التحليلات - التحولات الاقتصادية

اختلال التوازن:

هل ينجح البنك المركزي التركي في وقف خسائر الليرة؟

ريم سليم

الأربعاء, 04 يوليو, 2018

اختلال التوازن:

لم تتمكن إجراءات البنك المركزي التركي المتمثلة في رفع أسعار الفائدة في احتواء التراجع الحاد في أسعار العملة التركية، إذ لا تزال المخاوف من تردي الأوضاع الاقتصادية في تركيا تهيمن على توجهات المستثمرين، وهو ما يرتبط بتزايد عجز الميزان التجاري، وسعي الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" للسيطرة على السياسة النقدية والاقتصادية، وتحجيم أية اتجاهات للاستقلالية من جانب البنك المركزي التركي.

اضطراب العملة التركية:

أظهرت الليرة التركية أداء جيدًا خلال الأسبوع المنصرم، عقب إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، وسارت في اتجاه الارتفاع أمام الدولار الأمريكي. غير أن ذلك لم ينجح في إزالة المخاوف وبخاصة المستثمرين والبنوك تجاه مستقبل العملة التركية، خاصة وأنها عاودت التراجع في مطلع شهر يوليو.

شكل (1): تطور أداء الليرة التركية أمام الدولار خلال شهر (2 يونيو - 2 يوليو) 2018

 

المصدر: XE corporation web site 

فبنظرة أوسع إلى أداء الليرة التركية، نجد أنها سجلت انخفاضًا بنسبة 20% من قيمتها منذ بداية عام 2018، وهو ما دفع بعض الخبراء إلى وصفها بأنها إحدى أسوأ العملات أداءً داخل الأسواق الصاعدة، وبصفة عامة يُلاحظ غلبة الاتجاه الانخفاضي على الصعود في فترات قليلة لقيمة العملة التركية خلال السنوات الخمس الأخيرة، فقد ارتفع سعر الدولار من 1.9 ليرة في يونيو 2013 إلى حوالي 4.5 ليرات في مايو 2018. 

  1. شكل (2): سعر الليرة التركية أمام الدولار في الفترة (2013- يونيو 2018)


المصدر: :XE corporation website  

أسباب التراجع: 

يرجع الأداء المتراجع لليرة التركية إلى مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية التي يمكن توضيحها فيما يلي: 

1- الصراع مع البنك المركزي: أثار الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" العديد من التخوفات داخل الأسواق المالية بسبب تصريحاته الحادة تجاه البنك المركزي التركي، والتي أفصحت عن نيته التدخل في رسم السياسة النقدية بعد فوزه في الانتخابات، وبالرغم من تراجع حدة تصريحاته في الأيام الأخيرة، فإن هذا الهاجس لا يزال حاضرًا بقوة، حيث يرى العديد من المحللين أنه تراجع مؤقتًا عن موقفه؛ حيث سبق وأعلن الرئيس "أردوغان" في مقابلة مع رجال الأعمال في مقر بلومبيرج أنه سيتدخل لمنع أي ارتفاع في أسعار الفائدة حفاظًا على تسهيل مناخ الاستثمار في تركيا، كما أعلن في تصريح آخر أن رفع الفائدة هو أساس الشرور.

2- ارتفاع عجز الميزان التجاري: يسجل الميزان التجاري عجزًا متزايدًا لصالح الشركاء التجاريين، وهو ما يقود بطبيعة الحال إلى تراجع العملة التركية أمام العملات الأخرى، فقد شهد شهر مارس 2018 ارتفاع عجز الحساب الجاري التركي إلى 4.812 مليارات دولار، مقارنة بـ4.5 مليارات دولار في الشهر السابق. كما كان عجز الحساب الجاري لشهر فبراير 2018 مرتفعًا بنسبة 60% عنه في فبراير 2017.  وهو ما يرجع إلى ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة التي تتحملها الحكومة.

ويشير تقرير المفوضية الأوروبية الصادر في ربيع 2018 إلى ارتفاع عجز الحساب الجاري في نهاية 2017 إلى 5.6%، بينما ارتفع عجز الميزان التجاري إلى 8.8%، وهو ما يزيد من الضغط على القدرة التنافسية التركية. 

3- اضطراب الأوضاع الإقليمية: تعد الأوضاع المضطربة في الشرق الأوسط وآليات تعاطي الحكومة التركية معها أحد العوامل المؤثرة على قيمة الليرة، ويلاحظ أن قيمة العملة قد بدأت في التراجع مع تزايد التدخل التركي في سوريا، وتصاعد حدة الصراع مع حزب العمال الكردستاني، يضاف إلى هذا استمرار اضطراب الأوضاع الداخلية في ظل تضييق "أردوغان" على معارضيه السياسيين فيما يخص الحريات المدنية والممارسات السياسية واشتداد القبضة الأمنية.

تداعيات الانخفاض: 

أدى الاتجاه المتراجع لليرة التركية خلال الأعوام الماضية إلى تزايد المخاطر التي يواجهها الاقتصاد التركي، والتي رفعت بشدة من مخاوف المستثمرين على الرغم من تصريح الحكومة بأنها تضع مواجهة هذه المخاطر على رأس أولوياتها. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أبرز تداعيات تراجع قيمة العملة فيما يلي:

1- ارتفاع مستوى التضخم: أدت خسائر الليرة التركية أمام العملات الأجنبية إلى تراجع قوتها الشرائية، ومن ثم ارتفاع معدل التضخم الذي بات من أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد التركي، حيث إن معدل التضخم السنوي للمستهلك قد بلغ ما يقدر بحوالي 12.2% في مايو 2018، وذلك بزيادة قدرها 1.3% عن شهر أبريل 2018. 

2- تراجع التصنيف الائتماني: تُعتبر قيمة العملة أحد المؤشرات على قوة أو ضعف الاقتصاد، وقد أدت خسائر الليرة التركية إلى تراجع ثقة وكالات التصنيف الائتماني بالاقتصاد التركي، فخفضت وكالة موديز في نهاية مايو تقديراتها لنمو الاقتصاد التركي لعام 2018 من 4 % إلى 2.5 %. كما قامت بتخفيض 17 بنكًا تركيًّا ومؤسستين ماليتين أخريين، وبررت هذا بأنه جاء نتيجة لانخفاض ثقة المستثمرين، وتصاعد حالة عدم اليقين تجاه الاقتصاد التركي. 

وفي السياق ذاته، أعلنت وكالة التصنيف "فيتش" أنها وضعت 25 بنكًا تركيًّا في حالة سلبية، مما يعني أنها قد تخضع لتقليل التصنيف الائتماني، واستشهدت بـ"ضغوط بيئة التشغيل المتزايدة الناتجة عن تقلب أسعار العملات والفوائد" كمحرك رئيسي للتحذير. 

3- ارتفاع المديونية: ترفع خسائر الليرة التركية قيمة القروض والديون المقيمة بالدولار الأمريكي، وهو ما يشمل القطاع الخاص والقطاع المصرفي، والدين الخارجي للحكومة، حيث إن القطاع الخاص لديه قروض بالعملة الأجنبية يبلغ مجموعها 295 مليار دولار، فيما تبلغ قيمة الديون المترتبة على البنوك التركية 600 مليار دولار طبقًا لبنك التسويات الدولية BIS في سويسرا.  وتتوقع شركة الأبحاث المستقلة Autonomous Research ارتفاع نسبة الديون المعدومة في البنوك التركية.

وفي السياق نفسه، رأت خبيرة ببنك (Dutch bank ABN Amro)، أن أكبر قلق بالنسبة للمستثمرين هو اعتماد تركيا على الأموال الأجنبية، حيث يجب أن توفر تركيا ما يعادل حوالي 200 مليار دولار سنويًّا لتمويل عجز الحساب الجاري الواسع والدائن المستحق، وهو ما يبدو عسيرًا مع وجود احتياطيات إجمالية من العملات الأجنبية تبلغ 85 مليار دولار فقط. 

4- تحويل المدخرات: قادت مخاوف المدخرين من انخفاض قيمة الليرة إلى تحويل مدخراتهم بالعملة المحلية إلى الدولار الأمريكي وعملات أجنبية أخرى خشية أن تنخفض قيمة مدخراتهم وقدرتها الشرائية بمقدار تراجع قيمة الليرة التركية، حيث تمثل العملات الأجنبية كاليورو والدولار ملاذًا آمنًا بالنسبة لهم.

مشروطيات النجاح: 

على النقيض من رغبة "أردوغان"، اتجه البنك المركزي التركي إلى رفع متكرر لأسعار الفائدة، واستحداث سياسة تسعيرية جديدة لأسعار الفائدة، وذلك لمواجهة كل من خسائر الليرة التركية والارتفاع الحاد للتضخم، حيث قرر البنك المركزي التركي في 23 مايو 2018 رفع أسعار الفائدة من 13.5% إلى 16.5%، ثم إلى 17.75%.

كما أعلن البنك المركزي عن تبسيط وتوحيد السياسة النقدية، والتي تعني أن كل عمليات التمويل سوف تتم من خلال معدل الفائدة على عمليات إعادة الشراء لمدة أسبوع واحد، وهو ما يتضمن إلغاء إطار معدل الفائدة المتعدد الذي كان متبعًا في عام 2016. وقد أسفرت هذه الاستجابة عن ارتفاع سعر الليرة بنسبة حوالي 2% في نهاية الأسبوع الأول من يونيو، ثم ارتفعت في الأيام التالية للانتخابات الرئاسية بنسب طفيفة أقل من 1%، فارتفعت في 29 يونيو بنسبة 0.03%، وفي 28 يونيو بنسبة 0.76% ، إلا أنها عاودت الانخفاض مرة أخرى في مطلع شهر يوليو.

ختامًا، يمكن القول إنه لا يمكن استمرار الأداء الإيجابي لليرة التركية برفع الفائدة وحدها، حيث يتوقف استمرار الصعود على مجموعة من العوامل الأخرى، مثل: أداء الميزان التجاري الذي يجب أن ينجح في تخفيض عجزه حتى يتكامل مع السياسة النقدية في هدفها، والثاني يتعلق بأداء مؤشر الدولار الذي شهد انخفاضًا طفيفًا في الأيام الماضية، وإذا استمر على انخفاضه فإن الليرة التركية بالقطع ستستفيد من هذا، أما العامل الأخير فيتصل بمدى نجاح البنك المركزي في التمسك باستقلاله عن الرئاسة التركية، خاصة بعد الفوز الجديد للرئيس "أردوغان"، حيث ترتفع المخاوف داخل الأسواق المالية جراء التصريحات السابقة للرئيس "أردوغان" حول أسعار الفائدة وحول نيته فرض سيطرته الكاملة على السياسة النقدية والاقتصادية.