العروض - الدراسات

كبح الطائفية:

كيف يساهم المجتمع المدني في استقرار النظام اللبناني؟

جيفري جي كرم

الخميس, 03 مايو, 2018

كبح الطائفية:

عرض: ياسمين أيمن – باحثة في العلوم السياسية

في ظل فشل الحكومة اللبنانية في تقديم حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية... إلخ التي تظهر من حين لآخر؛ برز دور المجتمع المدني الذي ينوب عن الدولة ويساندها في نواحٍ عدة، حيث تساهم منظماته في حل المشكلات الاجتماعية والإصلاحات السياسية والانتخابية بصورة أسرع؛ لأن آلية عملها تكون من أسفل لأعلى على عكس النخبة السياسية. 

وفي هذا الإطار، يحلل "جيفري جي كرم"، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية والشئون الدولية بالجامعة الأمريكية بلبنان، في تحليل له بعنوان: "المجتمع المدني اللبناني كمرتكز للاستقرار" نشره مركز "كراون" لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة برانديز في أبريل الماضي؛ دور المجتمع المدني اللبناني في الحفاظ على استقرار النظام السياسي اللبناني.

بداية، يشير "كرم" إلى أن التوافق الذي يتم بين النخب السياسية اللبنانية ساهم في استيعاب التوترات الداخلية والخارجية التي تبرز من حين لآخر كالأزمة السورية، والعمليات الإرهابية، واشتراك "حزب الله" في الحرب السورية، ومشكلاته مع إسرائيل. لكن إذا فشلت النخبة في التوصل إلى توافق على قرار ما فإن الدولة يصيبها نوع من أنواع الجمود السياسي.

وبناءً على ذلك، يرى الكاتب أن الاستناد إلى عامل التوافق النخبوي على أنه العامل الوحيد للحفاظ على استقرار النظام السياسي يُعد غير صائب. ولهذا يتناول في تحليله الدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني اللبنانية في استقرار النظام اللبناني رغم الطائفية السياسية التي تميزه.

أولًا- الدعم والإصلاح السياسي:

عن دور منظمات المجتمع المدني اللبناني في دعم وإصلاح النظام السياسي، يشير "كرم" إلى أن لتلك المنظمات باعًا طويلًا في الدأب على إصلاح القوانين الانتخابية الطائفية. ويطرح مثلًا على ذلك بتشديد "الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات" على أن المشاركة السياسية الفعالة لن تتحقق إلا بإلغاء القوانين الطائفية، إلى جانب تبني قانون انتخابي جديد يمنح الفرص لغير أفراد النخبة السياسية بالدولة للاندماج في العملية السياسية.

ولهذا الهدف شكَّل عددٌ من منظمات المجتمع المدني (مثل: الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية، والمركز اللبناني للدراسات، والجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات. إلى جانب ثمانٍ وخمسين منظمة أخرى) تحالفًا سُمي بـ"الحملة المدنية للإصلاح الانتخابي"، و"مبادرة الجامعات للإصلاح الانتخابي في لبنان" التي تتألف من طلاب الجامعات وناشطي المجتمع المدني، لصياغة مسودات قوانين انتخابية جديدة، وللضغط على البرلمانيين والوزراء لإصلاح القانون الانتخابي الطائفي. 

ويُعد قانون انتخابات أعضاء مجلس النواب لعام ٢٠١٧ الذي يُحدد عدد المقاعد النيابية وتوزيعها على الطوائف بحسب الدوائر الانتخابية، هو نتاج تلك الجهود المجمعة. ومع أن القانون لا يزال به تقسيم طائفي؛ إلا أن فكرة وجود لجنة إشرافية تضم منظمات المجتمع المدني تُعد تقدمًا مهمًّا على المسار الديمقراطي في دولة لم تُجرِ انتخابات برلمانية منذ عام ٢٠٠٩.

 وعلى الرغم من أن قانون الانتخابات الجديد يشوبه بعض العيوب، إلا أن "كرم" يشير إلى أنه يَدعم عملية المشاركة السياسية، ويُحدث حالة من الحراك الجماهيري التي تتم بمساندة منظمات المجتمع المدني التي تستخدم قاعدتها الشعبية للحشد، والتي تستمر في الضغط على الحكومة والبرلمان اللبناني لإحداث تغييرات وإصلاحات ديناميكية في النظام السياسي للدولة.

ثانيًا- حل الكوارث البيئية:

تعتمد الدولة اللبنانية في التعامل مع الكوارث البيئية على خبراء منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، مثل منظمة "السلام الأخضر" التي يقدم خبراؤها مقترحاتهم لوزارة البيئة اللبنانية بشأن ما يخص جمع القمامة من المناطق المختلفة والشواطئ، وحماية الغابات والحفاظ على الحيوانات المهددة بالانقراض وزراعة الأشجار. ويطرح الكاتب مثالًا على نجاح التعاون بين وزارة البيئة اللبنانية ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بقضايا البيئة، بنجاح التعاون بين الوزارة وجمعية أرز الشوف (منظمة غير حكومية) ورؤساء القرى المختلفة في إنشاء محمية أرز الشوف، التي تبلغ مساحتها حوالى ١٦٠ كلم٢، وتحتوي على ٣٠٪ من غابات الأرز المتبقية في لبنان.

وتُضيف "كرم" أن المنظمات المعنية بقضايا البيئة تمارس ضغوطًا على أعضاء السلطة التنفيذية والتشريعية للاهتمام بقضاياها. كما أنها تساعد الدولة في وضع حلولٍ للمشكلات البيئية. ويطرح الكاتب مثلًا على هذا التعاون بأنه في عام ٢٠٠٦ أثناء الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل، قامت الأخيرة بضرب محطة كهرباء الجية في جنوب بيروت، مما تسبب في تسرب نفطي هائل على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، لذا قامت منظمات المجتمع المدني بالتعاون مع المنظمات الدولية وبعض الدول العربية والآسيوية بتقديم مقترحات للحكومة للتخلص من النفط المتسرب، وقد وافقت الحكومة على تلك المقترحات، وتم دعم مبادرات المجتمع المدني، وتم التغلب على تلك الكارثة البيئية.

ولم يغفل "كرم" حملة "طلعت ريحتكم" التي قامت بعدة مظاهرات في صيف ٢٠١٥ بالتعاون مع نحو ستين منظمة من منظمات المجتمع المدني البيئية للضغط على الحكومة، بعد انتشار القمامة بالشوارع، حيث طالبت الحملة بخلق مزيد من مدافن القمامة وهو حل قصير المدى، وإنشاء مراكز لمعالجة القمامة كحل طويل المدى لتلك المشكلة. وبالفعل استجابت الحكومة في عام ٢٠١٦ للضغوط، ففتحت مدفنين للقمامة، واحدًا منهما بجانب المطار، وهو الأمر الذي يؤثر على سلامة الطائرات، لكن الحركة والمنظمات البيئية لم ترضَ بالحل قصير المدى، فخرجت بمظاهرات في الفترة ما بين أبريل ويونيو ٢٠١٧ في مختلف المدن اللبنانية، وذلك للتنديد بمخاطر دفن القمامة بدون معالجة، خاصة وأن وزير البيئة قد خرج في منتصف يونيو الماضي مؤكدًا أن دفن القمامة في البحر الأبيض المتوسط كانت ضمن الخطط الحكومية، ولكن لم يلقَ ذلك القرار تأييدًا من جانب ناشطي المنظمات البيئية الذين لا يزالون يعملون لإيجاد حلول مستدامة لمشكلة القمامة.

ثالثًا- دعم اللاجئين السوريين:

وفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، استقبلت لبنان حتى أواخر يناير من العام الجاري ما يقرب من مليون لاجئ سوري، تواجههم -وفقًا للتحليل- مشكلات عدة تتمثل في: الضعف المادي والتمويلي للحكومة اللبنانية، وعدم توقيع لبنان على اتفاقية اللاجئين عام ١٩٥١ وبروتوكول عام ١٩٦٧، مما صعّب عملية توطين اللاجئين. ولهذا تدخلت المفوضية لمساعدتهم. وفيما بعد تدخلت منظمات المجتمع المدني اللبناني لمساعدة اللاجئين السوريين بلبنان.

ووفقًا لبيانات المفوضية فإن منظمات المجتمع المدني اللبنانية تلعب دورًا محوريًّا في مساندة اللاجئين، وتقديم كافة الخدمات لهم، والتي تتنوع ما بين: تقديم الطعام، وتوفير الرعاية الطبية، وحماية الأطفال، وتقديم خدمات الصرف الصحي، بتمويل من المنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي.

وعن دور الحكومة اللبنانية في التعامل مع قضايا اللاجئين، أوضح "كرم" أن وزارة الشئون الاجتماعية بالتعاون مع المؤسسات الدولية والمحلية أسست في عام ٢٠١٢ لجنة لمساعدة اللاجئين، ولكن في عام ٢٠١٤ ارتأت الحكومة ضرورة تخفيض أعداد اللاجئين السوريين على الأراضي اللبنانية عن طريق رفض تجديد أوراق إقامتهم، ونتيجة لذلك أصبحت منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية (مثل: جمعية العدل والرحمة، وكاريتاس) المسئول الرئيسي عن مساعدة اللاجئين وتقديم يد العون لهم.

ويشير الكاتب إلى دور الجامعات اللبنانية كالجامعة الأمريكية ببيروت، حيث تساهم في عمل حملات توعية للمواطنين لرفع الوعي بشأن الفئات المستضعفة من السكان، خاصة اللاجئين القادمين من سوريا والعراق وباقي الدول العربية. كما تقوم كليات الطب بمبادرات رعاية طبية للاجئين في مختلف أنحاء الدولة. وتعمل مراكز الأبحاث الموجودة بالجامعات على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الحقائق المتعلقة باللاجئين. فمثلًا قام الدكتور ناصر ياسين، وهو أستاذ جامعي بكلية العلوم الصحية ورئيس البحث العلمي بمعهد "عصام فارس"، بإطلاق هاشتاج على موقع تويتر يعرف بـ"حقيقة اليوم"، وهو عبارة عن سلسلة من البيانات العلمية المتعلقة باللاجئين السوريين، توضح مدى دعمهم للاقتصاد اللبناني. إلى جانب عدد من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الذين يستخدمون حساباتهم الشخصية للتنديد بخطابات الكراهية الموجهة للاجئين، كما أنهم يدعون المواطنين لمساندة اللاجئين ويروجون لحملات جمع تبرعات لمساعدتهم.

 ختامًا، إن التوافق بين أفراد النخبة السياسية والطوائف المختلفة في لبنان ليس العامل الوحيد للاستقرار السياسي للدولة، حيث يلعب المجتمع المدني دورًا كبيرًا في هذا الاستقرار من خلال دور منظماته في صياغة القانون الانتخابي الجديد، وتقديم حلول للمشكلات البيئية، وكذلك تقديم يد العون للاجئين السوريين. وعلى الرغم من أن دور الحكومة الأساسي هو الوصول إلى حلول لمواجهة المشكلات المتباينة، إلا أن منظمات المجتمع المدني المختلفة تساهم في وضع الحلول مما يحافظ على استقرار الدولة اللبنانية، ويسهل مهام الحكومة.

المصدر:

Jeffrey G. Karam, “Lebanon’s Civil Society as an Anchor of Stability”, Crown Center For Middle East Studies, Middle East Briefs, No.117, April 2018.