التقديرات

قضايا مترابطة:

أسباب وتداعيات استثناء ميناء تشابهار من العقوبات الأمريكية؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الإثنين, 12 نوفمبر, 2018

قضايا مترابطة:

رغم إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على تطبيق العقوبات التي فرضتها على إيران بشكل صارم، إلا أن ذلك لم يمنعها من منح استثناء لتطوير ميناء تشابهار الإيراني الذي تشارك فيه كل من الهند وأفغانستان، بالتوازي مع إعفاء بعض الدول المستوردة للنفط الإيراني من العقوبات، مؤقتًا، لحين البحث عن خيارات أخرى لاستيراده.

ويبدو أن هذه الخطوة التي اتخذها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في 7 نوفمبر الجاري، لا تنفصل عن تقييم واشنطن لاتجاهات علاقاتها مع بعض القوى الآسيوية، خاصة الهند والصين، فضلاً عن رؤيتها لمستقبل الترتيبات السياسية والأمنية في أفغانستان. ومع ذلك، فإن تلك الخطوة قد تساهم في توجيه مزيد من الرسائل المزدوجة التي ربما تؤثر على موقف إيران من العقوبات في النهاية.

اعتبارات عديدة:

يمكن تفسير حرص واشنطن على استثناء ميناء تشابهار تحديدًا من العقوبات في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- البحث عن خيارات أخرى: ربما ترتبط تلك الخطوة بمحاولة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم حوافز عديدة إلى الهند من أجل دفعها إلى البحث عن مصدرين آخرين للنفط بدلاً من إيران. ورغم أن الهند كانت من ضمن الدول التي أعفتها الإدارة الأمريكية من العقوبات الخاصة بشراء النفط الإيراني، إلا أن ذلك قد لا يكون إعفاءً دائمًا، خاصة في ظل إصرار الإدارة على تحقيق هدفها الأهم والخاص بإيصال الصادرات النفطية الإيرانية إلى المستوى صفر.

2- مزاحمة الصين: قد تسعى الإدارة الأمريكية من خلال تلك الخطوة إلى تعزيز مكانة الهند كمنافس اقتصادي بارز للصين، خاصة أن ثمة مؤشرات تكشف عن استعداد الطرفين لرفع مستوى نفوذهما الاقتصادي في مناطق آسيا الوسطى، حيث تسعى الهند إلى استغلال ميناء تشابهار الإيراني للوصول إلى تلك المناطق دون المرور بالأراضي الباكستانية، فيما تحاول الصين استخدام ميناء جوادار الباكستاني لتحقيق الهدف ذاته.

3- دعم أفغانستان: ترى واشنطن أن استمرار تطوير هذا الميناء يمكن أن يساعد في دعم جهود تحقيق الاستقرار في أفغانستان، خاصة أنه سوف يساهم في تأمين قسم من احتياجاتها من السلع والأدوية، وسيساعد الهند على الوصول إلى أسواقها. وتكتسب هذه الأهداف أهمية خاصة بالنسبة لواشنطن التي تسعى في الوقت الحالي إلى مواصلة جهودها للوصول إلى تسوية سياسية للأزمة الأفغانية. ومن هنا، اكتسب مشروع تطوير الميناء اهتمامًا خاصًا من جانب الإدارة الأمريكية، لا سيما أنه يتضمن إنشاء سكك حديدية سوف يتم عبرها نقل السلع التي لن تتعرض للعقوبات إلى أفغانستان.

4- ممارسة ضغوط على باكستان: ربما لا ينفصل هذا الاستثناء عن التوتر الحالي الذي تتسم به العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان، حيث قد تسعى الأولى إلى استثمار هذا الإجراء لممارسة ضغوط على الأخيرة، خاصة أن تطوير هذا الميناء يساهم في تقليص أهمية موقعها الاستراتيجي بالنسبة للهند، التي كانت تعتبر الأراضي الباكستانية هى الممر الرئيسي للوصول إلى آسيا الوسطى.

رسائل مزدوجة:

لكن مثل هذه الخطوات توجه رسائل مزدوجة لطهران، تقرأها الأخيرة على أنها تؤشر إلى عدم نجاح واشنطن في تحقيق أهدافها من العقوبات. إذ أن اتجاهات عديدة داخل طهران اعتبرت أن منح الإدارة الأمريكية إعفاءات لثماني دول من العقوبات الخاصة باستيراد النفط الإيراني فضلاً عن استثناء تطوير ميناء تشابهار من هذه العقوبات، معناه أن واشنطن اعتبرت أن الوصول بمستوى الصادرات النفطية الإيرانية إلى الدرجة صفر يمكن أن يفرض عواقب سلبية لا تبدو هينة.

واللافت في هذا السياق، هو أن هذه الإجراءات دفعت إيران أيضًا إلى توجيه رسائل مزدوجة بدورها، لكنها ربما تعبر، إلى حد كبير، عن اتساع مساحة التباين داخل الأخيرة حول آليات التعامل مع العقوبات الأمريكية.

إذ كان لافتًا أن اسحق جهانجيري النائب الأول للرئيس حسن روحاني دعا، في 6 نوفمبر 2018، إلى تقديم صورة واضحة عن آثار العقوبات إلى الشعب الإيراني، خاصة أنه لا يمكن إخفاء تلك التداعيات، التي بدأت في الظهور حتى قبل تطبيق الحزمة الثانية من العقوبات.

لكن في مقابل ذلك، كان الرئيس روحاني نفسه حريصًا على التقليل من تأثير العقوبات، حيث أشار، في 11 نوفمبر الجاري، إلى أن "الحقائق على الأرض أكدت مصداقية كلام إيران حول عدم قدرة أمريكا على تصفير الصادرات النفطية الإيرانية". وبدأت الحكومة في الترويج إلى أنها كانت مستعدة منذ بداية العام الحالي (الذي يبدأ وفقا للتقويم الهجري شمسي في 21 مارس من كل عام) للعقوبات، عندما حددت سعرًا أقل للنفط في الموازنة العامة، على نحو ساهم، وفقًا لها، في تقليص تداعياتها على الاقتصاد.

وهنا، يمكن القول إن الحكومة تهدف إلى احتواء الانتقادات الداخلية التي تتعرض لها بسبب تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، فضلاً عن تهدئة مخاوف الشارع الإيراني إزاء الضغوط الاقتصادية التي سوف تتعرض لها إيران في المرحلة القادمة على خلفية العقوبات الجديدة، وهى المخاوف التي قد تؤثر على تعاملها مع تداعيات تلك العقوبات.

مواصلة التشدد:

ربما تؤدي الخطوات الأمريكية الأخيرة إلى دفع إيران نحو التمسك بمواقفها المتشددة في الملفات الخلافية المختلفة. إذ أنها لن تتوانى عن إجراء مزيد من التجارب الخاصة بالصواريخ الباليستية، كما أنها ستواصل تقديم دعمها للأنظمة والتنظيمات الموالية لها في منطقة الشرق الأوسط، وإن كان هذا الدعم سيتأثر، على الأرجح، بانخفاض الصادرات النفطية الإيرانية على ضوء العقوبات الجديدة.

وهنا، كان لافتًا أن اتجاهات في طهران بدأت في الإشارة إلى أن الضغوط الحالية التي تتعرض لها إيران قد لا تكون بالقوة التي يمكن أن تدفعها إلى الاضطرار لإجراء تغيير في سياستها التي أثارت استياء العديد من القوى الإقليمية والدولية المعنية بأزمات المنطقة. وبعبارة أخرى، فإن ما تمتلكه إيران من قدرات قد يمكنها، وفقًا لتلك الاتجاهات، من التعايش مع العقوبات والضغوط الجديدة التي تفرضها خلال المرحلة القادمة.

وربما تسعى تلك الاتجاهات إلى الترويج إلى أن إيران تستطيع تحمل تبعات تلك العقوبات حتى انتهاء الفترة الرئاسية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عام 2020، حيث قد تصل إدارة جديدة إلى السلطة في واشنطن ربما تتبنى سياسة مختلفة عن تلك التي تتبعها الإدارة الحالية، بما قد يتوافق مع مصالح طهران وإصرارها على التمسك بسياستها المتشددة في الملفات المختلفة.

لكن هذه الاتجاهات تتعرض في الوقت نفسه لانتقادات داخلية عديدة، في ظل ظهور آراء مضادة ترى أنه لا يمكن التعويل على احتمال تغير الإدارة الأمريكية بعد عامين من الآن، فضلاً عن أن الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة، إلى جانب المعطيات التي أنتجتها الأزمات الداخلية الإيرانية تضفي أهمية خاصة على إجراء تغيير في السياسة الحالية باتجاه تقليص حدة التوتر مع الخارج الذي بات يفرض تكلفة عالية قد لا تستطيع إيران تحملها على المديين المتوسط والبعيد.

خطوات متسارعة وتداعيات مزدوجة كلها سوف تحدد بشكل كبير المسارات المحتملة للتصعيد الحالي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية على ضوء تطبيق الحزمة الجديدة من العقوبات الأمريكية.