التقديرات

تحديات عديدة:

هل تنجح تونس في استكمال إجراءات التقشف المالي؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الخميس, 29 مارس, 2018

تحديات عديدة:

اتجهت تونس مؤخرًا نحو اتخاذ حزمة من التدابير المالية بهدف معالجة ارتفاع عجز الموازنة العامة وزيادة الديون العامة، بجانب صعوبات اقتصادية أخرى مثل هبوط الاحتياطيات الدولية وارتفاع معدلات البطالة والفقر. وقد تسببت هذه الإجراءات في اتساع نطاق المعارضة الشعبية والسياسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي الذي وافق عليه البرلمان، على نحو يمكن القول معه إن نجاح تونس في استكمال هذه التدابير سيتوقف على متغيرات عدة يتمثل أهمها في مستوى التوافق السياسي والشعبي حولها، والدعم الدولي لمسار البرنامج، فضلاً عن طبيعة الإجراءات التعويضية لاستيعاب تداعيات هذه الإصلاحات.

تراجع متوقع

تواجه تونس مشكلات اقتصادية متعددة رغم تعافي أداء الاقتصاد نسبيًا مقارنة بالأعوام الماضية، حيث ما زال معدل النمو الاقتصادي بطيئًا نتيجة عرقلة العديد من الأنشطة الاقتصادية بسبب الاضطرابات الاجتماعية التي شهدتها البلاد، وذلك بالتوازي مع ارتفاع معدل التضخم وعجز الموازنة العامة وهبوط الاحتياطيات الدولية. 

ووفقًا للبنك الدولي، فقد انخفض معدل النمو الاقتصادي إلى 1% في عام 2016 مقارنة بـ1.1% في عام 2015، وهو ما يعود إلى انكماش الإنتاج الصناعي بنسبة 6.6%، وكذلك الصناعات غير التحويلية (مثل الفوسفات والنفط) بنسبة 1.9% في عام 2017، نتيجة الحركات الاحتجاجية في مناطق التعدين.

وبالتزامن مع ذلك، أدى تباطؤ الأداء الاقتصادي في الأعوام الماضية إلى بلوغ معدل البطالة حوالي 15.5% بنهاية العام الماضي، رغم أنه أقل من مستوى 19% الذي كان قائمًا في عام 2011. بيد أن مستوى البطالة لا زال مرتفعًا للغاية بين  فئة الشباب، لا سيما في المناطق الداخلية.

كما زاد عجز الموازنة العامة في عام 2016 ليصل إلى 6.1% من إجمالي الناتج المحلي، ارتفاعًا من 5.6% من الإجمالي في عام 2015 ومن 5% في عام 2014، وذلك بالتزامن مع ارتفاع  خسائر الشركات العامة لتصل إلى نحو 2.5 مليار دولار في عام 2016. ونتيجة لذلك، وصل الدين العام إلى 62.9% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2016، ارتفاعًا من 57.2% في عام 2015، فيما هبطت مستويات الاحتياطيات الدولية إلى 4.6 مليار دولار، بما يعني أنها تغطي فقط 78 يومًا من الواردات.

خطوات المواجهة

دفعت الصعوبات الاقتصادية السابقة حكومة يوسف الشاهد إلى الإصرار على اتخاذ حزمة من التدابير تشمل ضبط المالية العامة وهيكلة منظومة الدعم الاجتماعي وتبني خطط لدعم الصادرات في محاولة لإنعاش الاقتصاد. وفي هذا السياق، قال الشاهد في خطاب أمام البرلمان في 23 مارس الجاري: "سنذهب في طريق الإصلاح مهما كان الثمن السياسي الذي سندفعه لأن مصلحة تونس هى الأهم."

وبحسب وثيقة البرنامج الاقتصادي والاجتماعي عام 2020، تضع الحكومة عدة أهداف أمامها لتحقيقها في الأجل المتوسط، منها رفع النمو الاقتصادي ليصل إلى 4.5%، وخفض معدل البطالة إلى مستوى 12%، بجانب خفض عجز الموازنة العامة إلى 3% بنهاية عام 2020، وهى أهداف تتطلب من الحكومة، خاصة بالنسبة لخفض عجز الموازنة، اتخاذ تدابير تقشفية قد تؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية. 

وتنفيذًا للأهداف السابقة، لا سيما المتعلقة بضبط المالية العامة، رفعت الحكومة أسعار الوقود، في يناير 2018، بنسبة 2.85%، حيث زاد لتر البنزين إلى 1.8 دينار من 1.750 دينار في السابق، وهذه هي الزيادة الثانية بعد أن رفعت الحكومة أسعار البنزين بنسبة 6.7% في يوليو 2017.

وبموجب موازنة عام 2018 التي أقرها البرلمان، تم اتخاذ حزمة من الإجراءات تهدف لزيادة الضرائب والرسوم، حيث زادت ضريبة القيمة المضافة بواقع نقطة مئوية واحدة لتصل إلى 7%، بالتوازي مع فرض ضريبة ضمان اجتماعي جديدة بنسبة 1% على الموظفين والشركات.

 بجانب ذلك، تشمل حزمة الإصلاحات تطبيق زيادات أخرى على الرسوم والضرائب المتعلقة بالسيارات والمشروبات الكحولية والاتصالات الهاتفية والإنترنت وأسعار الفنادق وغيرها، مع رفع الرسوم الجمركية على بعض المنتجات المستوردة مثل مستحضرات التجميل وبعض المنتجات الزراعية.

وفي محاولة لإصلاح الأوضاع المالية للشركات العامة، تطمح الحكومة أيضًا في نقل ملكية بعض المؤسسات والشركات العامة للقطاع الخاص مع إعداد برنامج لتقليص أعداد الموظفين العموميين بالشركات العامة. ومؤخرًا، اقترح رئيس الوزراء إمكانية خصخصة بعض الشركات العامة، مستبعدًا في الوقت نفسه بيع الشركات العاملة في قطاعات حيوية مثل الكهرباء والغاز وتوزيع المياه. 

ومن المحتمل أيضًا أن تشمل تدابير إصلاح المؤسسات العامة إنهاء خدمة 16.500 موظف عامل في القطاع العام بشكل اختياري ضمن برنامجين هما الإحالة على التقاعد المبكر الاختياري والمغادرة الاختيارية بحسب تصريح توفيق الراجحي الوزير لدى الحكومة المكلف بمتابعة الإصلاحات الكبرى في أكتوبر الماضي. وأعقب ذلك تصريح لوزير النقل رضوان عيارة قال فيه أن الخطوط الجوية تعتزم تسريح 1200 عامل بشكل طوعي سعيًا لخفض الأجور أيضًا.

محددات الانطلاق 

تسببت هذه الإجراءات في اندلاع احتجاجات شعبية خلال الفترة الماضية، كان أكثرها اتساعًا في يناير الماضي، عندما شهدت عدة مدن مظاهرت اعتراضًا على ارتفاع الأسعار، وهو ما دفع العديد من الاتجاهات إلى ترجيح تباطؤ برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي، وذلك بالتزامن مع احتجاجات أخرى شهدتها تونس خلال الشهور الماضية في مناطق التعدين تحديدًا. 

وبناءً عليه، يمكن القول إن استمرار تونس في تطبيق وإنجاز برنامج الإصلاح المالي سيتوقف على متغيرات عديدة: يتمثل أولها، في مستوى التوافق الشعبي والسياسي على الإصلاحات المالية. إذ لم تلق التدابير التقشفية التي اتخذتها الحكومة قبولاً لدى عدد من القوى والكيانات السياسية، لما قد تسببه من تداعيات، خاصة على صعيد اندلاع احتجاجات شعبية مستمرة. 

وقاد الاتحاد العام للشغل هذا الاتجاه، حيث تعهد مؤخرًا بالتصدي لخطط حكومية لبيع بعض الشركات العمومية، مهددًا بتصعيد الاحتجاجات في كافة أرجاء الدولة. وقال أمين عام الاتحاد نور الدين الطبوبي: "لا شىء للبيع في تونس، المؤسسات العمومية خط أحمر". 

وسبق أن تصدى الاتحاد لخطة الحكومة لتجميد زيادة الرواتب العامة في عام 2017، على نحو اضطرت معه الأخيرة إلى وقف هذه الخطط وتأجيلها. 

ورغم ذلك، فإن موافقة البرلمان، بمختلف تياراته السياسية، على الإصلاحات المالية القائمة في موازنة عام 2018، يضفي شرعية على استمرار الحكومة في اتخاذ مزيد من التدابير المقبلة. ولكن يبقى أيضًا أمام السلطات خطوات أخرى ينبغي اتخاذها مثل تعزيز سبل الحوار الاجتماعي حول مسار الإصلاحات المالية المستقبلية ضمانًا لتمريرها.

ويتعلق ثانيها، بمدى الدعم الدولي الذي يحظى به برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي. فوفق عدد من المؤشرات يتضح جليًا أن تونس تلقى دعمًا كبيرًا من جانب القوى الدولية والمؤسسات الاقتصادية العالمية للاستمرار في برنامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما يشير إليه تأكيد الاتحاد الأوروبي، في إبريل 2017، التزامه بمساعدة الحكومة على مواجهة التحديات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

فضلاً عن ذلك، وافق صندوق النقد الدولي، في مارس الجاري، على دفع شريحة بقيمة 257 مليون دولار في إطار برنامج لإقراض تونس مدته أربع سنوات بقيمة 2.8 مليار دولار، في إشارة قوية إلى دعم المؤسسات الدولية للاقتصاد وتشجيعها على مواصلة مسار الإصلاحات المالية القائمة.  

وينصرف ثالثها، إلى طبيعة وسرعة الإصلاحات الاقتصاية والمالية. فقد قطعت تونس شوطًا هامًا في تمرير حزمة من التدابير المالية، وبوتيرة سريعة، بشكل سيؤثر على المستويات المعيشية للمواطنين، وذلك دون بناء شبكة اجتماعية قوية تجنب تدهور المستويات المعيشية للمواطنين، وهو ما يفرض ضرورة اتخاذ إجراءات مالية تعويضية لدعم الفئات المحدودة المتأثرة بهذه التدابير، بجانب برامج أخرى لتوفير فرص عمل، وتبني نهج تدريجي في تنفيذ هذه الإصلاحات، تجنبًا لتصاعد الاحتجاجات الشعبية والسياسية المناوئة لهذه الإصلاحات. 

وختامًا، يمكن القول إن تعويل الحكومة على دعم البرلمان والمساندة الدولية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي قد ينجح في تعزيز قدرتها على استكمال التدابير المالية التقشفية، لكن يبنغى أن يصاحب ذلك توفير آليات لإجراء حوار اجتماعي حول هذه الإصلاحات بجانب بناء شبكة اجتماعية تحول دون تدهور المستويات المعيشية للمواطنين.