التقديرات

دواعي مُلِحَّة:

لماذا تزدهر اقتصاديات "كاميرات المراقبة" في المنطقة العربية؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 28 نوفمبر, 2018

دواعي مُلِحَّة:

تزايدت اقتصاديات كاميرات المراقبة، الثابتة والمتحركة، في عدد كبير من الدول العربية، على نحو يمكن ملاحظته في الطرق الرئيسية والدوائر الحكومية والمرافق الخدمية والمواقع الأمنية والسفارات الأجنبية والملاعب الرياضية ودور العبادة الدينية والمحال التجارية بل والمناطق السكنية في السنوات العشر الماضية بعد تصاعد الطلب عليها، من قبل مؤسسات الدولة وقوى المجتمع، لمجموعة من الاعتبارات تتمثل في الحد من الإجرام المنظم، وتتبع منفذي عمليات الإرهاب، واصطياد خصوم النظم الحاكمة، وحماية مصالح قيادات وأعضاء الميلشيات المسلحة، واستقطاب المزيد من الاستثمارات، ورواج مفهوم "المنازل أو المدن الذكية"، ومراقبة سلوكيات الموظفين.

عدسات ذكية:

تتجه دول عديدة بالمنطقة إلى نشر كاميرات المراقبة في المطارات والبنوك والمكاتب والمخازن والمستشفيات والفنادق والمطاعم والمدارس والساحات والحدائق والمتاحف ومحطات المترو ومحلات الصرافة، مع اختلاف في أنواع هذه الكاميرات، والتي يعد أبرزها كاميرات "HD" ذات الوضوح العالي و"IB" المتصلة بالإنترنت، والكاميرات ذات الذكاء الاصطناعي العالي.

وثمة مجموعة من المؤشرات العاكسة لهذا الاقتصاد الجديد منها إنشاء مصانع لتركيب كاميرات المراقبة لأول مرة بالجزائر في مارس 2018، وفتح مراكز معتمدة لبيع تلك الكاميرات في العراق في عام 2017، فضلاً عن موافقة لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب المصري على قانون تقدمت به الحكومة في هذا الصدد في نوفمبر 2017، بخلاف تنظيم دورات تدريبية على نحو ما تقوم به شرطة عدن عن جمع الاستدلالات من كاميرات المراقبة في نوفمبر 2018.

وكان الهدف الأساسي لانتشارها في البدايات الأولى بالدول العربية مراقبة مناطق الازدحام وتنظيم إشارات المرور، والحد من السرعات في الطرقات، على نحو يؤدي تدريجيًا إلى خفض الحوادث، ودراسة الأخطاء الشائعة التي تحدث من قبل المشاة والشرطة أيضًا. غير أنه زاد الطلب عليها لاعتبارات أخرى ساهمت في ازدهار اقتصاديات كاميرات المراقبة في دول المنطقة، وتتمثل تلك الاعتبارات فيما يلي:

حفظ الأمن:

1- الحد من الإجرام المنظم: صارت تلك الكاميرات بمثابة أدوات متقدمة تقنيًا للتعرف على هوية العناصر الإجرامية والجماعات المسلحة الخطرة والإيقاع بها في أسرع وقت ممكن، لا سيما أن تطور الجريمة المنظمة يستوجب الأخذ بنظم التأمين العصرية والاستعداد ببرامج تحول دون التعطيل أو الاختراق. فالوضع الأمني الذي تشهده بعض المحافظات العراقية، وبصفة خاصة كل من بغداد والبصرة، دفع كثيرًا من التجار إلى وضع كاميرات مراقبة في محالهم وأماكن سكنهم.

فضلاً عن ذلك، انتشرت كاميرات المراقبة في شوارع المدن المغربية الكبرى لحماية ممتلكات وأمن المواطنين من الشبكات الإجرامية. كما تم استحداث تقنية المراقبة الأمنية بالكاميرات في الجزائر منذ عام 2009 وستتواصل حتى عام 2030، لتجهيز 48 مدينة كبيرة بالبلاد بشبكة مركزية للمراقبة بالفيديو، وهو ما يساهم في مساعدة الأجهزة الأمنية على التصدي للجريمة، لا سيما أن أساليب الرقابة التقليدية التي تعتمد على العنصر البشري للشركات الخاصة بالأمن تكلف أضعاف الاستعانة بالكاميرات.

كذلك، تزايد اللجوء إلى تركيب كاميرات المراقبة الداخلية والخارجية في الأردن بعد تصاعد جرائم السطو على البنوك بواسطة عصابات منظمة في الثلث الأول من عام 2018، وتم ربط جميع البنوك وفروعها بأجهزة إنذار ضد السرقة مع مراكز القيادة والسيطرة الأمنية. وقد ساهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في تزايد المقاطع التي توثقها كاميرات المراقبة، إذ ينشر أصحاب هذه الكاميرات الكثير من المشاهد عبر الهواتف الذكية، على نحو يساهم في كشف تلك الجرائم من قبل الأجهزة الأمنية أو في نشر الوعى بهذه الجرائم.

خطر الإرهاب:

2- تتبع منفذي عمليات الإرهاب: تصاعدت المخاطر الأمنية التي يقوم بها الإرهابيون في بعض دول المنطقة. فعلى سبيل المثال، أصدر رئيس الحكومة الليبية المؤقتة عبدالله الثني، في 28 يناير 2018، تعليمات لإدارة المشروعات بوزارة الداخلية لحصر 30 مسجد داخل مدينة بنغازي كدفعة أولى للبدء في تركيب كاميرات للمراقبة الأمنية وربطها بالغرفة الأمنية للمدينة.

وقد جاء هذا القرار في أعقاب العمل الإرهابي الذي استهدف المصلين أثناء خروجهم من مسجد بيعة الرضوان في مدينة بنغازي في الثلث الأخير من يناير 2018، والذي خلَف عدة قتلى ومصابين. كما أمر المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني، بتركيب كاميرات للمراقبة الأمنية بكل مساجد بنغازي في أعقاب انفجار سيارة مفخخة، استهدفت مسجد أبو هريرة في حى الماجوري ببنغازي في 9 فبراير الماضي، أثناء أداء المصلين لصلاة الجمعة، بما أدى إلى مقتل شخص وإصابة 87 آخرين.

كذلك، بدأت قيادة أركان الجيش الجزائري، منذ عام 2016، في العمل بنظام تقنيات المراقبة بالكاميرات الحرارية عالية الدقة لرصد العناصر الإرهابية وشبكات التهريب على الحدود مع تونس وليبيا ومالي وتشاد والنيجر.

اصطياد المعارضة:

3- القبض على الخصوم السياسيين: وهو ما ينطبق على نظام الأسد في سوريا الذي قام بتركيب كاميرات للمراقبة في الحارات الشعبية والأزقة الضيقة بهدف مراقبة الشوارع، خاصة بعض الأحياء التي يحتمل أن تخضع لسيطرة إحدى المجموعات أو الميلشيات المسلحة المناوئة، فضلاً عن تجنب دخول قطع السلاح إلى مناطق تواجدهم. وبرز هذا التوجه جليًا لتأمين العاصمة دمشق بعد تفجير سيارات مفخخة في توقيتات مختلفة من العام الماضي.

دولة الميلشيا:

4- حماية مصالح الميلشيات المسلحة: طالبت ميلشيا الحوثيين قياداتها ومشرفيها وأعضائها على المستوى الأول والثاني في مختلف الأحياء بصنعاء، في أغسطس الماضي، بتركيب كاميرات مراقبة أمام منازلهم والمقرات التابعة لهم، لا سيما بعد تزايد الرفض الشعبي لهم من جراء ممارساتهم التخريبية ونهب المال العام، على نحو برز في تصاعد الخلافات بين قيادات الحوثيين على التعيينات في المناصب المختلفة. كما أرغمت تلك الميلشيا أصحاب المراكز والمحال التجارية على وضع وتركيب كاميرات مراقبة تسجل حركة البيع والشراء داخل محلاتهم بهدف فرض الإتاوات والضرائب.

جذب الاستثمار:

5- استقطاب المزيد من الاستثمارات: ترى بعض الدول في الإقليم أن ثمة أهمية لتقنيات المراقبة الحديثة في توفير المناخ الآمن للاستثمار، وهو ما ينطبق على الإمارات العربية المتحدة. كما تعد مصر من الأسواق الواعدة في مجال كاميرات المراقبة، لا سيما في ظل التوجه الحكومي نحو إلزام المحال التجارية بتركيب كاميرات عند الترخيص. ومع نمو الذكاء الاصطناعي، سيتزايد الاعتماد على الكاميرات الذكية في الدراسات التسويقية للمراكز التجارية. ووفقًا لما ذكرته صحيفة "الأهرام" في 20 نوفمبر 2018، قدَر الخبراء قيمة سوق كاميرات المراقبة الرقمية في مصر بنحو 70 مليون دولار سنويًا، إذ أن المشروعات الكبرى التي تنفذها مصر مثل العاصمة الإدارية والمدن الجديدة ستضعها ضمن أبرز الأسواق في المنطقة في هذا المجال، خاصة أن معدل النمو الحالي لهذه السوق يتجاوز 10 في المئة.

جودة الحياة:

6- رواج مفهوم "المنازل أو المدن الذكية": وإن كان تطبيقه لازال محدودًا في دول بعينها في المنطقة، الأمر الذي ساهم في زيادة استخدام أجهزة المراقبة الأمنية بهدف اطمئنان أفراد الأسر على نمط الحياة اليومية. فلم يعد الإنفاق على الأمن من قبل أجهزة الدولة فقط بل تصاعد الطلب عليه من جانب قوى المجتمع، وهو ما انعكس ليس فقط في تركيب كاميرات المراقبة وإنما أيضًا في تخصيص الكروت الذكية للدخول أو تطبيق بصمات العين.

واللافت للنظر أن هذا التوجه بدأ ينسحب على دول تعاني من تصدع حاد مثل ليبيا، حيث أعلنت وزارة الداخلية بحكومة الوفاق، في 5 إبريل 2018، عن إطلاق مشروع تركيب كاميرات مراقبة في طرابلس وضواحيها، ويمثل المشروع 5 في المئة من مشروع "طرابلس ذكية"، وبدأ تنفيذ المشروع في نهاية إبريل الماضي، إذ جرى تركيب 1500 كاميرا للمراقبة في 400 نقطة موزعة على 8 بلديات داخل طرابلس. ووفقًا لتصريحات صحفية صادرة عن وزير الداخلية في حكومة الوفاق عبدالسلام عاشور، في 2 مايو الماضي، فإن "مشروع طرابلس الذكية هو اللبنة الأساسية لتحقيق أمن استراتيجي للوطن بأكمله، بداية من مدينة طرابلس ومرورًا بالمناطق الشرقية والغربية والجنوبية للبلاد".

قياس الأداء:

7- مراقبة سلوكيات الموظفين: تقوم العديد من الشركات والمؤسسات والأسواق التجارية بوضع كاميرات مراقبة للاطمئنان على سير العمل ومراقبة أداء الموظفين في تنفيذ المهام الموكلة إليهم. وعلى الرغم من أن هناك اتجاهًا يتبناه البعض بأن هذه الكاميرات قد تتحول إلى قنوات للتجسس أو انتهاك الخصوصية، إلا أن هناك اتجاهًا أخر يرى أن ذلك قد يساعد في قياس جودة الأداء والتأكد من عدم انشغال الموظفين بغير العمل بل قد يساهم في حل المشكلات قبل خروجها عن السيطرة كقيام الموظف بالإخلال بالنظام العام.

حلول تقنية:

خلاصة القول، لقد باتت كاميرات المراقبة تحظى بأهمية متزايدة لدى معظم دول المنطقة والتي تهتم بالاستثمار في أحدث الأنظمة الأمنية وأفضل نظم المراقبة الرقمية، إذ تستخدم لحفظ الأمن وحماية الفرد والتعرف على الجناة وكشف مصادر الإرهاب وتحقيق الردع وتشجيع الاستثمار. فضلاً عن أنها تقدم حلولاً تقنية للمدن والمنازل الذكية والتجارة الإلكترونية وتساهم في إنهاء إجراءات المرور في المعابر الحدودية وخدمات جمع وتحليل البيانات، لا سيما في ظل التنافس بين الشركات البريطانية والأمريكية والألمانية واليابانية والكورية والصينية على تصدير الكاميرات والوسائط اللازمة لها من شاشات ولوحات إلى دول المنطقة.