التقديرات

ترتيبات مرتبكة:

سياسات موسكو وواشنطن في منطقة شرق الفرات

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأحد, 03 فبراير, 2019

ترتيبات مرتبكة:

لا تزال كافة الملفات الأمنية المتعلقة بمنطقة شرق الفرات في سوريا مرتبكة، لا سيما في ظل عدم وضوح الإجراءات الأمريكية الخاصة بتنفيذ قرار الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات من سوريا. إذ تحاول ميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، التي تفرض هيمنة أمنية على النسبة الأكبر من تلك المناطق، استئناف الدعم الأمريكي لها في مرحلة ما بعد هزيمة "داعش"، في مؤشر على فشل إبرام تفاهمات كردية– روسية، بسبب إصرار موسكو على تمكين النظام السوري من مناطق نفوذ الأكراد. وفى المقابل، لا يبدو أن لدى موسكو خطة عمل واضحة الملامح فى شرق الفرات، إذ لا تزال في مرحلة التعامل في إطار رد الفعل إزاء تطورات الموقف الأمريكي، حيث طالبت بأن تسرع واشنطن فى إنهاء وجودها في قاعدة "التنف" على الحدود مع العراق، بعد ظهور مؤشرات تكشف عن وجود رغبة أمريكية في الإبقاء المنفرد على القاعدة عقب رفض عرض روسي بتواجد مشترك فيها. 

إعادة هيكلة:  

بدأت واشنطن في التلميح إلى إمكانية تلبية مطلب الأكراد باستئناف الدعم لمواجهة التحديات، لا سيما في مرحلة ما بعد انتهاء العمليات العسكرية ضد "داعش" عقب إعلان القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي باتريك شاناهان عن بداية العد التنازلي لتلك العمليات التي وضع لها سقفًا زمنيًا قرابة أسبوعين. 

وقد بدا أن ثمة مؤشرات عديدة تعزز هذا الاحتمال، منها الزيارة التي قامت بها رئيسة الهيئة التنفيذية في "مجلس قوات سوريا الديمقراطية" إلهام أحمد إلى البيت الأبيض، في 30 يناير الجاري، حيث التقت الرئيس ترامب دون الإعلان عن التفاصيل باستثناء تبادل تأكيدات حول "ضمانات الحماية" فقط للأكراد، إذ أشاد ترامب بالدور الذي تقوم به ميليشيا "قسد"، فيما أشارت أحمد إلى وعود من جانب الأول بـ"عدم ترك الأكراد ليذبحهم أردوغان في سوريا"، في دلالة على أن واشنطن قد توجه دعمًا سياسيا للأكراد في المستقبل.

وربما دفع ذلك القيادية في "قسد" إلى تحليل الواقع الميداني ونمط العلاقة مع واشنطن أكثر من تقديم تصور مستقبلي حول ترتيبات الأمن في شرق الفرات التي تهمين عليها "قسد"، إذ قالت فى حوارها في صحيفة "واشنطن بوست"، في 30 يناير، أنها لا ترى أى دلائل على انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، مضيفة: "لم يحدث أى تغيير على الأرض، ولا يزال الوضع كما كان عليه قبل إعلان الرئيس الأمريكي عن سحب القوات. لا أرى تغيرًا في العلاقات بين واشنطن والأكراد".

وبحسب تقرير لمعهد دراسات الحرب الأمريكي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تحافظ على تواجدها شرق الفرات لكن بشكل مركزي من خلال قاعدة "التنف"، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن الولايات المتحدة أرسلت 600 جندي لتأمين الموقف الخاص بانسحاب القوات، في حين أن ما تم سحبهم من بعض القواعد في الشمال تم توجيههم إلى قاعدة "عين الأسد" في العراق، في مؤشر على أن الإدارة الأمريكية قد تسمح بالإبقاء على قواتها هناك لاحقًا، وهى القاعدة التي تشكل محطة الدعم المشترك بين واشنطن والأكراد في العمليات العسكرية، حيث تجرى المواجهة على أشدها في الجيب الأخير لمواجهة "داعش" الذي بات محاصرًا في آخر بضعة كيلومترات شرق الفرات. 

ولم تجد "قسد" بديلاً للولايات المتحدة في مرحلة ما بعد إعلان قرار الانسحاب، حيث اتجهت وفود من الميليشيا الكردية إلى موسكو وباريس في اليوم التالي مباشرة، لكن تلك التحركات لم تحقق، على ما يبدو، أية نتائج إيجابية. فوفقًا للرسائل السياسية الصادرة عن وزارة الخارجية الروسية، فإن موسكو يمكن أن تمارس دور الوسيط بين الأكراد والنظام وليس دور الحليف لـ"قسد". في حين لا يمكن أن يفرض أى دعم محتمل من جانب باريس تغييرات في توازنات القوى على الأرض.

أما بالنسبة لقاعدة "التنف"، فإنها ستتحول، في حالة بقائها، إلى رمز لاستراتيجية أمريكية أخرى عنوانها تحدي تطور الوجود الإيراني في سوريا بعد نهاية الحرب على "داعش"، بما يعني إعادة هيكلة وظيفة القاعدة في إطار عملية "ضبط الحدود". في حين تبحث واشنطن في الشمال عن حليف يمكن أن يصبح بديلاً لتأمين الواقع الخاص بالأكراد، في مواجهة مساعي تركيا لفرض واقع أمني على الحدود المشتركة. 

تكتيكات مرحلية:

بالتوازي مع ذلك، لا يبدو أن لدى روسيا خطة متكاملة في شرق الفرات، وإنما تكتيكات تسعى عبرها إلى تمكين النظام وحلفائه من السيطرة على تلك المناطق على حساب النفوذ الكردي، بما يعني أنها تتحرك في إطار رد الفعل على التكتيكات الأمريكية المقابلة. وقد جددت وزارة الخارجية الروسية مطلب الانسحاب الأمريكي من "التنف". وكان من اللافت أيضًا في السياق ذاته حرص وزير الخارجية الروسي سيرجى لافروف على إبداء أهمية خاصة لملف الوجود الأمريكي في كل من العراق وسوريا خلال لقاءه نظيره العراقي محمد الحكيم، في 30 يناير الحالي، في تحول لافت لكنه ينسجم وتطورات الدور العراقي إزاء الانخراط في المشهد السوري مؤخرًا بدعوى المشاركة في الحرب على "داعش" التي تدخل محطتها الأخيرة. 

وفي رؤية اتجاهات عديدة، فإن هذه التحركات لا تنسجم مع معطيات المرحلة الحالية بقدر ما تتوافق مع التطلعات الإيرانية، بما يعني أن روسيا تسعى إلى أن تتحول العراق إلى حليف جديد لها، على نحو بدا جليًا في تلميح لافروف إلى إمكانية مساعدة العراق في مواجهة "داعش" الذي يسعى للعودة إلى الساحة العراقية مرة أخرى. 

بعد جديد: 

ربما تصبح روسيا الطرف المعني بشكل أكبر بترتيبات الأمن، لا سيما في العمق الذي تمثله شرق الفرات، وذلك خلال المرحلة التالية التي باتت وشيكة لإنهاء الحرب على "داعش". فيما سيتحول اهتمام الولايات المتحدة إلى الواقع الحدودي والمواجهة الخاصة مع إيران.

ويبقى أن هناك بعدًا غير منظور في تلك الترتيبات يتعلق بالجانبين السياسي والاقتصادي المرتبطين بمستقبل سوريا بشكل عام. إذ أن روسيا ستواجه، دون شك، تحديًا في المسارين، بينما تحاول الولايات المتحدة تخفيض مستوى التكلفة الشاملة "العسكرية– السياسية– الاقتصادية" التي يمكن أن تتحملها حيال هذا المستقبل.

وقد أشارت تقديرات عديدة إلى أن كلفة عمليات إعادة الإعمار وحدها تصل إلى 338 مليار دولار، على نحو لن يكون بمقدور الاقتصاد الروسي المحدود تحملها، بشكل يشير إلى أن التحديات التي تواجه موسكو في سوريا سوف تتزايد خلال المرحلة القادمة، وربما يرتبط بعضها بتحركات حلفائها على الأرض، لا سيما إيران، التي تحاول تكريس نفوذها داخل سوريا على المستويات المختلفة خلال المرحلة القادمة.

وفي النهاية، من المتصور أن الارتباك الجاري في ترتيبات الأوضاع الأمنية داخل سوريا في إطار مساحة التباين بين الولايات المتحدة وروسيا ليس مبعثه متغيرات استراتيجية فارقة، في ظل وضوح المواقف، فموسكو حسمت رغبتها في بقاء طويل الأمد في سوريا، في حين تعتبر الولايات المتحدة أن بقائها مقيد بحسابات أخرى لا تمثل سوريا فيها سوى أحد مربعات ترتيبات الأمن في الشرق الأوسط من وجهة نظر أمريكية. لكن التحدي الذي يواجهه كل طرف يكمن في العلاقة مع الحلفاء، لا سيما في ضوء المشروعات الخاصة بكل حليف والتي قد تصطدم بالاستراتيجية العام لكل منهما.