التقديرات

تصعيد محتمل:

لماذا يركز "داعش" على استهداف الأكراد؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 10 يناير, 2019

تصعيد محتمل:

اتجه تنظيم "داعش"، خلال الفترة الأخيرة، إلى تصعيد هجماته ضد الميليشيات الكردية في شمال سوريا، لا سيما "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والتي كان آخرها الهجمات التي شنها في 6 يناير 2019، وأدت إلى مقتل 23 عنصرًا من الميليشيا الكردية، وهو ما لا يمكن فصله عن التطورات الأخيرة التي طرأت على الساحة السورية، خاصة فيما يتعلق بتحركات العديد من الأطراف المعنية بها للتعامل مع المعطيات الجديدة التي فرضها إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا، وتزايد التهديدات التركية بالتدخل عسكريًا في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الكردية.

هجمات متواصلة:

لم تكن هذه الهجمات هى الأولى من نوعها، حيث سبقتها مجموعة عمليات نفذها عناصر التنظيم على مدار الشهور الأخيرة، تنوعت ما بين هجمات انتحارية وضربات عسكرية تقليدية. وقد كان لافتًا في هذا السياق، أن التنظيم حاول استنزاف قدرات الميليشيات الكردية، التي سعت بدورها خلال الفترة الماضية إلى تحقيق مكاسب عديدة من مشاركتها في الحرب ضده، لا ترتبط فقط بمواصلة الحصول على دعم عسكري من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والذي بات محل تكهنات عديدة بعد الخطوة الأمريكية الأخيرة، وإنما تمتد أيضًا إلى تكريس سيطرتها على المناطق التي تتواجد فيها.

ومن دون شك، فإن ذلك لا يعني أن التنظيم لم يكن يستهدف الأكراد خلال الفترة التي تعرض فيها لعمليات عسكرية شنتها أطراف عديدة وفقد بسببها سيطرته على تلك المناطق، وإنما يعني أنه حرص على تصعيد مستوى استهدافها، سواء لتعزيز فرص عودته من جديد إلى تلك المناطق، أو لوضع مزيد من العقبات التي يمكن أن تخصم، في رؤية قادته، من قدرتها على استغلال التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة التي شهدها الصراع في سوريا.

اعتبارات مختلفة:

يمكن تفسير حرص "داعش" على تصعيد هجماته ضد الميليشيات الكردية في ضوء اعتبارات عديدة تتمثل في:

1- حماية مواقع التنظيم: يسعى "داعش" عبر تلك العمليات إلى منع الميليشيات الكردية من السيطرة على المواقع التي ما زال يتواجد بها وتمثل مأوى للخلايا التابعة له والتي انتقلت من مناطق أخرى إليها لتجنب الضربات العسكرية التي تعرضت لها. وقد أشارت تقارير عديدة إلى أن هذه الخلايا لم تعد "نائمة"، خاصة بعد أن بدأت في تنفيذ عمليات إرهابية جديدة، كان لافتًا أنها ركزت على اغتيال بعض الشخصيات في مدينتى الرقة ودير الزور، على غرار قائد الشرطة العسكرية الموالي لميليشيا "قسد" في ريف دير الزور الشرقي، وزعيم عشيرة العفادلة التي تعد أكبر العشائر في الرقة.

2- تناقض الأهداف: يرى التنظيم أن الميليشيات الكردية تتبنى أهدافًا عرقية تسعى من خلالها إلى تأسيس دولة كردية تجمع كل القوميات الكردية الموجودة في سوريا ودول الجوار، على نحو يتنافى، حسب رؤيته، مع توجهاته التي ترفض النزعة العرقية أو الاعتراف بالحدود القائمة بين الدول، باعتبار أن الأهداف التي يحاول تحقيقها تتجاوز بشكل عام مطالب العرقيات وما تفرضه الحدود من معطيات على الأرض. ومن هنا، يمكن تفسير حرص التنظيم على شن حملة انتقادات متواصلة ضد الأكراد بشكل عام، وميليشياتهم المسلحة على سبيل الخصوص، في وسائل الإعلام التابعة له.

3- ضربات مضادة: يحاول "داعش" عبر تلك الهجمات الرد على مشاركة الميليشيات الكردية في العمليات العسكرية التي شنتها القوى المعنية بالحرب ضده، لا سيما التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث مارست تلك الميليشيات دورًا رئيسيًا في السيطرة على المناطق التي تواجد بها خلال الأعوام الماضية، بعد الضربات الجوية التي شنها التحالف ضد مواقعه وقياداته وأسفرت عن فقدانه قسمًا كبيرًا من قدراته العسكرية والبشرية.

واللافت في هذا السياق، هو أن الأكراد يحاولون استغلال هذا الدور ليس فقط للحصول على مكاسب سياسية خلال المرحلة القادمة، لا سيما بالتوازي مع تواصل الجهود التي تبذلها قوى عديدة لتدشين عملية سياسية جديدة في سوريا، وإنما أيضًا لمنع تركيا من تنفيذ تهديداتها بالتدخل عسكريًا في المناطق التي تسيطر عليها، حيث ردت الميليشيات الكردية على ذلك بالتهديد بوقف القتال ضد "داعش" وإطلاق سراح الآلاف من عناصر التنظيم مع عوائلهم وأطفالهم ممن كانوا في سجون ومخيمات تابعة لها.

وحسب تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن عدد مقاتلي "داعش" في سجون ومخيمات ميليشيا "قسد" يصل إلى 1100 عنصر من 31 جنسية مختلفة غير سوريا، فيما يبلغ عدد النساء والأطفال نحو 2080 شخصًا من 44 جنسية مختلفة غير سوريا.

4- تعزيز التماسك: لا يمكن فصل تصعيد حدة الهجمات التي يشنها "داعش" ضد الميليشيات الكردية عن محاولته تعزيز تماسكه الداخلي، خاصة بعد انشقاق العديد من كوادره وعناصره وانضمامهم إلى تنظيمات إرهابية أخرى، بسبب الهزائم العسكرية التي منى بها، وتراجع قدرته على توسيع نطاق سيطرته في سوريا والعراق. ومن هنا، حاول التنيظم الترويج إلى أنه يسعى عبر تلك العمليات الإرهابية التي يشنها ضد الميليشيات الكردية إلى توجيه رسائل بأنه لن يتغاضى عن تنفيذ ضربات مضادة للأطراف التي انخرطت في المعارك العسكرية ضده في الفترة الماضية.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن هذا التصعيد سوف يستمر، في الغالب، خلال المرحلة القادمة، لا سيما في ظل استمرار محاولات التنظيم العودة من جديد إلى المناطق التي سبق أن سيطر عليها، ومساعي الميليشيات الكردية لتكريس مكاسبها السياسية التي حصلت عليها بعد انخراطها في الحرب ضده، وحرص كل الأطراف على التحرك من أجل ملء الفراغ الذي يتوقع أن ينتج عن الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا.