التقديرات

مداخل متعددة:

كيف تتعامل الدول العربية مع مشكلات "العمالة العائدة"؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 07 نوفمبر, 2018

مداخل متعددة:

تواجه بعض الحكومات العربية حزمة من المشكلات التي تتعلق بسبل التعامل مع العمالة الوطنية العائدة من دول المنطقة، في السنوات الماضية، لا سيما بعد تفاقم الصراعات الداخلية المسلحة وتدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا واليمن وسوريا والعراق، إضافة إلى تراجع معدلات التوظيف في بعض الاقتصاديات والبدء في تطبيق برامج إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية وخاصة الوظائف الإدارية بالمؤسسات الحكومية، وتبني الإجراءات التقشفية لمواجهة تراجع الإيرادات النفطية، ومراجعة الاتفاقيات المبرمة بين دول المنشأ ودول الاستقبال وخاصة في الأردن، بخلاف التقلبات المتكررة في العلاقات العربية البينية، على نحو فرض تحديًا ضاغطًا يطلق عليه أعباء "العمالة العائدة" من دول عربية إلى أخرى، والتي تصاعدت مشكلاتها في توقيت متقارب إن لم يكن واحدًا، وهو ما يزيد من حجم الأعباء الملقاة على عاتق تلك الدول التي تعاني من أزمات عديدة.

عودة اضطرارية:

لم تكن مشكلة العمالة العائدة من الدول العربية حديثة النشأة بل سبق أن واجهتها بعض الدول في أزمات محددة خلال العقود الثلاثة الماضية، مثلما حدث في أعقاب أزمة الغزو العراقي للكويت عام 1990. وكذلك برزت هذه المشكلة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حيث كانت الأخيرة تستقطب عمالة من دول عربية عدة. وتكررت بشكل فادح بعد موجة الثورات التي اندلعت عام 2011، ووصلت إلى دول مستضيفة للعمالة وفي مقدمتها ليبيا.

هذا بخلاف منافسة ومزاحمة اللاجئين القادمين من دول الصراعات لأعداد من العمالة المحلية مثلما هو الوضع في لبنان والأردن. وتزامن مع تلك الظروف الضاغطة لجوء عدد من دول المنطقة إلى توطين الوظائف المحلية وتقنين أوضاع العمالة الوافدة، في ظل تراجع نسبة الأيدي العاملة من المواطنين، في إطار تعديلات قانونية وحملات تفتيشية لضبط العمالة المخالفة لقواعد العمل، بالتوازي مع تفضيل البعض تجنب الرسوم الجديدة للسفر وفرض الضرائب (القيمة المضافة والانتقائية على بعض السلع والخدمات) وتحمل التكاليف الباهظة للمعيشة. وقد تتجه بعض تلك العمالة إلى البقاء بالعيش على الحدود المشتركة وفي مهن مختلفة، على نحو ما تشير إليه أوضاع عمالة بعض الدول في ليبيا.

وبناءً عليه، سينتهي المطاف من جانب أعداد ليست بالقليلة من العمالة العربية، بلا شك، إلى التفكير في طريق العودة إلى الوطن، نتيجة تزايد عوامل الطرد وتراجع عوامل الجذب. فالهجرة العائدة من الدول العربية قد تكون نتيجة أزمة اقتصادية أو ظروف اجتماعية غير مواتية أو اضطرابات أمنية متفاقمة أو توترات سياسية حادة بين دولة الإرسال ودولة الاستقبال ينتج عنها تطورات ليست في الحسبان.

إشكاليات أربع:

وتجدر الإشارة إلى أن هناك مجموعة من الإشكاليات التي تواجه الأجهزة الحكومية في التعامل مع العمالة العائدة: يتمثل أولها، في صعوبة تقدير حجم العمالة العائدة بشكل دقيق، حيث تتباين التقديرات الرسمية عن نظيرتها غير الرسمية، في بعض الأحيان، وخاصة الصادرة عن المؤسسات والهيئات الدولية نتيجة تعدد الجهات في الدول المُستقبِلة التي تتعامل مع مسألة العمالة الوافدة، وعدم تعاون السلطات المحلية في هذه الدول مع البعثات الدبلوماسية والهيئات القنصلية في تسجيل هؤلاء، بخلاف سفر أعداد كبيرة منهم بطريقة غير نظامية، والتلاعب في المستندات المتعلقة بأغراض السفر ومدته وأنواع العقود المبرمة.

ويتعلق ثانيها، بآلية دمج العائدين في سوق العمل، وهو ما يستتبع بدوره معرفة أولية بطبيعة عمل العمالة العائدة، حتى لا تحدث هزة ضخمة نتيجة عدم استيعاب تلك العمالة. وينصرف ثالثها، إلى مستحقات هذه العمالة، سواء أرصدة بنكية أو محلات تجارية أو حيازات عقارية، وتأمين ممتلكاتها سواء لدى الحكومة أو القطاع الخاص، حيث قد تتعرض لمشكلات في هذا السياق نتيجة العمل بدون عقود أو اقتناص الميلشيات المسلحة والجماعات المتطرفة المسيطرة على الأرض لأموالها وممتلكاتها، نظرًا لوجود مناطق لا تخضع لسيطرة أجهزة الدولة النظامية.

  ويتصل رابعها، بفقدان الخزينة العامة للدولة نسبة مهمة من التحويلات المالية التي كان يرسلها العمال العائدون إلى بلادهم. وقد أشارت اتجاهات عديدة إلى أن أسباب تراجع احتياطي النقد الأجنبي في تونس تعود إلى العمليات الإرهابية وتراجع مداخيل القطاع السياحي وانخفاض تحويلات المغتربين.

مسارات متنوعة:

هناك عدة مداخل يمكن من خلالها أن تتعاون الحكومات العربية بهدف احتواء مشكلات العمالة العائدة إلى الدول العربية المُرسِلة لها، على المديين القصير والطويل. فعلى المدى القصير، ثمة ضرورة لتوفير الدعم المالي للعائدين وأسرهم بصورة عاجلة، ويليها مباشرة ضمان توثيق أحوالهم في الدول التي كانت تستضيفهم، تمهيدًا لمطالبتها بتعويضات فور استقرارها، خاصة بالنسبة للقادمين من بؤر الصراعات المسلحة العربية في ليبيا واليمن وسوريا والعراق.

وهنا يمكن الإشارة إلى المبادرة التي طرحتها المجالس التصديرية للصناعات الكيماوية والمفروشات المنزلية في مصر، في 23 فبراير 2015، بهدف تشغيل 30 ألف عامل من العمالة المصرية العائدة من ليبيا، خاصة بعد سيطرة تنظيم "داعش" على درنة. هذا فضلاً عن الاتفاق على تشكيل لجنة عمل مؤقتة – بناءً على توافق بين محافظ مطروح السابق اللواء علاء أبوزيد والدكتورة ناهد العشري وزيرة القوى العاملة والهجرة السابقة في 25 فبراير 2015- تضم ممثلين من الوزارة في منطقة الحدود عند منفذ السلوم لاستقبال ومتابعة أحوال العمالة المصرية العائدة، وتوجيههم لفرص العمل المتوافرة بالوزارة بالمشروعات المختلفة.

أما على المدى الطويل، فهناك عدة سياسات يمكن للحكومات الأخذ بها، منها تسهيل إجراءات العمل في الصناعات الصغيرة والمتوسطة لاستثمار أى مبالغ مالية بحوزتهم، وإعادة تدريب وتأهيل العمالة العائدة في مراكز مختلفة للتدريب المهني والتعليم الفني، وربما يصل الأمر إلى حد إنشاء مجلس قومي للتدريب أو التعاون مع المنظمة الدولية للهجرة لتمويل البرامج التدريبية المتعلقة بهذا الشأن، ويمكن توظيف تلك العمالة في مرحلة إعادة إعمار الدول المنهارة، وتحديدًا في قطاع المقاولات والتشييد والبناء.

ولعل ما يؤكد ذلك القرار الذي أصدره رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي بشأن تشكيل مجموعة عمل من عناصر فنية ومالية وقانونية ذات خبرة بأعمال خدمات قطاع المقاولات والخدمات اللوجستية، تختص بإعادة الإعمار في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن. فضلاً عن تصريح وزير العمل والتأهيل الليبي المهدي الأمين، في حوار مع صحيفة الأخبار القاهرية، في 27 أبريل 2018، على هامش مشاركته في مؤتمر العمل العربي بالقاهرة، والذي قال فيه أنه "ناقش مع وزير القوى العاملة محمد سعفان سبل تذليل كل الطرق لعودة العمالة المصرية إلى ليبيا في أقرب وقت ممكن"، مضيفًا أن "العمالة المصرية لها الأولوية في إقامة المشروعات وبناء المصانع والمدن التي دمرتها الحرب".

وقد يحدث التعاون بين أطر محلية وإقليمية ودولية معًا، على نحو ما هو قائم بين وزارة القوى العاملة في دولة مثل الأردن والمكتب الإقليمي للدول العربية التابع لمنظمة العمل الدولية لتعزيز التعاون المشترك في المجالات العمالية، لا سيما بالنسبة للاجئين السوريين الذين يضغطون على الاقتصاد الأردني، وكذلك الحد من فرص التوظيف للعمالة الأجنبية في البلاد في حال توافر العمالة الوطنية البديلة.