التحليلات - التحولات الاقتصادية

التعافي المشروط:

هل تستطيع أسواق النفط الحفاظ على صعود الأسعار؟

علي صلاح

الخميس, 10 مايو, 2018

التعافي المشروط:

وصلت أسعار النفط العالمية حاليًّا إلى مستوى 75 دولارًا للبرميل، وهو الرقم الأعلى منذ نوفمبر 2014. ويُمثل هذا المستوى أكثر من ثلاثة أضعاف المستويات التي سجلتها الأسعار في يناير 2016، التي كانت تبلغ 26 دولارًا للبرميل، والتي مثلت أدنى قاعٍ تصله الأسعار في ظل الأزمة التي بدأت في منتصف عام 2014.

ويتضمن وصول أسعار النفط إلى المستويات الحالية العديد من الدلالات، كما أنه يثير الكثير من التساؤلات. ففيما يتعلق بالدلالات فإن جزءًا منها يتعلق بالمسار التاريخي لأداء أسواق النفط خلال السنوات الماضية، ويرتبط جزء آخر منها بالسيناريوهات المتوقعة لهذه الأسواق في السنوات المقبلة. أما بالنسبة للتساؤلات فإن بعضها يتعلق بطبيعية العوامل التي دفعت الأسواق إلى ما هي عليه الآن، وينصبّ بعضها على مدى قدرة هذه العوامل على البقاء في المستقبل المنظور، ومن ثم إمكانات إسهامها في إحداث ارتفاعات جديدة في الأسعار. كما أن بعض التساؤلات تدور حول مستقبل العلاقة بين منتجي النفط التقليديين، داخل منظمة أوبك، وكذلك بين أعضاء أوبك وغيرهم من غير أعضاء المنظمة، وباقي منتجي النفط أيضًا.

مستوى قياسي جديد:

تدور أسعار النفط العالمية حاليًّا عند مستويات قياسية جديدة، فقد يدور سعر خام برنت حول 75 دولارًا للبرميل، وسعر خام غرب تكساس الأمريكي حول 70 دولارًا للبرميل. وتمثل هذه المستويات نقطة فارقة في مسار أسعار النفط، لا سيما وأنها تتضمن العديد من المؤشرات ذات الدلالة.

وتُصنَّف المستويات الحالية للأسعار على أنها الأعلى منذ نوفمبر 2014، ما يعني أن الأسواق استطاعت تعويض الخسائر التي تكبدتها منذ ذلك التاريخ، كما أن الارتفاع إلى المستويات الحالية يأتي ضمن اتجاه عام بدأته أسعار النفط في شهر يونيو 2017، وحققت من خلاله مكاسب تبلغ 70.5%. ويمثل حفاظُ الأسعار على هذا الاتجاه التصاعدي خلال هذه الفترة الطويلة نسبيًّا، دليلًا كافيًا على كفاءة أداء الأسواق واستقراره أيضًا.

وتزيد المستويات الحالية لأسعار النفط عما سجلته في مطلع عام 2018 بنسبة تصل إلى 13.6%؛ مع الأخذ في الاعتبار أن المستويات التي بلغتها مطلع العام -وهي 66 دولارًا للبرميل- كانت جيدة نسبيًّا وفق معطيات الوضع الرهن آنذاك، وأن بلوغ الأسعار لهذه المستويات القياسية الجديدة الآن يحمل دلائل إيجابية على تعافي أسواق النفط من الأزمات التي كانت تعتريها خلال السنوات الماضية.


عوامل الارتفاع:

لا يمكن القول إن أداء أسواق النفط العالمية بشكله الحالي، ووصول الأسعار إلى ما هي عليه الآن، يعود إلى عامل واحد فقط دون غيره، فهذا الأداء يأتي نتيجة تفاعل العديد من العوامل، وتراكمات تحققت على مدار فترة ليست بالقصيرة. 

فقد كان لاتفاق خفض الإنتاج الذي أبرمته أوبك وحلفاؤها، وبدأ سريانه في مطلع عام 2017، الدور الأبرز في دفع أسواق النفط وأسعاره إلى ما هي عليه الآن، لا سيما وأن المستويات الحالية للأسعار ترتفع بنسبة 36.5% عن مستوياتها قبل بدء سريان الاتفاق الذي سحب 1.8 مليون برميل، أو ما نسبته 2% من المعروض النفطي العالمي اليومي، بما ساهم في ترسيخ قدرة الأسواق على التعافي من تخمة المعروض. وبحسب تقديرات بنك "جولدمان ساكس" فإن تخمة المعروض النفطي اختفت تمامًا من الأسواق في الربع الأخير من عام 2017، حيث شهدت الأسواق عجزًا قدره 1.1 مليون برميل يوميًّا.

كما أوضحت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع مخزون النفط الاستراتيجي الأمريكي إلى 665 مليون برميل في فبراير 2018، وهو أدنى مستوى له منذ يوليو 2004. وقد علقت وكالة الطاقة الدولية مؤخرًا على ذلك بالقول: "إن أوبك وحلفاءها أتموا مهمتهم في خفض مخزونات النفط العالمية إلى مستوياتها المرغوبة".

وقد أدى تزايد الطلب العالمي على النفط إلى تعزيز قدرة أسواق النفط على التعافي من أزمتها. فخلال النصف الثاني من عام 2017، شهدت الأسواق نموًّا ملحوظًا في الطلب، حيث تظهر بيانات "تومسون رويترز" أنه ارتفع إلى 1.55 مليون برميل يوميًّا، بنسبة 1.6%، خلال النصف الثاني من عام 2017. كما أنه واصل ارتفاعه خلال عام 2018، ليحقق زيادة تبلغ 620 ألف برميل يوميًّا مقارنة بنهاية عام 2017. وتمثل هذه الزيادات المتتالية دليلًا على أن هذا الطلب يعيش حالة من التعافي الحقيقي، ساعده على لعب دور جوهري في دفع أسعار النفط إلى أعلى.

وبجانب ذلك، فقد كان لتوتر الأوضاع السياسية والأمنية في منطقة الشرق الأوسط، دور مؤثر في زيادة أسعار النفط، لا سيما مع تصاعد الأزمة في سوريا وتزايد احتمالات تحولها لصراع بين القوى الكبرى (في بعض الفترات). هذا بجانب ما شهدته الأسابيع الأخيرة من توتر في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، بسبب موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرافض للاتفاق النووي الإيراني، وهو التوتر الذي وصل إلى قمته لدى إعلان ترامب في 8 مايو 2018 خروج بلاده من الاتفاق النووي، والعودة من جديد إلى نهج العقوبات ضد إيران، وسيتم تفعليها وفق وزارة الخزانة الأمريكية خلال 180 يومياً. ويؤذن ذلك بتعرض إمدادات النفط الإيرانية إلى ثلاثة احتمالات، فإما أنها ستنقطع تماماً عن السوق أو أنها ستتراجع بمعدلات كبيرة، أو تتراجع بمعدلات محدودة في ظل حالة مزمنة من عدم الاستقرار. 

ويعتمد حدوث أي من هذه البدائل على عوامل عدة، أهمها طبيعة العقوبات الأمريكية المزمعة من ناحية، ومدى استجابة مشتريي النفط الإيراني الرئيسيين لهذه العقوبات، والمتمثلين في الصين والهند وكوريا الجنوبية ودول الاتحاد الأوروبي. ومع الأخذ في الاعتبار أن صادرات النفط الإيرانية تبلغ وفق أحدث تقديرات لوزارة النفط الإيرانية 2.6 مليون برميل يوميًّا، فإن هذا يعني أنها تسجل أعلى مستوى لها منذ فترة طويلة، وبالتالي فإن انقطاعها أو عدم استقرارها سيكون عاملاً ذا تأثير سلبي على استقرار أسواق النفط العالمية على الأقل في الأجل القصير والمتوسط.

وتزامنًا مع ذلك، فإن هناك أزمة أخرى متصاعدة في فنزويلا التي تشهد تراجعًا شديدًا في إمداداتها النفطية، إذ إن الأزمة الاقتصادية المعقدة التي تعانيها تسببت في عدم قدرة الحكومة على ضخ الاستثمارات اللازمة في القطاع النفطي الوطني خلال الفترة الماضية، وهو ما لم يُمكنه من إحلال آبار نفطية جديدة محل الآبار متراجعة الإنتاج. وتسبب ذلك في تراجع إنتاج النفط الفنزويلي بمقدار النصف منذ نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة. وتتصاعد هذه المظاهر السلبية بشكل لافت في الوقت الراهن، في ظل التوترات السياسية التي تشهدها البلاد، بجانب تهديد الولايات المتحدة بفرض عقوبات نفطية عليها، بسبب خلافاتها السياسية مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.وكل ذلك يجدد المخاوف من إمكانية حدوث انخفاض قياسي في إنتاج النفط الفنزويلي في عام 2018، مع الأخذ في الاعتبار أن مبيعات فنزويلا من النفط الخام إلى الولايات المتحدة في عام 2017 بلغت أدنى مستوياتها منذ عام 1991، بسبب العقوبات المالية الأمريكية المفروضة عليها بالفعل.

مكاسب قادمة بشرط !

تمثل التطورات التي تشهدها أسواق النفط حاليًّا مظهرًا لأهم تحول في مسيرة وتطور أدائها منذ منتصف عام 2014، إذ إنها تضع نهاية حقيقية للأزمة التي عانتها الأسواق على مدار السنوات الماضية، والتي كانت سببًا في تدهور الأسعار إلى مستويات متدنية استثنائية، ومن ناحية أخرى فهي تؤكد على أن الوضع الذي وصلت إليه الأسواق مبني على قواعد صلبة وقابلة للاستمرار في معظمها، بما يرجح بقاء الأسعار عند مستوياتها المرتفعة في الأجل المنظور على أقل تقدير، مع إمكانية ارتفاعها إلى مستويات قياسية جديدة أيضًا. وتزداد فرص حدوث ذلك في ظل النمو المتوقع في الطلب العالمي على النفط في عام 2018، الذي تتوقع منظمة أوبك أنه سينمو الطلب بنحو 1.5 مليون برميل يوميًّا، وترجح وكالة الطاقة الدولية أنه سينمو بنحو 1.7 مليون برميل يوميًّا في نفس العام.

ويبقى التساؤل الآن حول مدى تأثير التطورات التي تشهدها أسواق النفط الآن، ومستقبلها، على العلاقة بين منتجي النفط التقليديين داخل أوبك، وبين أعضاء المنظمة وغيرهم من المنتجين، وهي العلاقات التي يمثل استقرارها شرطاً لتمكين الأسواق من تحقيق المزيد من المكاسب، لاسيما أن ما حققته الأسواق من مكاسب حتى الآن، هو ثمرة لتعاون أوبك وحلفائها، ومكاسب صافية لهم أيضًا.

لكن بشكل عام فإن تحقيق المزيد من المكاسب خلال الفترة المقبلة قد تؤدي إلى خلخلة علاقات الاتفاق التي جمعت هؤلاء المنتجين تحت مظلة واحدة خلال الفترة الماضية، لاسيما أن الشعور باكتمال المهمة قد يدفع بعضهم إلى التصرف باستقلالية ومن دون تنسيق مع الآخرين، بما يضر بالأسواق ويعيدها إلى المربع الأول. وهو ما يجب أن يسترعي انتباه أوبك، صاحبة الفضل الأول فيما آلت إليه الأسواق، حيث يجب عليها أن تستمر في ممارسة نفس الدور، مع توجيه اهتمام خاص لعدة أمور مهمة، أولها ضرورة المحافظة على العلاقات الجيدة التي جمعت المنظمة بروسيا خلال الفترة الماضية. وثانيها، مراقبة السياسات النفطية الإيرانية في ظل العقوبات النفطية الأمريكية المزمع فرضها على إيران. وثالثها، التعامل بحذر مع الزيادات المتتالية في إنتاج النفط الأمريكي، الذي يتوقع أن يصل إلى 12 مليون برميل يومياً خلال عام 2019، وفقاً لآخر التقديرات الصادرة من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

الكلمات المفتاحية: النفطإيران