التحليلات - التطورات التكنولوجية

أزمة "كامبريدج أناليتيكا":

جدل التوظيف الانتخابي للبيانات الشخصية لمستخدمي الفيسبوك

نهاد محمود

الأربعاء, 21 مارس, 2018

أزمة "كامبريدج أناليتيكا":

أثار ما كشفت عنه صحيفتا "نيويورك تايمز" و"ذا أوبزرفر" البريطانية، جدلًا كبيرًا في الأوساط الأمريكية والدولية، حيث قامت شركة بريطانية تعمل في تحليل البيانات تُدعى "كامبريدج أناليتيكا" Cambridge Analytica بتوفير بيانات حول توجّهات الناخبين الأمريكيين من خلال تطبيق يتم الدخول إليه عبر حساب الفيسبوك، وهو ما أدى للحصول على بيانات ما يقرب من 50 مليون شخص من مستخدمي الموقع الاجتماعي الشهير دون علمهم أو موافقتهم. ويدّعي البعض أن هذه البيانات قد ساهمت في ترجيح كفة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" للفوز بالانتخابات الرئاسية الماضية، مما يزيد من تهديدات اختراق الخصوصية، وتوجيه تفضيلات وخيارات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

أزمة "كامبريدج أناليتيكا":

تعود بدايات الأزمة الحالية إلى عام 2013  حينما أطلق أستاذ لعلم النفس الأمريكي في جامعة كامبريدج تطبيقًا يسمى "هذه حياتك الرقمية" (this is your digital life)، ويطلب التطبيق عند تحميله السماح للوصول إلى بيانات ملفاتهم الشخصية وكذلك بيانات أصدقائهم والمحتوى الذي أعجبهم.

وقد وصل عدد الأشخاص الذين قاموا بتحميل هذا التطبيق إلى 270 ألف شخص، وقُدر إجمالي من تم جمع بياناتهم بحوالي 50 مليون حساب معظمهم من الولايات المتحدة، وتم بيع هذه البيانات لشركة "كامبريدج أناليتيكا" (Cambridge Analytica) البريطانية من أجل فهم هؤلاء الأشخاص ونفسياتهم لتقديم مواد تدعم "ترامب" تناسب ميول وشخصيات الناخبين المستهدفين، وقد صرح "كريستوفو ويلي" أحد المبلِّغين عن المخالفات لصحيفة "ذا أوبزرفر" والذي عمل مع أستاذ علم النفس من جامعة كامبريدج، "بأن البرنامج يستطيع أن يقدم معلومات عن الناخبين لاستهدافهم بإعلانات سياسية شخصية.. وأن الأشخاص الذين تم الحصول على بياناتهم يمثّلون نحو ثلث المستخدمين النشطين للموقع في أمريكا الشمالية، وتقريبًا ربع الناخبين المحتملين في ذلك الوقت".

بيد أن الشركة ذكرت أنها بمجرد علمها بطرق جمع البيانات قامت بحذفها من جميع السجلات في ديسمبر 2015، وأنكرت استخدامها لهذه البيانات في الخدمات التي قدمتها لحملة "ترامب" الانتخابية، وهو ما نفته صحيفتا "نيويورك تايمز" و"ذا أوبزرفر"، مؤكدتين أنها لم تحذف البيانات، حيث أشارت "نيويورك تايمز" إلى أنها أجرت مقابلات مع 6 موظفين سابقين في الشركة، وحصلت على وثائق أكدت أن غالبية هذه البيانات لا تزال في حوزة الشركة. وفي هذا الإطار، صرح "بول جريال" نائب الرئيس والمستشار العام في فيسبوك بأنه "على الرغم من أنه تم التوصل إلى هذه المعلومات بطريقة مشروعة، إلا أنه لم يتم الالتزام لاحقًا بقواعدنا". 

وترتبط هذه الشركة بعلاقات وثيقة بـ"ستيف بانون" الذي سبق وأن شغل منصب كبير مستشاري "ترامب" للشئون الاستراتيجية، وهو ما اعتبره بعض المحللين تأكيدًا على دورها في دعم "ترامب" بالانتخابات، فضلًا عن ذلك أجرت "القناة الرابعة" البريطانية تحقيقًا صحفيًّا استقصائيًّا سريًّا، حيث قدم المراسل نفسه للشركة باعتباره رجل أعمال ثريًّا من سريلانكا يرغب في التأثير في الانتخابات المحلية، واقترح المديرون عدة تكتيكات لتشويه صورة الخصوم السياسيين، من بينها اختلاق فضائح أخلاقية، والاستعانة بجواسيس سابقين عملوا لصالح الاستخبارات البريطانية، ونشر تقارير كاذبة على الإنترنت، وإنشاء مؤسسات وهمية ومواقع إلكترونية لجمع البيانات، وقد ذكروا في الفيديو أن هذه الاقتراحات نظرية، إلا أن بعضها قد تم تنفيذه سابقًا، وهو ما دفع الشركة إلى إقالة مديرها التنفيذي "ألكسندر نيكس".

انتهاكات حملة "أوباما":

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها استغلال الفيسبوك في الانتخابات، حيث سبق وقامت حملة "باراك أوباما" في عام 2012 باستغلال مماثل لبيانات الناخبين، حيث طالبت الحملة مؤيديها بتنزيل تطبيق خاص بهم، وبمجرد تفعيله يتم جمع بيانات مستخدمي الفيسبوك وأصدقائهم وتواريخ ميلادهم ومواقعهم والإعجابات التي قاموا بها، وقد ذكرت الحملة وقتها أن هناك أكثر من مليون شخص قاموا بتحميل التطبيق، وهو ما يعني أنه ربما تكون الحملة قد تمكنت من الوصول إلى بيانات 190 مليون شخص دون علم بعضهم.

وقد ذكرت "كارول دافيدسن" مديرة التحليلات الإعلامية لدى الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" في تغريدات لها على موقع تويتر في 19 مارس 2018، أنهم قاموا بجمع معلومات عديدة من الفيسبوك بطرق كان من الممكن حظرها، ولم تقم الشركة بمنعهم نظرًا إلى أنها كانت تؤيدهم في ذلك الوقت، مؤكدة أنه تم استخدام هذه البيانات لاستهداف الناخبين عبر صفحات أصدقائهم ولتشجيع المواطنين للتصويت لصالح الديمقراطيين،وقد اختلفت ردود فعل الصحافة والإعلام بشكل جذري عن الوقت الحالي في التعليق على تطبيق أوباما، بينما استنكرت الصحف الأمريكية الأمر مع "ترامب"، واصفة ما حدث بأنه عملية احتيال، وأكبر خرق لخصوصية البيانات في تاريخ الفيسبوك.

صورة نشرتها "كارول دافيدسن" مديرة التحليلات الإعلامية لأوباما تثبت استخدام بيانات الفيسبوك في الحملة الانتخابية عام 2012

 

جدل واسع النطاق:

أرسل رئيس لجنة التجارة والعلوم والنقل بمجلس الشيوخ الأمريكي رسالة إلى "مارك زوكربيرج"، الرئيس التنفيذي لفيسبوك، مطالبًا إياه بمعلومات وإفادة بشأن بيانات المستخدمين في فيسبوك، كما أعلن رئيس البرلمان الأوروبي "أنتونيو تاجاني" "أن النواب الأوروبيين سيحققون بشكل كامل في هذا الانتهاك غير المقبول للحق في سرية المعطيات".

وفي هذا السياق، صرح المتحدث الرسمي باسم رئيسة الوزراء البريطانية "تيريزا ماي"، في 19 مارس 2018، بـ"أن بريطانيا قلقة للغاية من مزاعم استغلال شركة كمبردج أناليتيكا البريطانية لبيانات الملايين من مستخدمي فيسبوك، دون تصريح منهم، في حملات انتخابية". وفي هذا الإطار، وجه "داميان كولينز"، رئيس لجنة الثقافة والإعلام والرياضة، خطابًا إلى فيسبوك طالبه فيه بأن يدلي بشهادته في تحقيق حول كيفية استخدام الشبكة الاجتماعية "فيسبوك" في الحملات السياسية، بما في ذلك استفتاء الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. وقال "كولينز" إنه قد حان الوقت ليتوقف "زوكربيرج" عن الاختباء خلف صفحته على فيسبوك.

وتخضع الشركة البريطانية في الوقت الحالي لتحقيق حكومي من مكتب مفوض المعلومات البريطاني، كما قام الكونجرس باستدعاء بعض مسئولي موقع فيسبوك، بالإضافة إلى قيام محامين من الولايات المتحدة الأمريكية بتحقيقات حول انتهاك فيسبوك لسرية المعلومات.

فيما نفت حملة "ترامب" استخدامها مثل هذه البيانات، حيث أكد "براد بارسالي" الذي كان يدير عمليات "ترامب" الرقمية بالحملة في عام 2016، أن الحملة لم تستخدمها، وأنها اعتمدت على بيانات الناخبين من خلال اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري. وأشار آخرون إلى أن الحملة لم تستخدم بيانات أناليتيكا إلا في الانتخابات التمهيدية، وأنها لم تستخدمها في الانتخابات العامة، وذلك وفقًا لـCBS News، كما أفادت بأن حملة "ترامب" قد استخدمت عقب ذلك بيانات اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، وأكدت أنها أكثر دقة من بيانات الشركة البريطانية.

تداعيات معقدة:

تؤثر انتهاكات الفيسبوك لخصوصية بيانات المستخدمين على ثقة المستخدمين فيه، وقد أثارت الأزمة الحالية شكوك العديد من المستخدمين حول مآلات بياناتهم التي لم يتوقعوا أن تستخدم خارج الإطار المحدد لها، خاصة وأن من قاموا بالمشاركة في ذلك الاختبار لم تكن لديهم أدنى معرفة بأنهم بذلك يشاركون بياناتهم مع حملة "دونالد ترامب"، أو أن هذه البيانات سيتم استخدامها على أي نحو خارج ذلك الاختبار ودون الحصول على موافقتهم قبل الشروع في استخدامها، ولهذا فمن المتوقع أن يقوم فيسبوك بالمزيد من إجراءات الضمان والحماية لبيانات مستخدميه، تفاديًا لعدم تكرار هذا الاختراق مرة أخرى، خاصة وأن المدير التنفيذي للموقع سبق وتعهد بداية عام 2018 بإصلاح الفيسبوك مع تكرار الشكاوى من الموقع؛ كانتشار المعلومات المغلوطة، والأخبار الكاذبة، وعدم السرعة في إزالة المحتويات السيئة، والتي دفعت الكثير من الأشخاص -خاصة السياسيين- إلى الانسحاب من الموقع.

وقد طالب فيسبوك بضرورة خضوع الشركة البريطانية لهيئة تحقيق قضائية، ولم يكتفِ بذلك، بل يقوم بالضغط بكافة السبل الممكنة على الشركة من أجل الحصول على إجابات تتعلق بما حدث، خاصة وأنه كان قد حصل على تأكيدات من الشركة عام 2015 بأنها قد قامت بحذف جميع هذه البيانات. وفي هذا الإطار، قام بالتعاقد مع متخصصين قانونيين من شركة Stroz Friedberg للمساعدة في الوصول إلى حقيقة الأمر، ولكن يبدو أن تحقيق فيسبوك سيضطر إلى الانتظار حتى تكمل السلطات الرسمية تحقيقاتها.

ختامًا، من المتوقع أن تفرض شركة فيسبوك مزيدًا من إجراءات حماية الخصوصية، وقد تقوم بمنع بعض التطبيقات التي يتطلب تنزيلها الدخول على فيسبوك والاطلاع على البيانات المتاحة عليه.


الكلمات المفتاحية: الفيسبوك