التحليلات - التحولات الاقتصادية

متلازمة الصين:

هل حان الوقت لتغيير نموذج "الإنتاج الرخيص" في بكين؟

علي صلاح

الأربعاء, 16 يناير, 2019

متلازمة الصين:

يظهر الإطار التاريخي أن متوسط معدل النمو الاقتصادي للصين بلغ 9.5% سنويًّا على مدار العقود الأربعة الأخيرة، وهو معدل نمو استثنائي بكل المقاييس، ساعد على ارتفاع حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين بمقدار 44 ضعفًا خلال أربعين عامًا. ولم يكن النمو السريع والمتواصل السمة الوحيدة لأداء الاقتصاد الصيني خلال تلك العقود، لكنه انطوى على خصائص أخرى ميّزته عن باقي الاقتصادات حول العالم، بما في ذلك الاقتصادات الصاعدة مثله.

لكنّ وصول الاقتصاد الصيني إلى حجمه وطبيعته الحالية، وضعه على مفترق طرق، وجعله موضعًا للتقييم الدقيق، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة التي شهدت ظهور بوادر مرض جديد يعاني منه هذا الاقتصاد، الذي بدأ استشعار حالة من الإعياء تخصه هو بمفرده دون غيره أيضًا، أو بمعنى آخر متلازمة خاصة به، يمكن تسميتها "متلازمة الصين". ووسط هذه المعطيات تبرز تساؤلات عديدة حول مستقبل اقتصاد الصين، وما إذا كان سيتمكن من مواصلة طريقه نحو التوسع والنمو بنفس المعدلات السابقة، أم سيواجه عقبات تمنعه من ذلك؟. وتعد الإجابة على هذه التساؤلات، والتطرق إلى ملامح تلك المتلازمة، موضع تركيز هذا التحليل.

أربعة عقود من الطفرة:

كانت فترة العقود الأربعة الأخيرة هي التي حقق فيها الاقتصاد الصيني إنجازه الحقيقي وطفرته الجوهرية، فاستطاع خلالها المحافظة على معدل نمو بلغ متوسطه 9.5% سنويًّا. وقفز نموه في بعض السنوات إلى مستويات تفوق الـ15%، ولم ينخفض عن مستوى 4% في أي عام طوال تلك الفترة (انظر الشكل رقم 1). وبرغم ذلك، قد لا يكون من الإنصاف تجاهل التطور الذي عاشه الاقتصاد الصيني خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، فقد بلغ متوسط معدل نموه خلال الفترة 1961-1979 نحو 5.5% سنويًّا، وهو معدل جيد من دون أدنى شك. لكن ما لا يمكن تجاهله أيضًا أن أداء هذا الاقتصاد لم يكن مستقرًّا خلال تلك الفترة، فبينما بلغ معدل نموه 19.3% في بعض السنوات، إلا أنه واجه انكماشًا عميقًا وصل معدله إلى 27.5% في سنوات أخرى. بما يعني أن أداءه كان متأرجحًا بين النمو والانكماش ضمن هامش يبلغ 46.8 نقطة مئوية، وقد أضفى اتساع هذا الهامش -على ذلك النحو- سمة الاضطراب الشديد على الصورة العامة لأداء الاقتصاد الصيني خلال تلك الفترة.

ويعني ذلك أن أداء الاقتصاد الصيني خلال الفترة 1980-2018 كان أفضل كثيرًا من سابقتها، إذ إنه استطاع خلالها المحافظة على نمو مرتفع في معظم السنوات، كما أنه لم يشهد أي انكماش في أي سنة من السنوات. وساعده ذلك على زيادة ناتجه المحلي الإجمالي من 305 مليارات دولار عام 1980، إلى 13.5 تريليون دولار عام 2018، ليرفع نصيبه من 2.7% إلى 16% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وقد حدث ذلك في الوقت الذي تراجع فيه نصيب الاقتصاد الأمريكي من الناتج العالمي من 25.7% إلى 24.2% خلال الفترة نفسها، مع الأخذ في الاعتبار أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي ارتفع من 11.1 تريليون دولار في بداية الفترة، إلى 84.5 تريليون دولار في نهايتها.

ويُشير فارق الأداء الكبير بين الاقتصادين الصيني والأمريكي إلى أن الأول امتلك قدرة على النمو لم تتوافر للثاني، برغم أنهما كانا يعاصران نفس الظروف الاقتصادية العالمية، ما يعني أنه كان لكل منهما خصوصيته وظروفه المحلية. وتعود هذه الخصوصية إلى أن الاقتصادين ينتميان إلى تصنيفين مختلفين من حيث مستوى التقدم، فالاقتصاد الصيني ظل وما يزال حتى الآن يصنف كاقتصادٍ صاعدٍ، في حين أن الاقتصاد الأمريكي هو اقتصاد متقدم. وبرغم أن ذلك قد يُرى على أنه نقطة ضعف في غير صالح الاقتصاد الصيني، لكن وبما أن الاقتصاد النامي أو الصاعد هو اقتصاد لم يستنفد بعد إمكانات وفرص نموه وتوسعه، فقد كان ذلك هو العامل المحوري في تمكين الاقتصاد الصيني -بدوره- من تحقيق القفزات الكبيرة في معدلات النمو، وبالشكل الذي أهّله إلى تعزيز وزنه النسبي في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، والصعود إلى المرتبة الثانية عالميًّا في هذا المؤشر، متفوقاً على الاقتصاد الياباني، ومضيقًا الفارق بشكل تدريجي مع نظيره الأمريكي الذي يحتل المرتبة الأولى. 

وتمتلك الصين جانبًا آخر من الخصوصية، تتعلق بالحجم الكبير لسكانها، فهي صاحبة المرتبة الأولى عالميًّا من حيث عدد السكان، الذي بلغ 1.4 مليار نسمة في نهاية عام 2018. وبجانب ذلك، يزيد عدد سكانها بمعدل يبلغ نحو 11 مليون نسمة سنويًّا، وهو ما تسبب في إضافة نحو 433 مليون نسمة جدد لعدد سكانها خلال الفترة 1980-2018، وهذه الزيادة في قيمتها المطلقة تقل قليلًا عن مجموع سكان الولايات المتحدة (331 مليون نسمة) واليابان (127 مليون نسمة) حاليًّا. وبطبيعة الحال وفّر عدد السكان الضخم وزيادته بمعدل كبير فرصًا أوسع للنمو أمام الاقتصاد الصيني، لا سيما في قطاعات الصناعات الاستهلاكية، وأنشطة التطوير العقاري والبنية التحتية، وغيرها طوال العقود الماضية.

 

التصدير الرخيص كنموذج للتنمية:

استطاع الاقتصاد الصيني تحقيق الكثير من المكاسب خلال العقود الماضية، وكان ذلك عبر توظيفه للخصائص سابقة الذكر بالشكل السليم، من خلال تبنيه نموذج تنموي يعتمد على "التوجه نحو التصدير". وما زاد من فاعلية هذا النموذج هو أن الصين طعّمته بعامل آخر، وهو اعتمادها على التوسع في إنتاج السلع رخيصة الثمن. بعبارة أخرى، استطاعت الصين خلال العقود الماضية أن تبتكر نموذجًا تنمويًّا جديدًا بنته على أرضية نموذج "التوجه نحو التصدير" الثابت في الفكر الاقتصادي، وعززته بعامل محلي يُمكن تسميته بـ"ثورة الإنتاج الرخيص". وهذا الأمر أمدّ قطاع التصدير الصيني بفيض من السلع والمنتجات متدنية الأسعار مقارنة بالمنتجات المنافسة، فلاقت السلع الصينية قبولًا في الأسواق العالمية، ونجحت في توسيع حصصها السوقية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أسواق الدول المتقدمة والنامية على حدٍّ سواء.

وبذلك، تمكنت الصين من توسيع هوامش النمو والتوسع أمام اقتصادها، عبر دفعه للتمدد في الفضاءات الخارجية، عبر إغداق السلع والمنتجات الرخيصة على الأسواق العالمية، وكان ذلك بمثابة الوقود الذي ساعد جذوة الاقتصاد الصيني على البقاء مشتعلة ونشطة طوال السنوات الماضية. ولكن إلى متى يمكن أن يستمر ذلك؟

هذا سؤال جوهري، سيتم الرد عليه خلال السطور التالية، فخلال السنوات الثماني الأخيرة، شهد الاقتصاد الصيني تباطؤًا متواصلًا، فبعد أن بلغ نموه 10.6% في عام 2010، فإنه تراجع إلى 9.5% عام 2011. وأخذ في التراجع إلى أن بلغ 6.9% عام 2017، ووصل إلى 6.6% عام 2018، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1991. وهو ما يزيد من قتامة وضبابية المشهد المحيط بذلك الاقتصاد. وقد لا تكون هذه هي مرحلة التباطؤ الوحيدة التي شهدها الاقتصاد الصيني خلال العقود الأربعة الماضية، لكنها هي الأطول، إذ إنها تمتد -حتى الآن- لثماني سنوات، مع العلم بأن أطول فترة تباطؤ شهدها قبل ذلك استمرت لمدة 6 سنوات فقط، وكانت بين عامي 1993 و1999. كما أن الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008، لم تتسبب -في أوجها- في تباطؤه لأكثر من عامين، هما 2008 و2009، وسرعان ما عاد إلى النمو بمعدل أكبر في عام 2010. فهل يكون هذا المنحى المتراجع في الأداء مؤشرًا على أن الاقتصاد الصيني قد بدأ في فقدان العوامل المحفزة لنموه، وأن نموذجه التنموي لم يعد بنفس الكفاءة السابقة؟ 

هذه التساؤلات تبدو منطقية كثيرًا الآن، بل إن هناك معطيات تشي بأنه يمكن الإجابة على هذه التساؤلات بـ"نعم". ويبدو ذلك جليًّا من خلال عدة مؤشرات سلبية بدت على الاقتصاد الصيني خلال السنوات الأخيرة، أولها يرتبط بالعامل الذي ساعد الاقتصاد الصيني على تحقيق طفرته خلال العقود الماضية، ألا وهو "تراجع قدرة الصين على التصدير". فبرغم أن الصادرات السلعية الصينية ارتفعت من 18.1 مليار دولار عام 1980، إلى 2.4 تريليون دولار عام 2018، وأصبحت 132 ضعفًا عن مستواها قبل أربعة عقود؛ فمن الملاحظ أن معدل النمو السنوي لهذه الصادرات تراجع كثيرًا خلال السنوات الأخيرة. فبينما بلغ متوسط نموها السنوي 14.9% خلال الفترة 1980-1989، ونحو 14.4% خلال الفترة 1990-1999، ووصل إلى 21% سنويًّا خلال الفترة 2000-2009؛ إلا أنه تراجع إلى 8.5% سنويًّا خلال الفترة 2010-2018 (انظر الشكل رقم 2).

وكان تراجع الصادرات السلعية الصينية أكثر وضوحًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة -على وجه التحديد- ببلوغه 2.1% فقط. وبينما كان ذلك في طور الحدوث، فقد تَوَاصَلَ نمو الواردات السلعية الصينية بمعدل سنوي 7.2% خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وقد تسبب ذلك في تراجع فائض الميزان التجاري الصيني بشكل كبير، فانخفض من 594 مليار دولار عام 2015، إلى 354 مليار دولار في عام 2018، بإجمالي تراجع بلغ 40.4% خلال ثلاث سنوات فقط. وقد تكون هذه مقدمة لظهور مشكلات جديدة لم يعشها الاقتصاد الصيني منذ فترة طويلة، حيث قد يتحول الميزان التجاري الصيني إلى العجز خلال سنوات معدودة في حال استمر اتجاه تطور كل من الصادرات والواردات على حاله.


وهناك مؤشر آخر هام يُظهر مدى التراجع في قدرة نموذج التنمية الصيني، هو أن الموازنة العامة الصينية لم تُحقق فائضًا منذ عام 2008، ويشهد عجزها سنويًّا زيادة مستمرة منذ عام 2011. وأدى ذلك إلى ارتفاع العجز من 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى 4.1% من الناتج حاليًّا. كما أنه تسبب في ارتفاع الدين الحكومي للصين إلى 50.1% من الناتج في الوقت الرهن، ليقترب شيئًا فشيئًا من مستوى الـ60%، وذلك كما هو موضح في الشكل رقم (3)، وهو المستوى الفاصل بين الاستقرار وعدم الاستقرار المالي، كما هو متعارف عليه ومعمول به لدى المنظمة الاقتصادية الدولية. 

ويُنذر تراجع أوضاع المالية العامة الصينية بفقدان الحكومة الصينية القدرة على المضي قدمًا في خططها الاستثمارية التوسعية (محليًّا وعالميًّا)، بما يولّد المزيد من الضغوط على اقتصادها لاحقًا، ليشهد المزيد من التراجع في الأداء، أكثر مما هو عليه الآن.