التقديرات

آليات مختلفة:

كيف ستوظف تركيا حضورها الاقتصادي في شمال سوريا؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأحد, 30 ديسمبر, 2018

آليات مختلفة:

عززت تركيا في الآونة الأخيرة من حضورها الاقتصادي في بعض مدن شمال سوريا، مثل الباب وجرابلس وأعزاز وغيرها، والتي تسيطر عليها المعارضة السورية الآن بدعم من التدخل العسكري المباشر للجيش التركي في هذه المناطق عبر عمليتين عسكريتين في الفترة من عام 2016 وحتى عام 2018 تحت اسم "درع الفرات" و"غصن الزيتون". وقد عملت تركيا على إعادة تأهيل الخدمات الأساسية من الكهرباء التعليم والصحة بهذه المدن بالتعاون مع الشركات التركية الخاصة، فضلاً عن تعزيز صادراتها من مختلف البضائع لهذه المدن. وفيما يبدو، فإن تركيا تحاول من خلال هذا الحضور تحقيق أهداف عديدة ترتبط برؤيتها لمسارات الصراع السوري وموقعها منها خلال المرحلة القادمة.

تدخل مستمر:

قدمت تركيا، وفقًا لاتجاهات عديدة، دعمًا للأطراف المناوئة للنظام السوري، منذ اندلاع الصراع في عام 2011، وذلك لاعتبارات مختلفة لا تقتصر بطبيعة الحال على رفضها لسياسات النظام في التعامل مع الصراع، وهو ما انعكس في قيامها بالتدخل العسكري المباشر في سوريا عبر عمليتين عسكريتين، حتى الآن، هما عملية "درع الفرات" في أغسطس 2016، وعملية "غصن الزيتون" في يناير 2018.

وفيما يبدو، فإن تركيا ترى أن تدخلها العسكري في سوريا ضروري لتحجيم الميليشيات الكردية على غرار "وحدات حماية الشعب الكردية" و"قوات سوريا الديمقراطية" المتمركزة في شمال سوريا، والتي تعتبرها امتدادًا لـ"حزب العمال الكردستاني".

وقد فرض التدخل العسكري المباشر من جانب تركيا في سوريا تداعيات عديدة، سوف تتعرض لاختبارات مختلفة في مرحلة ما بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 19 ديسمبر الجاري، عن الانسحاب العسكري من شمال، ولا سيما في المناطق التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديمقراطية" شرقى نهر الفرات.

إجراءات متعددة:

تكشف مؤشرات مختلفة عن تزايد الحضور الاقتصادي التركي في مناطق الشمال السوري، يمكن تناولها على النحو التالي:

1- تقديم خدمات أساسية: اتجهت تركيا، بعد سيطرة الميليشيات العسكرية الموالية لها على بعض مدن حلب وريفها، إلى إعادة تأهيل البنية التحتية لهذه المناطق وتوفير الخدمات الأساسية من المياه والكهرباء والصحة والتعليم، وأعادت الشركات التركية تغذية مدن مثل أعزاز والباب وجرابلس بالكهرباء وأنشأت فيها مراكز صحية ومستشفيات.

وكان لافتًا أنها حرصت على تأسيس ممرات برية بين هذه المدن والولايات التركية الحدودية القريبة منها. كما ربطت هذه المدن بخدمات الاتصالات التركية، حيث أنشأت شركة "تورك تيليكوم" للاتصالات أبراج اتصالات في مدن الباب وأعزاز وجرابلس للاتصال بالشبكة التركية، إلى جانب تأسيس فروع لمؤسسة "بريد تركيا" بها.

2- دور أكبر للشركات التركية: شاركت العديد من الشركات التركية في تنفيذ مشروعات إعادة تأهيل البنى التحتية بمدن شمال سوريا وذلك بناءً على إبرام صفقات تعاقدية مع المجالس المحلية لهذه المدن، كان من أبرزها مشروع توفير 30 ميجاوات من الكهرباء بمدينة أعزاز نفذته شركة "إي تي إنيرجي" التركية للكهرباء، ومشروع إنشاء مجمعات سكنية في مدينة قباسين نفذته شركة "جوك تورك" للإنشاءات، وبناء مصنع للأسمنت في مدينة الباب بالتعاون مع شركة "يورو بيتون".

وفي محاولة أخرى لتعزيز دور القطاع الخاص التركي في شمال سوريا، افتتحت منظمة "موصياد" التركية (رجال الأعمال والصناعيين المستقلين التجارية التركية) مكتبًا لها في أعزاز في نوفمبر الماضي، ربما يمارس دور همزة الوصل بين القطاع الخاص التركي والمجالس المحلية لدعم مشاركة الأول في مزيد من مشروعات إعادة تأهيل البنى التحتية في الفترة المقبلة.

3- تنامي الصادرات التركية: أصدرت وزارة الاقتصاد السورية قرارًا في عام 2015 يقضي بحظر المنتجات ذات المنشأ التركي، أو تحتوي على مكون تركي، إلا أن ذلك لم يحل دون وصول البضائع التركية إلى السوق السورية، سواء في المناطق الخاضعة للنظام أو المعارضة. ووفقًا لجمعية حماية المستهلك السورية، فإن نحو 20% من المواد الغذائية في السواق السورية ذات منشأ تركي كما أن 30% من الملابس مستوردة من تركيا.

ويمكن تفسير ذلك بأن السلع التركية لازالت تمثل أحد الخيارات السهلة لتوفير احتياجات السوق السورية من مختلف البضائع في ظل صعوبات الاستيراد من دول أخرى حول العالم. وبالطبع، فإن تنامي النفوذ التركي في شمال سوريا سوف يعزز من موقع السلع التركية في هذه المناطق، وهو ما تشير إليه اتجاهات عديدة ترى أن مدن مثل أعزاز والباب وجرابلس وتل أبيض ومنبج وريف حلب، باتت وجهة السلع التركية بشكل أساسي.

أهداف مستقبلية:

تعمل تركيا على تعزيز حضورها الاقتصادي في شمال سوريا لتحقيق أهداف عديدة: ينصرف أولها، إلى كسب ثقة وولاء المجتمعات المحلية في هذه المدن بما يعمل على تثبيت نفوذها العسكري والاستراتيجي في هذه المناطق. ويتصل ثانيها، بتوفير الحد الأدنى من وسائل المعيشة اللازمة لتمكين عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى هذه المناطق.

وطبقًا لتقديرات وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، فقد بلغ عدد السوريين الذين عادوا إلى سوريا من تركيا عقب عمليتى "درع الفرات" و"غصن الزيتون" نحو 291.7 ألف لاجئ. ورغم ما قد ينطوي عليه هذا التقدير من مبالغة نوعًا ما، إلا أن ذلك لا ينفي أن إعادة اللاجئين السوريين تمثل أولوية لتركيا حاليًا من أجل تخفيف الأعباء الاقتصادية لاستضافتهم.

ويتمثل ثالثها، في أن تركيا تسعى من خلال تعزيز الصلات مع المجتمعات المحلية ومجالس المدن إلى توسيع نطاق استثماراتها هناك ودعم مشاركة الشركات التركية في مشاريع إعادة الإعمار في المستقبل، وبما يحقق لها مكاسب تجارية كبيرة، فضلاً عن زيادة حصة الصادرات التركية بالسوق السورية.

ويرتبط رابعها، بترسيخ الوجود التركي في سوريا على المدى الطويل، حيث ترى أنقرة أن تقديمها للخدمات الأساسية ووجود شركاتها هناك سيزيد من قدرتها على المشاركة في إدارة شئون هذه المناطق بحكم الأمر الواقع، بما يسمح لها بتحقيق مكاسب سياسية وجيواستراتيجية مستقبلية.

وفيما يبدو، فإن إطالة أمد الصراع في سوريا بالتزامن مع بدء الانسحاب الأمريكي من الشمال سوف يمنح تركيا مساحة أوسع لتعزيز نفوذها العسكري والاقتصادي في سوريا في الفترة المقبلة، على نحو سوف يفرض تداعيات سلبية عديدة على فرص الوصول إلى تسوية للأزمة السورية.