالغ مالية لدعم الأردن، إلا أن وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين لم يستبعد تقديم دعم للأردن.

قنوات متعددة:

يمكن القول إن الدعم الدولي السابق سيمارس دورًا في مساندة الاقتصاد الأردني في عدة نواحي: يتمثل أولها، في تمويل جزء من تكلفة استضافة اللاجئين السوريين في الفترة المقبلة، علمًا بأن الحكومة الأردنية أقرت، في فبراير الفائت، خطة الاستجابة للأزمة السورية للعام الجاري وبقيمة قدرها نحو 2.4 مليار دولار.

فيما ينصرف ثانيها، إلى تقديم التمويل اللازم لسداد الديون الخارجية أو سد عجز الموازنة العامة، وهو ما سوف يساعد الأردن، بلا شك، في استكمال جهود الإصلاح الاقتصادي خلال الفترة المقبلة دون التعرض لضغوط مالية كبيرة أو الاضطرار لاتخاذ إجراءات تقشفية حادة في هذه الفترة.

ويتعلق ثالثها، بدعم القطاعات الأساسية التي تمتلك الأردن ميزة نسبية فيها، وهى السياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والخدمات المهنية، وهى الأنشطة التي حث رئيس الوزراء عمر الرزاز المشاركين في المؤتمر على دعمها في الفترة المقبلة، وذلك بخلاف قطاع البنية التحتية بما فيه مجال الطاقة الذي يحتاج لموارد كبيرة لتحسين أدائه ودعم تنافسيته.

ومن دون شك، فإن جدية الحكومة في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من قبل صندوق النقد الدولي، يمثل أحد العوامل الأساسية التي ستشجع شركاء الأردن على تقديم الدعم الدولي بصفة منتظمة في الفترة المقبلة، وهو ما يتطلب منها إجراء مزيد من الإصلاحات الاقتصادية سواء على الجانب المالي أو النقدي من أجل دعم استقرار الاقتصاد في نهاية المطاف. وقد يتصل أبرز هذه الإجراءات بالمضى قدمًا في خطة الحكومة لزيادة القاعدة الضريبية وترشيد الدعم الحكومي من السلع الأساسية والنفقات الجارية الأخرى.

فضلاً عن ذلك، يبقى تحسن الوضع الاقتصادي في المستقبل مرهونًا بتبني الحكومة لخطة اقتصادية شاملة تستهدف رفع معدلات النمو الاقتصادي عبر زيادة الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، على نحو يتطلب منها تحسين مناخ الأعمال والاتجاه نحو تنشيط العلاقات التجارية مع دول الجوار التي تأثرت بالأوضاع الأمنية، وذلك بجانب تعزيز المشروعات الأساسية من البنية التحتية، ولا سيما الطاقة، بما يسمح بدعم النمو الاقتصادي وتحسين المعيشة في نهاية المطاف.

الكلمات المفتاحية: الأردنالأزمة الاقتصادية