التقديرات

مداخل متنوعة:

كيف يعكس الدين تفاعلات الشرق الأوسط خلال عام 2018؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 12 ديسمبر, 2018

مداخل متنوعة:

تصاعدت محورية العامل الديني في التفاعلات الداخلية والعلاقات البينية، لدول الشرق الأوسط، خلال عام 2018، وهو ما عكس عدة دلالات رئيسية تتمثل في تنظيم مؤتمرات تجديد الفتوى لتجفيف منابع الإرهاب، وانتشار الاستقطابات السياسية، وتجاوز الأزمات الداخلية باستدعاء خطاب المؤامرة الخارجية، والمساومة على الملفات الخلافية، وتوحيد الجهود الدولية لتعزيز رسالة السلام، ومحورية دور رجال الدين في تعزيز قيم التعايش.

وعلى الرغم من أن هناك اتجاهًا في الأدبيات يشير إلى الانحسار السياسي للدين في تفاعلات الشرق الأوسط، على اعتبار أن المصالح الاستراتيجية هى المحدد الحاكم للتفاعلات الإقليمية بما يتجاوز الانقسامات الدينية أو الطائفية، إلا أن هناك اتجاهًا آخر يرى استمرارية لهذا الدور، مستندًا إلى نماذج دالة لمحورية دور الدين في تفاعلات الإقليم، داخليًا وخارجيًا خلال عام 2018، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

ضبط الفتوى:

1- تنظيم مؤتمرات "تجديد الفتوى" لتجفيف منابع الإرهاب: تتزايد تهديدات التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، التي تدعمها جماعات تبنت أفكارًا مغلوطة، تغولت على التراث دون امتلاك وإحكام لمفاتيح العلوم، وقواعد الفهم الصحيح والمنهج السديد، على نحو يتطلب التكاتف لمحاربة الإرهاب وتجفيف منابعه ومواجهته بكل الوسائل.

وفي هذا السياق، أكد علماء ومفتون من 73 دولة في فعاليات المؤتمر الرابع للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، الذي نظمته دار الإفتاء المصرية تحت عنوان "التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق" في منتصف أكتوبر الماضي، أن "التجديد في الفتوى أمر حتمي لا مناص منه، وأن مراعاة مقتضيات الزمان والأحكام ضرورى في الفتوى، مع التفريق الواضح والمهم بين الثابت والمتغير".

وخلصت المناقشات إلى "ضرورة ضبط عملية الفتوى، وإطلاق برامج تدريب بلغات مختلفة لتدريب العلماء والمتصدرين للفتوى، حتى يكونوا قادرين على مواجهة تحديات العصر، واستيعاب ثقافاته المتعددة، ومواجهة ما يهدد الأمن والسلم العالمي من أفكار متطرفة لا تمت إلى الدين الحنيف بصلة".  

استقطابات ثنائية:

2- انتشار الاستقطابات السياسية على خلفية قضايا دينية: وهو ما ينطبق جليًا على الحالة التونسية، حيث تصاعد الجدل بشأن إعلان الرئيس الباجي قايد السبسي اعتزامه طرح مشروع قانون يتعلق بالمساواة في الميراث بين الجنسين. وجاء هذا الإعلان بناءً على مقترحات لجنة الحقوق الفردية والمساواة التي شكلها السبسي في عام 2017 بهدف إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالحريات بالاعتماد على بنود الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وهو ما أدى إلى انقسام المجتمع وإثارة الاستقطاب، وتم إقرار القانون في نوفمبر 2018.

دعم الشرعية:

3- تجاوز الأزمات الداخلية: على نحو ما وظفته القيادة التركية في ظل أزمتها الاقتصادية التي واجهتها خلال النصف الثاني من العام الجاري، بربط الدين بالتوترات في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، حيث قال الرئيس رجب طيب أردوغان، في رسالة مصورة بمناسبة عيد الأضحى الماضي (21 أغسطس 2018)، أنه "لا فرق بين من يهاجم اقتصادنا، وبين من يهاجم صوت آذاننا وعلمنا، الهدف واحد، وهو هزم الشعب التركي وإرجاعه ووضعه تحت الوصاية".

وأكد أردوغان على أن "من فشلوا في هزم تركيا بآلاف الحيل والمكائد، سيرون قريبًا بمحاولتهم إخضاعها عن طريق النقد الأجنبي"، وأضاف: "إن شاء الله بلدنا يتمتع بالقوة والقدرة والدراية، وهو ما يمكنه من تخطي كل الأمور التي تواجهه، فيكفينا أن نتوحد".

ابتزاز سياسي:

4- المساومة على الملفات الخلافية: وانعكس ذلك في العلاقات الأمريكية- التركية، بسبب اتهام أنقرة القس الأمريكي اندرو برونسون بالإرهاب والتجسس، وهو ما أدى إلى اندلاع أزمة بين الطرفين، حيث رفضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عرض أنقرة فيما يخص الإفراج عن  برونسون مقابل إلغاء واشنطن التحقيق في قضية انتهاك بنك خلق التركي للعقوبات المفروضة على إيران وإعفائه من غرامات مرتقبة قدرت بمليارات الدولارات.

فقد قال ترامب في تغريدة له على "تويتر" بتاريخ 16 أغسطس 2018 أن "تركيا استغلت الولايات المتحدة لسنوات. إنهم يحتجزون قسنا المسيحي الرائع الذي سأطلب منه الآن أن يمثل بلدنا كرهينة وطني"، مضيفًا: "لن ندفع شيئًا من أجل إطلاق سراح رجل برئ، لكننا سنخنق تركيا"، حيث انخفضت العملة التركية (الليرة) إلى مستويات قياسية في الربع الثالث من العام الجاري بمعدل 40 في المئة من قيمتها أمام الدولار. وفي نهاية المطاف، أفرجت أنقرة على القس الأمريكي في أكتوبر الماضي، بعد تغيير أربع شهود أقوالهم، وسمحت له المحكمة بمغادرة البلاد.

وفي الإطار ذاته، قال الرئيس ترامب، في كلمة له أثناء لقاء برونسون في 13 أكتوبر 2018 (بعد عودته من تركيا التي قضى بها عامين): "إن الولايات المتحدة لديها فرصة حاليًا لبناء علاقة رائعة مع تركيا"، مخاطبًا القس بقوله: "لقد خضنا مفاوضات طويلة وشاقة". في حين ركع القس بجانب ترامب على أرضية المكتب البيضاوي ووضع يده على كتفه وصلى من أجل أن يمنحه الله "حكمة خارقة".

حلف الفضول:

5- توحيد الجهود الدولية لتعزيز رسالة السلام: على نحو اتضح في الملتقيات الدولية التي تنظمها الإمارات. فقد استضافت العاصمة أبوظبي، خلال الفترة (5-7 ديسمبر 2018)، الملتقى العالمي الخامس لـ"منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة"، بمشاركة أكثر من 800 شخصية من ممثلي الأديان والمنظمات الحقوقية الدولية، فضلاً عن نخبة من العلماء والمفكرين والباحثين والإعلاميين، من أجل توثيق قيم التعاون والسلام في المجتمعات الإسلامية، إضافة إلى مواجهة الإرهاب وجماعات التطرف والعنف، وهو ما يمكن الوصول إليه عبر ما أطلق عليه "حلف الفضول" التاريخي.

وفي هذا السياق، كان المحور الأساسي في المنتدى، هو البحث عن المشترك بين الديانات المختلفة من أجل تحقيق التعايش والسلام، أو تكوين جبهة من علماء الدين، تدعو إلى السلام وترفض استغلال الدين في الصراعات، وبناء الجسور داخل كل ديانة للانفتاح على الديانات الأخرى على أسس صلبة.

ودعا المنتدى في الختام إلى إصدار "ميثاق لحلف الفضول بين الأديان"، ويصبح على عاتق رواد حلف الفضول الجديد أن يرسخوا ويطوروا نموذج قوافل السلام ليصبح آلية للتعاون والتعايش وتقليدًا يتم العمل به حتى يتم البرهنة عمليًا، وفقًا لما جاء في كلمة الشيخ عبد الله ابن بيه رئيس المنتدى، على أن الدين يمكن ويجب أن يكون قوة بناء ونماء ووئام، يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، يعمر ولا يدمر، من أجل الوقوف في مواجهة خطاب الكراهية الذي بات سلعة رائجة في أسواق المزايدات الأيديولوجية.

ثقافة الحوار:

6- محورية دور رجال الدين في تعزيز قيم التعايش: وبدا ذلك جليًا خلال استقبال الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، في قصر الرئاسة بروما، في 16 أكتوبر 2018، حيث قال ماتاريلا: "إن العلاقات الأخوية التي تربط شيخ الأزهر بالبابا فرنسيس بابا الفاتيكان، تشكل نموذجًا لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين زعماء الأديان"، مؤكدًا أن "التعاون بين الأزهر والفاتيكان قادر على المساهمة بقوة في تعزيز قيم التعايش والحوار، ومواجهة محاولات استخدام الدين مبررًا للعنف في ظل اضطراب المفاهيم لدى البعض".

على الجانب الآخر، أشار شيخ الأزهر في كلمته إلى "أهمية العمل المشترك بين المؤسسات الدينية وقياداتها من أجل تعزيز السلام العالمي، ورفع المعاناة عن الفقراء والمستضعفين"، مؤكدًا "وجود اتفاق فى الرؤى بين الأزهر والفاتيكان في القضايا الإنسانية، وتجاوز الأمر مرحلة اتفاق الرؤى إلى العمل المشترك". وخلص إلى أن "وجود الدين مهم للغاية في حياة البشر لضمان أن تسير الحياة بشكل انسيابي وهادئ، وأن علماء ورجال الدين في حاجة إلى دعم الرؤساء والسياسيين، بما لهم من سلطة وتأثير، من أجل تحقيق السلام المأمول".

ولا ينفصل عن ذلك، تأكيد الأزهر في بيان له بمناسبة اليوم العالمي للسلام (21 سبتمبر 2018)، أنه سعى دائمًا خلال السنوات الأخيرة، بكل ما يملك من إمكانيات، وبما لديه من تأثير واحترام لدى الشعوب الإسلامية والكثيرين عبر العالم، إلى نشر وتعزيز ثقافة السلام والحوار بين أتباع مختلف الديانات والحضارات، وأقام من أجل ذلك الكثير من المؤتمرات والفعاليات، مضيفًا: "إن الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر جعل من الدفاع عن قيم التسامح والتعايش قضيته الأولى، وإنه يتمنى أن يلقى الله وهو سائر في طريق صنع السلام والتسامح".

توظيف متعدد:  

خلاصة القول، إن الدين سيظل عاملاً محوريًا في تفاعلات الإقليم، حيث نظمت مؤتمرات لتجديد الفتوى، وتشكلت منصات دائمة للحوار بين أتباع الديانات وتعزيز العيش المشترك بمشاركة قيادات إسلامية ومسيحية بارزة من مختلف دول العالم، فضلاً عن محاربة نزعات التطرف والكراهية. كما تم توظيف الدين في الاستقطاب بين التيارات السياسية داخل بعض الدول التي مرت بحراك ثوري، وتعاملت معه دول أخرى كمدخل لتعزيز علاقاتها الثنائية في ظل أزمات داخلية تمر بها.