التقديرات

أنماط مختلفة:

كيف يعكس ضبط الحدود العراقية تفاعلات الإقليم؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 31 يناير, 2019

أنماط مختلفة:

عبرت عملية ضبط أو إدارة أو ملء فراغ الحدود العراقية مع دول الجوار الجغرافي، خلال الفترة الماضية، عن أنماط التفاعلات التي يشهدها إقليم الشرق الأوسط، من حيث استعادة عافية العلاقات الثنائية الإقليمية الفاترة، ومنع تسلل عناصر التنظيمات الإرهابية الخطرة وخاصة "داعش"، وتأمين الحقول النفطية والغازية، وحصار أنقرة مسلحي "حزب العمال الكردستاني"، ودعم المصالح الاقتصادية المشتركة، ومواجهة واشنطن للنفوذ الإيراني في سوريا.

ويمكن تناول هذه الأنماط المتنوعة من تفاعلات إقليم الشرق الأوسط التي يعكسها واقع الحدود العراقية، في النقاط التالية:

توثيق العلاقات:

1- استعادة عافية العلاقات الثنائية الفاترة: يعد ضبط الحدود المشتركة من جانب قوات حرس الحدود مدخلاً لاستعادة زخم العلاقات التي كان قد غلب عليها الفتور في بعض المراحل، على نحو ما تعكسه الحدود العراقية- السورية، في نهاية العام الماضي، بعد الهزائم التى منى بها تنظيم "داعش"، الذي اقترب من مواقع تابعة لميليشيا "قوات سورية الديمقراطية"، على نحو استلزم من ميليشيا "الحشد الشعبي" الإعلان عن التأهب على الحدود المشتركة. 

وفي هذا السياق، قال الناطق باسم مركز الإعلام الأمني في العراق العميد يحيى رسول في 1 نوفمبر 2018: "إن حدود العراق مع سوريا مُؤمَّنة بشكل كامل، والعدو الإرهابي يبعد نحو 5 كم داخل الأراضي السورية، وهناك تحصينات وجهد كبير"، وأوضح أنه "تم إدخال التكنولوجيا والكاميرات الحرارية والطائرات المسيرة إضافة إلى ضربات طيران الجيش والقوة الجوية"، مضيفًا: "إذا حاول العدو الاقتراب سيلقى الرد القوي من قبل قطاعاتنا".

وتشير اتجاهات عديدة إلى أن العراق ربما تقوم بدور كبير في الملف السوري خلال تفاعلات عام 2019، لا سيما في ظل عودة العلاقات بين سوريا وبعض الدول، وهو ما انعكس في مؤشرات مختلفة كان أهمها قيام بعض المسئولين وقادة الميليشيات العراقية بزيارات إلى دمشق في ديسمبر الماضي.

فلول "داعش": 

2- مواجهة جيوب التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود: وتحديدًا "داعش" الذي تراجعت سيطرته في بداية عام 2019 مقارنة بما كان قائمًا في عام 2014، على نحو يفرض التعاون بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقوات المسلحة النظامية في كل من العراق وسوريا، فضلاً عن ميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" وعمودها الفقري "وحدات حماية الشعب الكردية".

ويتزامن مع ذلك حصار "قوات سورية الديمقراطية"، في الآونة الأخيرة، لعناصر تنظيم "داعش" في آخر جيوبه في شرق الفرات، وهى منطقة تبلغ مساحتها 4 كيلومتر قرب الحدود العراقية، حيث تستعد للتقدم ضده، وفقًا لما ذكره قائد عمليات "قسد" في منطقة هجين هفال روني في 28 يناير 2019.

وقد سبق أن طالب رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي، في 29 أكتوبر الماضي، بتأمين الحدود بشكل كامل مع سوريا، لأن "ساحة الإرهاب مع سوريا مشتركة بالنسبة للعدو"، وهو ما يتطلب استمرار الجهود والحيطة والحذر بتتبع الخلايا الإرهابية. كما قال، في 31 ديسمبر الفائت، أنه "في حال انسحاب قوات الولايات المتحدة الأمريكية من سوريا، فإن العراق على استعداد كامل للتعاون مع القوات الأمنية الأخرى المرتبطة بالملف السوري". 

وقد قصفت القوات البرية والجوية العراقية، بين الحين والآخر، مقرات تمركز تنظيم "داعش" في سوريا، على نحو ما ينشر في وسائل الإعلام بشكل علني فضلاً عما توثقه مقاطع الفيديو. ولعل ذلك يفسر السياسة الجديدة التي تتبناها العراق تجاه سوريا، بعد استقبال الرئيس العراقي برهم صالح مبعوث الرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف في نوفمبر 2018. كما أن الملف السوري وتأمين الحدود بين العراق وتركيا كان أحد الملفات التي تمت مناقشتها بين صالح والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 3 يناير الجاري.

تدخلات أنقرة: 

3- حصار أنقرة مسلحي "حزب العمال الكردستاني": ترى الحكومة التركية أن ثمة خطرًا يشكله "حزب العمال الكردستاني" على الأمن القومي التركي انطلاقًا من الأراضي العراقية، حيث تصنف هذا الحزب باعتباره "منظمة إرهابية"، وهو ما يتطلب، وفقًا لمسئوليها، مواجهة عناصره وإفشال جميع محاولات التحريض التي يقوم بها هذا التنظيم. وتزعم الحكومة في هذا الإطار أن ذلك يستند إلى حق الدفاع الشرعي عن النفس الذي يكفله القانون الدولي والمادة "51" من ميثاق الأمم المتحدة، على الرغم من أن التحركات التركية تعد تدخلاً في الشئون الداخلية للدول الأخرى.  

ويعكس ذلك التوجه تصريح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، في 27 يناير 2019، خلال تفقده القوات التركية على الحدود الجنوبية بين تركيا والعراق وسوريا، والذي قال فيه أن "القوات التركية مستمرة في عملياتها ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني، بعد أن قام بالتحريض على اقتحام معسكر القوات التركية في شيلادزي بمحافظة دهوك في كردستان" في اليوم السابق على التاريخ المذكور، وأضاف: "إن الجنود الأتراك أفشلوا الاستفزازات في شمال العراق، وسنواصل عملياتنا لتطهير شمال العراق من دون توقف". 

وقد جاءت هذه التصريحات عقب استدعاء وزارة الخارجية العراقية السفير التركي في بغداد فاتح يلديز وتسليمه مذكرة احتجاج على قتل القوات التركية في معسكر شيلادزي أحد المحتجين الذين اقتحموا المعسكر، وهو ما رد عليه يلديز بأن "اتخاذ الخطوات اللازمة ضد خطر حزب العمال الكردستاني ضرورة بالنسبة لأمن العراق وشعبه، وليس من أجل تركيا فحسب، على نحو يستلزم تعزيز التنسيق والتعاون بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب".

فتح المعابر:

4- دعم المصالح الاقتصادية المشتركة: وهو ما تعبر عنه الحدود العراقية- الأردنية، حيث اتفقت بغداد وعمان، عقب زيارة رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز إلى العراق، على فتح المعابر الحدودية (الكرامة- طريبيل) أمام حركة النقل لبدء تسيير الرحلات للبضائع سريعة التلف في 2 فبراير 2019 على أن تشمل كافة أنواع السلع بعد ذلك، ومنح التسهيلات للبضائع المستوردة عن طريق العقبة التي مقصدها النهائي العراق خصمًا مقداره 75% من الرسوم التي تتقاضاها سلطة العقبة الاقتصادية. 

كما اتفق الجانبان على "تخصيص الأراضي المتفق عليها على الحدود العراقية- الأردنية ليصل بعمق 2 كم على طرفى الحدود وبطول 6 كم للشركة الأردنية- العراقية ومنحها الإعفاءات اللازمة والانتهاء من إعلان طلب استدراج العروض لإعداد المواصفات الفنية للمنطقة الصناعية الأردنية- العراقية بتاريخ أقصاه 2 فبراير 2019 وذلك تمهيدًا لقيام الشركة بعرض المنطقة الصناعية على القطاع الخاص للتشغيل والإدارة". 

محاصرة طهران:

5- الحد من النفوذ الإيراني في سوريا: رغم تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 20 ديسمبر الماضي، بسحب جميع القوات الأمريكية من سوريا، تدرس الإدارة الأمريكية خطة لإبقاء بعض جنودها في قاعدة عسكرية تابعة لها (وهى قاعدة التنف الواقعة على الحدود مع العراق والأردن)، لمواجهة النفوذ الإيراني. وتجدر الإشارة إلى أن هذه القاعدة تعد عنصرًا حاسمًا في الجهود الرامية إلى منع إيران من إنشاء خط اتصال بري يمتد من أراضيها ويمر عبر العراق وسوريا إلى جنوب لبنان لدعم حزب الله.

نماذج كاشفة:

خلاصة القول، إن حال الحدود العراقية المشتركة مع دول الجوار الجغرافي يمثل نموذجًا كاشفًا لحال الإقليم، سواء من حيث الأوضاع الداخلية أو التفاعلات البينية، والتي سوف تستمر ملامحها، على الأرجح، خلال عام 2019، بما يؤدي إلى تعزيز علاقات العراق العربية، وتأسيس شبكة من المصالح الاقتصادية الناتجة عن فتح المعابر الحدودية، والتصدي لتهديدات تنظيم "داعش"، ودعم جهود بعض القوى لحصار نفوذ طهران في بؤر الصراعات بالإقليم.