التحليلات - التفاعلات المجتمعية

حرب البعثات:

حسابات واشنطن لفرض قيود على الطلاب الصينيين

دينا ابراهيم حسن

الأحد, 14 أكتوبر, 2018

حرب البعثات:

لم تعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين مقتصرة على فرض إجراءات حمائية وقيود جمركية على التبادل التجاري، إذ تتجه الولايات المتحدة لفرض قيود مشددة على دراسة الطلاب الصينيين في الولايات المتحدة، خاصة في المجالات التكنولوجية المتقدمة، وهو ما يرتبط بتسريبات نُسبت للرئيس الأمريكي حول وصفه للطلاب الصينيين بأنهم جواسيس في أغسطس الماضي. 

وعلى الرغم من تأييد الصقور في البيت الأبيض لهذه الإجراءات، واعتبارها من مقتضيات حماية الأمن القومي الأمريكي، إلا أنها تنطوي على ارتدادات سلبية على المصالح الأمريكية، يتمثل أهمها في: الخسائر الاقتصادية، وتآكل القوة الناعمة الأمريكية، وتراجع قدرة الولايات المتحدة على استقطاب الكفاءات والكوادر الصينية المتميزة، بالإضافة إلى تصاعد حدة التوترات المتبادلة بين واشنطن وبكين.

اتجاهات "تسييس البعثات": 

نشرت "الفايننشال تايمز" تقريرًا في أكتوبر 2018 يشير إلى أن "ستيفن ميلر" المستشار السياسي للرئيس "ترامب" قد اقترح أن يتم إصدار قانون يُقيّد حصول الطلاب الصينيين على تأشيرة الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في إطار مناقشة أنشطة تجسس الصين على الولايات المتحدة، بيد أن هذا المشروع قد تم رفضه نظرًا لأنه سيؤثر على اقتصاديات الجامعات الصغرى، والتي يميل العديد من الطلاب الصينيين للالتحاق بها، في حين أن ذلك لن يكون له تأثير يُذكر على جامعات النخبة.

وقد سبق وأن قامت الولايات المتحدة بوضع قيود على التحاق الطلاب الصينيين بالحقول العلمية المتقدمة، مثل: العلوم النووية، والفيزياء، والرياضيات، وعلوم الروبوت، وتكنولوجيا التصنيع، وباقي المجالات المتطورة التي تسعى الصين لامتلاكها من أجل تنفيذ استراتيجتها المعروفة باسم "صنع في الصين"، حيث قامت إدارة "ترامب" منذ يونيو 2018 بتقليل مدة التأشيرة التي تُمنح للطلاب الصينيين الذين يدرسون في حقول حساسة من خمس سنوات إلى سنة واحدة قابلة للتجديد، ووضع قواعد صارمة تُطبّق على الباحثين الصينيين الذين يعملون في مشاريع عسكرية واستخباراتية تابعة للجامعات والشركات الأمريكية. كما تشير بعض التقارير الصحفية إلى ازدياد القيود المفروضة على الباحثين الصينيين الذين يحملون اتجاهات ناقدة للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب".

أسباب القيود الأمريكية:

تتجه الولايات المتحدة إلى اتّباع سياسات متشددة تجاه الطلاب الصينيين لعددٍ من الأسباب يمكن الإشارة إليها فيما يلي:

1- الاستخبارات غير التقليدية Non-Traditional Intelligence: حيث أشارت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في ديسمبر 2017 إلى ضرورة مراجعة إجراءات التأشيرة للحد من السرقة الاقتصادية (Economic Theft) من قبل "الاستخبارات غير التقليدية"، مشيرة في هذا الصدد إلى الطلاب القادمين من دول معينة. وفي هذا السياق، صرح "كريستوفو راي" مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي في فبراير 2018 "أن الصين تمثل تهديدًا للمجتمع الأمريكي بأكمله... وأن الأفراد المنخرطين في الاستخبارات غير التقليدية والذين يقومون بجمع معلومات استخباراتية نيابة عن الوكالات والحكومات قد اخترقوا الجامعات الأمريكية".

2- تقليد الاختراعات الأمريكية: أعلنت الصين في أبريل 2018 عن اختراع تقنية تتيح للطائرات المقاتلة التخفي من شاشات الرادارات، وهو ما يُشبه الأبحاث التي كان يُجريها أحد الباحثين الصينيين في معامل جامعة ديوك في عام 2008، ومن ثم اعتقدت الولايات المتحدة أنه قد تم نقل أساس هذه التقنية منها، لا سيما وأن هذا الباحث قد عاد إلى الصين وأنشأ معهدًا للبحوث المتقدمة يركز على المشروعات التي قام بدراستها في جامعة ديوك.

3- حقوق الملكية الفكرية: يرتبط التشدد في منح الطلاب الصينيين تأشيرات سفر إلى الولايات المتحدة بمخاوف المؤسسات الأمنية من قيام هؤلاء الطلاب بنقل الخبرات والأفكار ضمن المشروعات البحثية التي ترعاها الجامعات الأمريكية إلى الصين، وهو ما يعتبره البعض ضمن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية الأمريكية.

وقد يُتاح لهؤلاء الطلاب فرص للتدريب في بعض المؤسسات الصناعية وشركات التكنولوجيا الأمريكية، وهو ما يزيد من تهديدات "التجسس الصناعي والتقني" التي تقلص من تنافسية المنتجات الأمريكية في مواجهة نظيرتها الصينية.

تداعيات سياسات التضييق: 

على الرغم من أن البعض يعتبر الصين المتضرر الأكبر من سياسة التضييق على طلابها، إلا أن الولايات المتحدة ستعاني هي الأخرى من عدد من الخسائر الاقتصادية، لا سيما مع تزايد عدد الطلاب القادمين من الصين، وهو ما يمكن الإشارة إليه فيما يلي: 

1- خسائر اقتصادية: وصل عدد الطلاب الصينيين المسجلين في الجامعات الأمريكية في العام الأكاديمي 2017-2016 إلى ما يقدر بحوالي 350 ألف طالب صيني، لتحتل الصين المركز الأول من حيث عدد امتلاكها أكبر عدد من الطلاب الأجانب في الجامعات الأمريكية، وذلك وفقًا لبيانات "معهد التعليم الدولي".

ومن ثم فإن انخفاض عدد البعثات الطلابية القادمة من الصين قد يتسبب في خسارة كبيرة للاقتصاد الأمريكي، وبحسب تقرير لـ"الفايننشال تايمز" منشور في أكتوبر 2018 فإن موظفي السفارة الأمريكية في الصين لديهم اعتراض على الإجراءات التي تُتخذ لمنع حصول الطلاب الصينيين على تأشيرة الولايات المتحدة، حيث إن هؤلاء الطلاب يمثلون أكبر مصدر للفائض التجاري في الولايات التي يلتحقون بجامعاتها.

2- تآكل القوة الناعمة: يُسهم منع البعثات التعليمية القادمة من الصين وردة الفعل المبالغ فيها من قبل الإدارة الأمريكية تجاه الطلاب الصينيين إلى فقدان أحد أبعاد جاذبية النموذج الأمريكي، حيث تتمكّن أمريكا من خلال البعثات الطلابية من إعادة تشكيل رؤى الطلاب، والتأثير في النخب الثقافية والفكرية، والتأثير بشكل غير مباشر في عملية صنع القرار، وهو ما يُعد بمثابة اختراق ناعم للمجتمع الصيني.

3- انحسار مد العولمة: حيث إنه بدلًا من السعي لتنشيط وتشجيع فرص التبادل الطلابي والبعثات التعليمية التي تقوم على مفاهيم التعاون الدولي، وتقبل الآخر، والمواطنة العالمية، فقد تحولت البعثات التعليمية إلى أداة سياسية ذات أبعاد أمنية وسياسية واقتصادية تؤدي إلى تأجيج الخلافات بين الدول بدلًا من أن تكون عنصرًا لتعزيز التعاون والعلاقات الودية بينهما٬ وهو ما يؤدي إلى تراجع العولمة.

4- عودة العقول الصينية: يميل عدد من الطلاب الصينيين إلى البقاء والاستقرار في الولايات المتحدة بعد الدراسة فيها، وهو ما أوضحته دراسة قامت بها المؤسسة الوطنية للعلوم في عام 2015، حيث أشارت إلى أنه خلال الفترة من عام 2005 إلى 2015 خطط تسعة من كل عشرة من الطلاب الذين نالوا الدكتوراه من الولايات المتحدة للبقاء فيها. في المقابل، تحاول الصين أن ترفع رواتب الباحثين والأكاديميين وتوفير مجموعة من الحوافز المادية لهم لضمان عودتهم إلى الصين مرة أخرى.

ختامًا، يمكن القول إن تسييس البعثات التعليمية، وفرض قيود على انتقال الطلاب الصينيين إلى الولايات المتحدة، يُعد بمثابة مؤشر على حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين، وتزايد حدة التوترات المتبادلة بينهما ضمن الحرب التجارية المحتدمة بينهما، وهو ما قد يترتب عليه عودة سياسات الانعزالية، وإغلاق الحدود، وفرض قيود مشددة على انتقال الأفراد ورؤوس الأموال بين الدولتين.