التقديرات

أنماط متباينة:

كيف تُوظَف العقارات في بؤر الصراعات بالإقليم؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الإثنين, 16 يوليو, 2018

أنماط متباينة:

تصاعدت أنماط توظيف الحكومات المركزية أو العصابات الإجرامية أو الميلشيات المسلحة أو التنظيمات الإرهابية لتأجير أو امتلاك العقارات في بؤر الصراعات المسلحة بالإقليم، على نحو برز في جملة مؤشرات منها استيلاء ميلشيا الحوثي على العقارات المؤجرة في المدن اليمنية وخاصة العاصمة لإنعاش مصادر تمويلها، ومصادرة نظام الأسد عقارات المواطنين الفارين من الحرب في سوريا، وانتعاش سوق العقارات بالمناطق المحررة من تنظيم "داعش" في شمال العراق، وتوجه الحكومة العراقية للسيطرة على عدد كبير من العقارات في إقليم كردستان بما يعزز "عودة الدولة"، وسيطرة العصابات الإجرامية على العقارات في العراق وسوريا، وتنامي لوبيات شراء عقارات الأجانب التاريخية في تونس، وتصاعد مخاوف من تحول تونس إلى قاعدة خلفية وملاذ آمن للجماعات الإجرامية والتنظيمات الإرهابية لترميم صفوفها وتبييض أموالها بعد تمكين الليبيين من شراء العقارات فيها.

وقد تعددت أبعاد التوظيف الممنهج للفاعلين، سواء كانوا رسميين أو غير رسميين، للعقارات السكنية في بؤر الصراعات بمنطقة الشرق الأوسط، بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

ابتزاز الميلشيات:

1- طرد ميلشيا الحوثي آلاف العائلات من المنازل في صنعاء: لا سيما أن الغالبية من قاطنيها من الموظفين الحكوميين وذوي الدخل المحدود، الذين يواجهون صعوبات عدة في استلام رواتبهم نتيجة تناقص إيرادات الجهات المالية التابعة للحكومة الشرعية منذ انقلاب الحوثي قبل أربعة أعوام بعد نهب المليارات من خزانة البنك المركزي. ونظرًا لعجز بعضهم عن سداد الإيجارات المتراكمة في المنازل التي يقطنون فيها، يتم إجبارهم على إخلاءها بصورة نهائية، والخروج من العاصمة والتوجه إلى محافظات أخرى.

كما تواصل ميلشيا الحوثي ابتزاز ملاك العقارات للحصول على عائدات في إطار ما يطلق عليه دعم "المجهود الحربي"، وهى أقرب إلى "الإتاوة"، حيث يفرض على بعض هؤلاء الملاك دفع ما يتسلمونه من العقارات السكنية بمعدل شهر عن كل عام، وفي حال مخالفة ذلك سوف يلزمون المستأجرين بدفع الإيجارات لهم أو وضع ملاك العقارات في السجن. ويضاعف من ذلك أزمة السكن في المناطق الآمنة نسبيًا داخل اليمن، في ظل تزايد تدفقات النازحين داخليًا من مختلف مناطق القتال.

تغيير الديموغرافيا:

2- مصادرة نظام الأسد عقارات المواطنين الفارين من الحرب في سوريا: وذلك بعد استعادة السيطرة على الغوطة الشرقية بريف دمشق. ففي 1 إبريل 2018، صدر مرسوم بقانون حمل الرقم 10 يتعلق بإحداث مناطق تنظيمية عقارية جديدة في البلاد، وأعطى مالكي العقارات مهلة حتى 10 مايو الماضي لتقديم هذه العقود إلى البلدية، وإلا فإنهم يخسرون ملكية تلك العقارات وتصبح ملكًا للدولة بحيث يستفيد النظام من تهجير ملايين المواطنين من منازلهم لضيق الفترة الزمنية. ووفقًا للمرسوم، فإن أى شخص يحاول إعادة تسجيل ملكية منزله، يتوجب عليه الحصول على موافقة أجهزة الأمن السورية الموجودة في المناطق التي يسيطر عليها النظام.

ويهدف هذا المرسوم إلى إجراء تغييرات في هوية البنية السكانية للمناطق التي شهدت مواجهات مسلحة بين النظام السوري وفصائل المعارضة، لا سيما في ظل صعوبات عودة المهاجرين أو النازحين، إما بسبب استمرار المعارك أو الملاحقة الأمنية للمعارضين، وهو ما يعد استكمالاً للتهجير القسري. ويساهم ذلك في سيطرة النظام على ما يطلق عليه "سوريا المفيدة" بحيث ستؤول الأملاك العقارية إلى المالكين الجدد الذين ساندوا النظام سواء من العلويين أو الميلشيات الشيعية الإيرانية أو العراقية، بما يخدم سياسة إيران التي تسعى إلى ترسيخ الطريق الذي يبدأ من طهران ويمر عبر العراق وسوريا وينتهي في لبنان، في إطار ما يسمى بـ"الهلال الشيعي البري".

إعادة الإعمار:

3- انتعاش سوق العقارات بالمناطق المحررة من "داعش" شمال العراق: شهد النصف الأول من عام 2018 بدء انتعاش السوق العقارية مع عودة آلاف الأسر إلى المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم "داعش" خلال السنوات الأربع الماضية، مع اختلافات نسبية بين المدن المحررة، نتيجة اعتبارات تتعلق باستعادة الاستقرار الأمني وعودة النازحين وحجم الدمار في المنازل الواقعة تحت سيطرة التنظيم الإرهابي. ويضع صندوق إعادة إعمار المناطق المتضررة في العراق على عاتقه مهمة إعادة إعمار تلك العقارات.

هيمنة الدولة:

4- توجه الحكومة العراقية للسيطرة على عدد كبير من العقارات في كردستان: أعلن أحمد الربيعي مدير دائرة عقارات الدولة، في تصريح لصحيفة "الصباح" في 27 نوفمبر 2017، أن بغداد ستتحرك قريبًا لاستعادة السيطرة على العقارات التابعة للدولة في إقليم كردستان الخاصة بوزارة المالية أو بقية الوزارات، نظرًا لعدم القدرة على السيطرة عليها منذ عام 2003، حينما سقط نظام صدام حسين واحتلت الولايات المتحدة العراق، وأشار الربيعي إلى أن دائرته "تعمل على تقديم جرد بالعقارات الموجودة في إقليم كردستان"، وهو ما جاء بعد فشل نتائج ما بعد الاستفتاء على الاستقلال.

سطوة العصابات:

5- سيطرة العصابات الإجرامية على العقارات في بغداد ودمشق: تشير بعض الكتابات إلى استيلاء عصابات مرتبطة بجهات دينية وقوى حزبية، وخاصة عصائب أهل الحق والتيار الصدري، على عقارات وأراضي في العاصمة العراقية، تعود ملكيتها إلى بعض المسيحيين الذين نزحوا هروبًا من موجات العنف منذ عام 2003 الناتجة عن المواجهات المذهبية، أو خوفًا من تهديدات تلك العصابات، بحيث اضطروا إلى بيع العقارات بأبخس الأثمان، لا سيما في ظل عجز الدولة عن ضمان أمن هذه العقارات أو تلك الأراضي خصوصًا في المحافظات الشمالية والعاصمة بغداد.

غير أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر نفى علاقته بتلك العصابات لرفع الغطاء عن المجموعات التي دأبت على ارتكاب مثل الجرائم، حيث قال في تصريحات صحفية: "هناك مجموعة تعمل على الاستيلاء على قطع الأراضي في بغداد ومناطق أخرى مدعين معرفتنا بذلك"، وأضاف: "تلك جرائم لم أستطع السكوت عنها فصوتنا ضد الباطل ولن يتوقف لا سيما من يمس أمن العراقيين ولقمتهم مضافًا إلى تشويه سمعتنا". على جانب آخر، ارتفعت نسبة ما يسمى بـ"تزوير العقارات" بدرجة كبيرة في دمشق بعد تزايد العصابات التي كونت شبكة داخلية لبيع العقارات بأسعار أقل من قيمتها.

سماسرة العقارات:

6- تنامي لوبيات شراء عقارات الأجانب التاريخية في تونس: وهو ما سلطت عليه الضوء وسائل الإعلام المحلية والعربية، إذ لم تنجح الحكومة في تسوية الوضع القانوني للعقارات التي تركها المقيمون الأجانب منذ عقد الستينات من القرن الماضي، في الوقت الذي يتطلع المطورن العقاريون إلى الحصول عليها من شاغليها، لا سيما أنهم لا يمتلكون أى عقود أو حجج قانونية عبر تعويضهم بمبالغ مالية زهيدة، خاصة أن البعض منها آيل للسقوط، الأمر الذي أوضحه أحمد سويد نائب رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الشاغلين لأملاك الأجانب بتنامي أدوار شبكات تزوير عقود العقارات بغرض نقل ملكيتها وإخراج شاغلي تلك العقارات وحيازتها.

غير أن ثمة تعقيدات تواجه تسوية هذا الملف، منها غياب مالك العقار (المُخاطَب القانوني)، وتعدد الورثة وعدم القدرة على الوصول إلى عناوينهم في الخارج، وبصفة خاصة التي تعود ملكيتها لمقيمين في إيطاليا وفرنسا ومالطا، وغياب إطار قانوني خاص بأملاك الأجانب، وهو ما أدى إلى تصاعد المطالب بإيجاد حلول قانونية لتلك الأملاك، بما لا يعطي نافذة فرصة لهذه الشبكات من أجل النفاذ إلى تلك العقارات، ويسهل إعادة إدراجها ضمن الدورة الاقتصادية، وينشط الحركة التجارية، ويقضي على تشوهات مناطق ومواقع استراتيجية مختلفة بما فيها تونس العاصمة.

بوابات الإرهاب:

7- مخاوف من قرار تمكين الليبيين شراء العقارات في تونس: لم يؤد القرار الحكومي الذي قضى بأحقية الليبيين – إلى جانب المغاربة والجزائريين والموريتانيين- في شراء عقارات في تونس من دون طلب ترخيص الولاية، شريطة ألا يشمل الإعفاء العقارات المخصصة للزراعة، إلى ارتفاع أسعار العقارات بالنسبة للقدرة الشرائية للتونسيين فحسب، بل إنه أثار مخاوف من احتمال تحول البلاد إلى قاعدة لعمليات إرهابية تنفذها بعض المجموعات الإرهابية القادمة من ليبيا التي تشهد فوضى بعد سقوط نظام معمر القذافي، وتستخدم هذه العقارات أوكارًا للاختباء والتخطيط لعملياتها، وهو ما يفسر اهتمام أجهزة الأمن التونسية بحصر العقارات المهجورة.

تأثيرات انتشارية:

خلاصة القول، إن موجة الصراعات التي شهدتها الدول العربية، خلال السنوات السبع الماضية، تركت تأثيراتها على العقارات، سواء كانت منازل أو أراضي، بحيث تختبأ بها الجماعات الإرهابية، وتوظف الميلشيات المسلحة عائداتها، فيما تغير بعض الحكومات هويتها الديموغرافية لصالح جماعات طائفية، على نحو دعا اتجاهات عديدة، على سبيل المثال، إلى التحذير من أن "طهران تشتري سوريا" بعد ازدياد ظاهرة شراء التجار الإيرانيين عقارات في الداخل السوري، وخاصة في المناطق التاريخية والراقية، بشكل اكتسب معه سؤال "أين نعيش؟" أهمية وزخمًا خاصًا في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

الكلمات المفتاحية: الصراعاتالعقارات