التحليلات - الاتجاهات الأمنية

سيناريو "العودة":

ملامح انتقال داعش إلى حرب العصابات في سوريا

الإثنين، 04 مارس، 2019
سيناريو "العودة":

تمكّن تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" خلال سنوات من الترويج لعلامته brand كتنظيم يتوسع جغرافيًّا ويضم مساحة هائلة من الأراضي. وساهم تمترس التنظيم خلف فكرة "الخلافة" المزعومة في تعزيز قدرته على استقطاب المزيد من العناصر التي كانت تتوق للعيش في دولة الخلافة بنقائها المُتخيَّل. وبقدر ما كان يُشكل بزوغ "داعش" تحولًا راديكاليًّا في بنية المنظومة الإرهابية الراهنة؛ فإن تراجع التنظيم وتعرضه للانزواء عقب فقدانه أراضي خلافته المزعومة قد ينطوي على انعكاسات جوهرية على طبيعة ومستقبل الظاهرة الإرهابية.

ربما تزايدت أهمية التساؤلات المتعلقة بمستقبل "داعش" واحتمالات صعود التنظيم مجددًا مع ظهور عددٍ من التقارير التي تتحدث عن استمرار تهديدات التنظيم وإعادة تشكيل بنيته، على غرار التقرير الصادر عن المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية في شهر فبراير 2019، والذي حذر من إمكانية صعود تنظيم الدولة الإسلامية مجددًا، ناهيك عن البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في 4 فبراير 2019، والذي يشير إلى أن "تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال يُشكّل تهديدًا إرهابيًّا بارزًا".

ملامح التحول: 

يكشفُ تتبع مسار "داعش" بعد فقدانه المناطق التي كان يُسيطر عليها، وانحسار تواجده ببعض المناطق في شمال العراق وقرية باغوز فوقاني في سوريا؛ عن تحول استراتيجية التنظيم من أفكار الدولة وإدارة المناطق المأهولة بالسكان التي تُوِّجت بالإعلان عن الخلافة المزعومة في يونيو 2014، إلى مرحلة حرب العصابات الإرهابي.

وظهرت إرهاصات هذا التحول مبكرًا، خاصة مع التسجيل الصوتي الذي أصدره قبل مقتله المتحدث السابق لتنظيم "داعش" "أبو محمد العدناني"، في شهر مايو 2016، تحت عنوان "ويحيا من حيّ عن بينة"، واعتبر البيان حينها بمثابة إعداد لعناصر التنظيم لمرحلة ما بعد فقدان الأراضي التي يسيطرون عليها في سوريا والعراق.

تأسست استراتيجية حرب العصابات الجديدة لـ"داعش" في سوريا والعراق على اجترار خبرات التنظيم، والمراوحة التاريخية بين مرحلتي الاستضعاف والتمكين. ففي 12 أكتوبر 2017، نشرت صحيفة "النبأ" الأسبوعية الصادرة عن "داعش" تقريرًا استدعت من خلاله تاريخ التنظيم، وعلى وجه التحديد في عام 2008 حينما استنزفت الجماعة في القتال ضد القوات الأمريكية والعراقية، حتى إن قائد التنظيم -آنذاك- "أبو عمر البغدادي" ذكر أنه "لم يبقَ لنا الآن مكان نستطيع الصمود فيه ربع ساعة"، وهو ما دفع التنظيم حينها إلى طرقٍ غير تقليدية في القتال، واللجوء إلى استراتيجية حرب العصابات.

هذا التوسّع في استراتيجية حرب العصابات ارتبط بقناعة لدى التنظيم بعدم إمكانية مجابهة القوات المدعومة بغطاء جوي، ومن ثم لجأ التنظيم إلى الحفاظ على ما تبقى من عناصره البشرية، ومحاولة إعادة تنظيمها ضمن استراتيجية تمرد طويلة الأمد لاستنزاف الخصوم، وهكذا تضمنت استراتيجية حرب العصابات لـ"داعش" أربعة مكونات رئيسية: 

1- مساندة الجغرافيا: حيث تعطي الجغرافيا في سوريا والعراق لـ"داعش" فرصًا لإنجاز استراتيجية ما بعد الخلافة، أو ما يُطلق عليه "حسن حسن" (الباحث في قضايا الإرهاب) استراتيجية الصحراء desert strategy. وتتشكل هذه الفرص في بعض المناطق داخل سوريا والعراق، على غرار منطقة دير الزور التي تتسم بتضاريس صعبة، فالمنطقة محاطة بصحراء، وتشمل امتدادًا طويلًا من الحدود مع العراق، كما يقسم المنطقة نهر الفرات، ولا يمكن إغفال أن هذه السمات قد تساعد عناصر "داعش" في صياغة استراتيجية حرب العصابات، ولا سيما مع خبرة التنظيم في تضاريس المنطقة.

وربما تنطوي المنطقة الحدودية السورية العراقية، الممتدة من دير الزور وعلى طول نهر الفرات، على فرص هائلة لتنظيم "داعش"، خصوصًا أنها تتشابه في تضاريسها مع المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان. وفي سياق متصل، كشف "داعش" عن اهتمام بمنطقة جبل حمرين وغيرها من المناطق ذات التضاريس الصعبة في شمال العراق، إذ لجأ التنظيم في تلك المناطق إلى إنشاء مجمعات من الأنفاق للاختباء والتجهيز لاستراتيجيته العسكرية الجديدة.

2-لا مركزية القتال: فقد استدعت الضغوط العسكرية على "داعش" التوجه المتزايد نحو اللا مركزية في العمليات القتالية داخل سوريا والعراق، ولعل هذا ما أشارت إليه صحيفة "النبأ" التابعة للتنظيم في عددها الصادر في 16 أغسطس 2017. ففي حوار للصحيفة مع الأمير العسكري لولاية الرقة، ذكر أن المدينة تم تقسيمها إلى مناطق صغيرة ذاتية الحكم، ومكتفية بذاتها من الاحتياجات بحيث لا يحتاج المقاتلون إلى إمدادات من المناطق الأخرى، ويتخذون القرارات بصورة منفصلة ومستقلة وفقًا لمعطيات القتال.

3-الخلايا النائمة: يُشير "نيكولاس هيراس" (الباحث في شئون الشرق الأوسط) إلى أن "جزءًا أساسيًّا من استراتيجية "داعش" في دير الزور للتقدم إلى الأمام، هو أن يكون لدى التنظيم شبكة من العملاء المتواجدين بين السكان المحليين كي تجعل الأمر صعبًا على أية إدارة ستقوم بتوفير الأمن والخدمات". ويفترض العديد من التقارير أن الفترة الطويلة التي استغرقتها قوات سوريا الديمقراطية لتحرير الجانب الشرقي من نهر الفرات أتاحت لـ"داعش" الوقت لإنشاء خلايا نائمة في المناطق التي انسحبت منها.

وثمة تخوفات من وجود عناصر موالية لـ"داعش" داخل المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في دير الزور، ولا سيما مع التقارير التي تحدثت عن إطلاق القوات لسراح أعضاء محليين تابعين للتنظيم، واستخدام البعض منهم في مهام أمنية من قبيل إدارة نقاط التفتيش والمشاركة في الدوريات، وهي السياسة التي اعتبرها البعض محاولة من قوات سوريا الديمقراطية لاسترضاء العشائر المحلية لتعزيز مهمتها في إدارة المناطق المحررة.

4-العمليات النوعية: على الرغم من تراجع هجمات "داعش" في سوريا والعراق خلال عام 2018 مقارنة بالأعوام السابقة، فالتنظيم لا تزال لديه القدرة على تنفيذ عمليات نوعية مؤثرة لخدمة استراتيجية حرب العصابات الخاصة به. ويندرج ضمن هذا النمط من العمليات الهجمات المسببة للإصابات الجماعية، والتفجيرات الفعالة، وعمليات تجاوز لنقاط التفتيش والمواقع الأمنية، والاغتيالات الشخصية.

ووفقًا للتقديرات التي يطرحها "مايكل نايتس" (الباحث بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)؛ فإن "داعش" يمتلك خلايا هجومية تعمل بشكل دائم في ما لا يقل عن 27 منطقة داخل العراق، وقد نفذ التنظيم أكثر من 1400 عملية نوعية داخل العراق في الشهور العشرة الأولى من عام 2018 متضمنة 762 حادث انفجار، و135 محاولة ارتكاب هجمات مسببة لإصابات جماعية، و270 عملية تفجير فعالة بالعبوات المفخخة على جوانب الطريق، كما حاول التنظيم تجاوز 120 نقطة تفتيش أو مركز عسكري تابع لقوات الأمن العراقية، ونفذ 148 عملية اغتيال لأفراد مثل رؤساء القبائل أو أعضاء مجلس المحافظة أو قادة قوات الأمن.

احتمالات الصعود:

جددت استراتيجية حرب العصابات الخاصة بـ"داعش" الجدل المتعلق بمستقبل التنظيم، واحتمالات صعوده مجددًا. فقد كشف التقرير الصادر عن المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية، في شهر فبراير 2019، استنادًا إلى تقديرات القيادة المركزية الأمريكية بعد إعلان واشنطن سحب قواتها من سوريا، عن "قيام تنظيم الدولة الإسلامية بتجديد وظائفه وقدراته الرئيسية في العراق بسرعة أكبر عما عليه الحال في سوريا، ولكن مع غياب الضغط المستمر لعمليات مكافحة الإرهاب، فقد يثور "داعش" مجددًا داخل سوريا في غضون ستة أشهر إلى اثني عشر شهرًا، ويستعيد مساحة محدودة في وادي نهر الفرات الأوسط".

وليس من المنطقي الحديث عن انتهاء تنظيم كان منذ فترة قريبة يمتلك مساحة كبيرة من الأراضي، ويديرها بنمط أقرب لإدارة الدول، فضلًا عن القوة البشرية الضخمة للتنظيم، والتمويل الهائل الذي كان يحصل عليه. بيد أن الحديث عن عودة التنظيم مجددًا بنفس السيناريو الذي كان قائمًا مع إعلانه دولة الخلافة في يونيو 2014، أمر محفوف بالعديد من المعضلات التحليلية نظرًا لارتباط سيناريو "الانبعاث الجديد" لـ"داعش" بعدد من المحددات المتمثلة فيما يلي:

1- فكرة الخلافة: حيث اكتسب تنظيم "داعش" شرعيته الإرهابية عالميًّا من فكرة الخلافة التي أعلن عنها في يونيو 2014، ومطالبة المسلمين بمبايعة "أبو بكر البغدادي" كخليفة للمسلمين، وسرعان ما عززت هذه الخلافة المزعومة من فرصه في استقطاب عناصر جديدة وجدت في الدولة الجديدة فرصة لاستدعاء الماضي إلى الحاضر، والخروج من أسر التاريخ لتعيش في الدولة المثالية التي ظلت لسنوات تتوق للعيش فيها، ناهيك عما قدمته هذه الدولة من مخرج للمتطرفين لمعالجة حالة الاغتراب التي يعانون منها.

ويوضح التسجيل الصوتي المنسوب لزعيم "داعش" "أبو بكر البغدادي"، في أغسطس 2018، عن أهمية فكرة الخلافة كضمانة لاستمرارية التنظيم، ولذا استخدم "البغدادي" في ذلك التسجيل كلمة الخلافة بشكل متكرر، وحاول التكريس لها ككيان يحافظ على وحدة المسلمين السنة ضد الأعداء الخارجيين. وفي هذا الإطار، من المرجّح أن تُعزز الآلة الدعائية للتنظيم مقاربة الخلافة الافتراضية virtual caliphate لتوليد ذلك النوع من الروابط الذي تحدث عنه "بندكت أندرسن" في كتابه "الجماعات المتخيلة"، بين مجموعة من الأشخاص المتباعدين. 

2- التنافس التنظيمي: فمنذ اللحظة الأولى لتنظيم "داعش" وهو يقدم نفسه كنسخة مغايرة لتنظيم "القاعدة" الذي يعتبره تنظيمًا مهادنًا وضعيفًا لا يصلح للتعبير عن الفكرة الجهادية من وجهة نظره، بينما يتبنى "القاعدة" خطابًا معاديًا يصف أعضاء "داعش" بأنهم "مجموعة منحرفة ترفع راية التكفير، وتستحل دماء المسلمين، وساهمت في تقسيم وتفتت الحركة الجهادية".

من المحتمل أن يكون التنافس التنظيمي بين "داعش" و"القاعدة" محفزًا جوهريًّا لـ"داعش" كي يستمر في بناء قدراته ومحاولة استعادة عافيته لإثبات جدارة التنظيم بقيادة المنظومة الإرهابية العالمية، ومثل هذا الأمر يرتبط أيضًا ببقاء "أبو بكر البغدادي" واستمراره في قيادة التنظيم، لأن انزواءه عن المشهد في اللحظة الراهنة ستكون له انعكاسات سلبية على التنظيم ربما تؤدي في نهاية المطاف إلى انقسامه وانتهائه بوتيرة أسرع.

3- الصراع الطائفي: واحدة من الآليات التي يعول عليها "داعش" في المرحلة الحالية هي إثارة الصراعات الطائفية في المنطقة، خصوصًا في سوريا والعراق. إذ تستهدف دعاية التنظيم إعادة بناء شبكة دعمه من خلال إثارة التوترات الطائفية، وتقديم نفسه على أنه حامي المسلمين ضد القمع الذي ترتكبه الأنظمة والقوات شبه العسكرية. ولعل هذا ما يفسر احتفاء صحيفة "النبأ" في عددها الصادر في 27 سبتمبر 2018، بالهجوم الذي نفذه عناصر "داعش" ضد عرض عسكري إيراني في مدينة الأحواز جنوب إيران.

ويستدعي الخطاب الدعائي لـ"داعش"، في هذا السياق، مصطلحات من قبيل "الأنظمة المرتدة" في سوريا والعراق التي تحارب السنة، والاتهامات المستمرة للقوات السورية، وحلفائها الروسيين والإيرانيين، بتدمير المباني ومساكن المدنيين وقتل النساء والأطفال، والتأكيد على تبني طهران والميليشيات الشيعية سياسة تطهيرٍ ضد المسلمين السنة في سوريا والعراق. وبالتبعية يتم الانتقال من هذا الخطاب إلى سردية "داعش" المدافع عن السنة. 

4- تمويل التنظيم: تُشكل الأموال التي تحصّل عليها "داعش" أثناء إدارته للأراضي التي سيطر عليها في سوريا والعراق عاملًا هامًّا في سيناريو إعادة بناء التنظيم، واعتبرت بعض التقديرات أن دخل التنظيم الشهري كان يصل في ذروة نشاطه عام 2015 إلى 80 مليون دولار تقريبًا. وتفترض "كريستينا ليانج" أن الأموال التي راكمها التنظيم خلال السنوات الماضية ستكون مصدر قلق مستقبلي، خصوصًا وأن التنظيم لجأ إلى تخزين هذه الأموال في مناطق سرية، ونقلها إلى بعض الدول المجاورة لسوريا والعراق.

وظهرت مؤشرات سياسة نقل الأموال إلى دول الجوار على خلفية التحقيقات التي أُجريت عقب الهجوم الذي تعرّض له ملهى ليلي في إسطنبول في يناير 2017، حيث كشفت التحقيقات عن وجود نحو 100 منزل تابع لتنظيم "داعش" في إسطنبول، مخزن بها 500 ألف دولار تقريبًا.

وبوجه عام، يبدو أن "داعش" يحتفظ بقدرة ما لتوليد الأموال من خلال مؤسساته في السوق السوداء، والعمل مع بعض زعماء القبائل أو رجال الأعمال الذين استفادوا في السنوات الماضية من عمليات تهريب النفط والأسلحة والسلع والأفراد. كما أن ثمة تخوفًا من تعاظم قدرة التنظيم على التعامل بالعملة الإلكترونية "البيتكوين"، والتوسع في عمليات الجريمة المنظمة.

5- الحراك الجغرافي: ويتصل هذا المحدد بقدرة "داعش" على الانتقال بعيدًا عن مناطق الصراعات التقليدية، على غرار الشرق الأوسط، والبحث عن مواطئ قدم جديدة تمنح التنظيم حيزًا أكبر للحركة. ويرجح أن يراهن التنظيم بعد خسائره في سوريا والعراق على الولايات التابعة له في إفريقيا جنوب الصحراء وآسيا كمناطق تحظى بالزخم الإرهابي.

لقد باتت دعاية التنظيم تطالب المقاتلين بالهجرة إلى الولايات الأخرى، ناهيك عن الدفع نحو التوسع في العمليات داخل الغرب، وهو ما ظهر في التسجيل الصوتي لزعيم التنظيم "البغدادي"، في أغسطس 2018، حينما طالب أتباعه بتنفيذ هجمات ذئاب منفردة في الدول الغربية، واعتبار أن "الهجوم الواحد في الغرب يعادل ألف هجوم في العراق أو سوريا".

ختاماً تظل أزمات الدولة في سوريا والعراق البعد الأكثر خطورة في سيناريو انبعاث "داعش" مجددًا، فالأزمات التي نشأت في ظلها خلافة "داعش" لا تزال قائمة بشكل أو بآخر، سواء في سوريا حيث الصراع الممتد وتداخل العديد من الأطراف فيه، أو العراق حيث المصالح الإيرانية ومشكلات إعادة دمج السنة والخلافات بين الحكومة المركزية والأكراد في الشمال. واستمرارية هذا المشهد سيكون في صالح "داعش"، وليس بالضرورة أن يستعيد التنظيم الأراضي التي كان يسيطر عليها، ولكنه على أقل تقدير سيتمكن من خلق ملاذات آمنة له تضمن له البقاء لسنوات.

الكلمات المفتاحية: داعشسورياحرب العصابات

أضف تعليقك على هذا الموضوع:

التعليقات