التحليلات - التوجهات الإعلامية

هواجس السيطرة:

لماذا تلجأ الدول لبناء تطبيقات بديلة للفيس بوك والواتس آب؟

د. فاطمة الزهراء عبدالفتاح

الثلاثاء, 13 مارس, 2018

هواجس السيطرة:

جاء الإعلان التركي عن طرح تطبيق وطني لتبادل الرسائل عبر الهواتف المحمولة كبديل محلي لتطبيق واتساب الأمريكي، ليثير المخاوف بشأن تعزيز الرقابة الحكومية على الاتصالات الرقمية. إلا أنه أيضًا أعاد إلى الواجهة الحديث القديم الجديد حول تنامي استحواذ عمالقة التواصل الاجتماعي، وعلى رأسهم فيسبوك وجوجل، على هذا السوق المتنامي لهذه المواقع، ومحاولات الانفلات من هذه الهيمنة عبر طرح بدائل وطنية، وهي المحاولات التي حققت نجاحًا في بعض الدول مثل روسيا من خلال موقع "في كي"، بالإضافة إلى الموقع الصيني "وي تشات"، وغيرها، كما تم إطلاق بعض مواقع التواصل الاجتماعي العربية، بيد أنها لم تحقق النجاح المنشود.

هيمنة "الفيسبوك":

وصل عدد مستخدمي الفيسبوك النشطين شهريًّا إلى ما يزيد عن 2.13 مليار مستخدم وفقًا لما أعلنه الفيسبوك في يناير 2018، 10% منهم فقط من سكان الولايات المتحدة، فيما تنتشر النسبة المتبقية بين دول العالم المختلفة، ليأتي على رأس شبكات التواصل الاجتماعي الأكثر انتشارًا حول العالم، يليه موقع يوتيوب بإجمالي 1.5 مليار مستخدم، ثم تطبيقا واتساب وفيسبوك ماسنجر بواقع 1.3 مليار لكلٍّ منهما، والمملوكَيْن لشركة فيسبوك أيضًا التي ارتفعت قيمتها السوقية إلى 407 مليارات دولار واتجهت لصفقات استحواذ واسعة بلغت 66 صفقة.

وقد أثارت هذه الهيمنة مخاوف عديدة، لا سيما في ظل تنامي حجم البيانات التي يمتلكها فيسبوك وغيره من الشبكات الأكثر انتشارًا عن مستخدميهم ونشاطاتهم وعلاقاتهم وغيرها من البيانات التي يقدمها المستخدمون بشكل طوعي، وهو ما بلغ حد المطالبة بتأميم فيسبوك بدعوى الاحتكار، وهو الطرح الذي أيده البروفيسور الأمريكي "فيليب هوارد" أستاذ الاتصالات بجامعة واشنطن وزميل مركز جامعة برينستون لسياسة تكنولوجيا المعلومات عام 2012، منتقدًا ممارسات الشركة التي تنتهك الخصوصية، ومطالبًا بإتاحة قواعد البيانات الثرية التي تمتلكها لتحسين السياسات العامة ودعم الأفكار الإبداعية بدلًا من تحقيق الربح فحسب، وهو ما لاقى انتقادات عنيفة حفاظًا على سياسات السوق الأمريكي ومنع هيمنة الحكومة الفيدرالية.

وعلى الرغم من تطرف دعوات "التأميم"، إلا أنه لا يمكن إنكار مخاطر امتلاك الشركات العاملة في هذا المجال لهذا الحجم الضخم من البيانات، وما يمكن أن تولده من معلومات مع إخضاعها لعمليات التحليل الآلي وربط بيانات التطبيقات المختلفة ببعضها بعضًا، وهو ما سيكتسب أبعادًا أكبر مع انتشار تقنيات إنترنت الأشياء وغيرها من التكنولوجيات الأكثر تقدمًا في المستقبل القريب، إذ تشير الإحصاءات إلى أن فيسبوك يختزن كل يوم 4 بيتابايت جديدة من البيانات (4 ملايين جيجابايت)، وأنه خلال الدقيقة الواحدة يتم رفع 300 ساعة فيديو جديدة على يوتيوب، وخلال الثانية الواحدة يتم نشر 7 آلاف تغريدة على تويتر و831 صورة على إنستجرام وإجراء 3 آلاف مكالمة على سكايب.

محاولات عربية:

يتمتع العالم العربي بعدد وافر من المنتديات النشطة، والتي يميل أغلبها إلى التخصص وتكوين مجتمعات افتراضية تجمعها اهتمامات مشتركة مثل "برامجي" و"ترايدنت" و"سوالف" للبرمجيات وغيرها، إلى جانب شبكات المنتديات المتنوعة مثل "الإقلاع"، وهو الانتشار الذي لم يكن من نصيب تجارب الشبكات الاجتماعية العربية التي ظلت محدودة الانتشار والتأثير.

فعقب عام 2011 والرواج الذي شهده استخدام هذه الشبكات، تم إطلاق عدة محاولات لتدشين مواقع للتواصل الاجتماعي والتي اقتربت في الشكل وطريقة الاستخدام من تجربة المنتديات، إذ ظهرت عدة مواقع تميل إلى التخصص، مثل: "ترستوس" لتقييم المنتجات، و"فنون زون" للتواصل بين الفنانين والتدوين حول الموضوعات الفنية، و"مصوراتي" للتصوير، وكتبيديا وكذلك "بدل كتابك" لمناقشة الكتب وتبادلها وتحاكي في ذلك تطبيق "جود ريدز" الشهير، ولم يقتصر الاتجاه للتخصص على أساس الموضوع فحسب وإنما امتد للتخصص على مستوى الجمهور، مثل شبكة "أريبيا" التي أسسها مهندس أردني عام 2011 كشبكة تواصل اجتماعي بين المغتربين العرب، وتقول إنها اجتذبت مليون مستخدم في عامها الأول.

وتحاكي هذه الشبكات المنتديات، ولكنها تعتمد على نفس استراتيجية استخدام الشبكات الاجتماعية من حيث التسجيل والنشر والتبادل والتشبيك عبر المتابعة والإضافة، ولكن يبدو أنها اتجهت إلى التخصص بحثًا عن مساحات جديدة بعيدًا عن التواصل الاجتماعي العام الذي يسيطر عليه عمالقة التواصل العالميين وفي مقدمتهم فيسبوك، أخذًا في الاعتبار وجود شبكات عامة مثل "الوصلة" الذي يعرف نفسه بأنه "التواصل الاجتماعي بالطريقة العربية"، ما يجعله أقرب لمواقع التعارف.

وعند مناقشة التجارب العربية في هذا الشأن لا يمكن إغفال عدة تجارب هامة قدمت مساحات جديدة، وفي مقدمتها موقع "صراحة" الذي قدم تجربة مختلفة تقوم على تلقي التعليقات من الأشخاص دون الإفصاح عن هويتهم، وحث المستخدمين على مشاركة الرسائل عبر الشبكات الاجتماعية المختلفة، وقد لاقى التطبيق انتشارًا كبيرًا حتى بلغ عدد مستخدميه في 12 يومًا 6.5 ملايين، وتَصَدَّر كلمات البحث الأكثر رواجًا على جوجل، وقد أسس هذا الموقع المهندس السعودي "زين العابدين توفيق" بغرض التواصل بين الموظفين ورؤسائهم في العمل، ثم توسعت الفكرة لمستخدمي الإنترنت العاديين.

وكذلك تجربة شبكة "قعدة" الجزائرية Ga3da، والتي على الرغم من عدم استمرارها إلا أنها بدت تحاكي شبكة مايندس Minds التي أسستها مجموعة أنونيمس، وتعتمد على منح المستخدمين حصة من أموال الإعلانات بنظام للنقاط يقوم على أنشطتهم على الشبكة، كما قدمت مجموعة من المواقع العربية الأخرى تجارب مماثلة على الرغم من تواجدها بالولايات المتحدة، إلا أنه تم تطويرها على أيدي مهندسين عرب مثل موقع" باز" Bazz الذي يقدم ما يشبه منصة تحكّم يتمكن من خلالها المستخدم من نشر المحتوى عبر حساباته المختلفة، والحصول على الموضوعات الأكثر تداولًا، وتطبيق "تشاينو" Chaino الذي أسسه مهندسان مصريان، ويعمل تحت مظلة شركة "بي توجزر" بالولايات المتحدة المنتجة أيضًا لتطبيق زينجو لتبادل الصور، وركزت الشبكة على مفهوم "الخصوصية" وتحكم المستخدم وقدرته على حذف البيانات بشكل نهائي وغيرها من الخصائص التي طالما كانت مثار انتقادات لفيسبوك.

دوافع متعددة:

جاءت بعض النسخ "الوطنية" -إن جاز التعبير- من مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي بدوافع سياسية وأخرى بدوافع استثمارية، فيما جاءت بعض المحاولات بدوافع ثقافية، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:

1-السيطرة على الإنترنت: قامت الصين -والتي تصنف ضمن الدول الأعداء للإنترنت- بإطلاق تطبيقات اجتماعية صينية في ضوء سياسة بكين للرقابة على الشبكة الدولية الخاضعة لرقابة صارمة ضمن مشروع "الدرع الذهبي" الذي تديره وزارة الأمن العام، ما دفع النظام لفرض الحظر على كبرى شركات التكنولوجيا في العالم وفي مقدمتها جوجل وفيسبوك، وإنشاء شركات بديلة توفر خدمات مماثلة لأكثر من 770 مليون مستخدم بالبلاد.

كما تفرض روسيا سيطرة حكومية على موقع التواصل الاجتماعي الأشهر "في كي" (VK)، فالموقع الذي بدأ بشكل مماثل لفيسبوك، إذ أسسه الشاب الجامعي "بافل دوروف" للتواصل مع زملاء الدراسة، إلا أن السلطات الحكومية ضغطت لإغلاق صفحات نشطة عليه في 2011، وهي الضغوط التي أعقبها بيع "دوروف" أسهمه لأطراف على صلة بالكرملين، ثم غادر الموقع تمامًا عام 2014، وأطلق بيانًا أعرب فيه عن عدم رضاه عن الطريقة التي يُدار بها "في كي" والذي بات مملوكًا لرجل الأعمال ذي الأصل الأوزبكي "أليشر أوسمانوف" وصندوق الاستثمار، وهي الأطراف التي وصفتها "الجارديان" بالصديقة للكرملين.

أما "واتساب" التركي الجديد فليس مملوكًا لأطراف "صديقة" للنظام، وإنما هو مملوك للنظام نفسه، فالتطبيق الذي يحمل اسم "بي بي تي ماسنجر" يحمل الحروف الأولى للهيئة العامة للبريد والبرقيات التركية، وعلى الرغم من إعلان المتحدث باسم الحكومة أن التطبيق لا يختزن أي بيانات، إلا أن ذلك لم يمنع المخاوف من استخدامه في مراقبة المعارضة، وتعزيز الرقابة الحكومية على المراسلات، تزامنًا مع حملة الاعتقالات والتضييق التي أعقبت المحاولة الانقلابية في يوليو 2016.

2-دعم الخصوصية الثقافية: في مقابل هذه الدوافع السياسية، شهدت إسطنبول عام 2012 محاولة لإطلاق "فيسبوك إسلامي"، وهي المبادرة التي أطلقها رجال أعمال من 13 دولة إسلامية لتأسيس شبكة بديلة تحمل اسم "سلام وورلد"، والتي جعلت شعارها "لا محرمات لا حواجز لا سياسة"؛ إلا أن المشروع لم يكتمل، وسرعان ما اختفت الشبكة الوليدة من على الإنترنت، والتي يبدو أنها سعت لتقديم "محمية ثقافية دينية" بأدوات مناقضة للفكرة تمامًا.

3- تعزيز الاستثمار الرقمي: بينما جاءت التجارب العربية مختلفة تمامًا، إذ إنها لم تكن على نفس الحجم من الانتشار، كما أنها لم تكن بدوافع رقابية مثل الصين، أو مملوكة لأطراف صديقة للنظام مثل روسيا، أو مملوكة للنظام نفسه مثل تركيا، كما أن أيًّا منها لم يدّعِ تعبيره عن خصوصية ثقافية ما، وإنما جاءت بمبادرات خاصة من أفراد تقنيين يستثمرون في السوق الرقمي، بل إن بعضها بات مملوكًا لشركات غير عربية، كما سبق التوضيح، وهو ما يكشف عن سعي الكوادر العربية الشابة للاستثمار في هذا السوق الصاعد، كما يكشف عن عدم قيام الحكومات بالاستثمار فيه بشكل مباشر أو أي من شركات الاتصالات والتكنولوجيا الوطنية، وهو الإحجام الذي يُعد مؤشرًا إيجابيًّا على الصعيد السياسي، إلا أنه تظل هناك حاجة لرفع معدلات الاستثمار الرقمي، وضخ الأموال في مجالات التطوير البرمجي على غرار خدمات الاتصالات مثلًا.

فرص محتملة:

يبدو من غير المنصف المقارنة بين فيسبوك والتطبيقات التي يمتلكها واتساب وإنستجرام، والتجارب الأخرى في المجال ذاته، ليس فقط بالنظر إلى القاعدة العريضة التي اكتسبها الأول بحكم دخوله المبكر للسوق العربي واستحواذه على النصيب الأكبر بحكم امتياز الارتياد المبكر للسوق (First-mover advantage)، حيث بات من الصعب رحيل المستخدمين عن الشبكة المترابطة التي أصبحوا جزءًا منها بالفعل، ولكن أيضًا بالنظر لحجم الاستثمار الذي تمتلكه الشركة والذي يجعلها في حالة من التطور المستمر يصعب مجاراته، حيث تشير الإحصاءات المحلية إلى أن فيسبوك أنفق ما يقارب 8 مليارات دولار على البحوث والتطوير خلال العام 2017 مقارنة بما يُقدر بحوالي 380 مليون دولار عام 2011.

وفي هذا الإطار، شهد العالم تجارب ناجحة في إيجاد بدائل للفيسبوك بالتوجه لقطاعات بعينها، مثل: ديفيان آرت DeviantArt الذي أصبح مجتمعًا عالميًّا لنحو 34 مليون فنان حول العالم، كما توجد تجارب لمواقع محلية اجتذبت المستخدمين المحليين وتجاوزت فيسبوك مثل شبكة في كي VK الاجتماعية في روسيا التي تعد الأكثر استخدامًا بالبلاد بإجمالي 47 مليون مستخدم شهريًّا. وكذلك تطبيق "أو كي" OK الذي يتمتع بنحو 31.5 مليون مستخدم، وهي التطبيقات التي تلقى انتشارًا يتجاوز فيسبوك غير المحظور في روسيا، بخلاف الصين التي وفرت بدائل محلية في ظل سياستها لفرض السيطرة على الإنترنت بشكل كامل، وقدمت تطبيقات بديلة في مقدمتها "وي تشات" الذي يمتلك ما يقدر بنحو 980 مليون مستخدم، وتطبيق "كيو كيو" بما يقدر بحوالي 843 مليون مستخدم، وشبكة "وكيو زون" التي بلغ مستخدموها 568 مليون، و"سينا ويبو" بحوالي 367 مليون مستخدم، وسط محاولات من فيسبوك لاقتحام السوق الصيني العملاق ولو بنسخة معدلة تلائم مواصفات بكين.

وتظل هناك بعض المؤشرات التي قد تبشر باحتمالات بناء تجربة عربية ناجحة للتواصل اجتماعي، أولها النجاح الفعلي الذي حققته بعض التجارب مثل تطبيق "صراحة"، وهو ما يكشف عن إمكانية تحقيق قدر وافر من الانتشار حال الخروج من عباءة فيسبوك والبحث عن نطاقات جديدة ومختلفة، وهو ما قد يدعمه نمو الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا بالعالم العربي، حيث تواجدت ستة دول عربية على مؤشر الاتصالات العالمي للعام 2017 هي: الإمارات، وقطر، والسعودية، ومصر، والمغرب، والجزائر، على التوالي. كما طرح الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في أكتوبر الماضي مبادرة "مليون مبرمج عربي" والتي استهدفت تنمية الكوادر البشرية في هذا المجال، بما يدعم فرص المحتوى العربي على الإنترنت.

وتشير هذه النجاحات إلى إمكانية طرح بدائل على النطاقات المحلية قادرة على تجاوز فيسبوك، شريطة تقديم قاعدة تقنية قوية توفر تصميمًا جيدًا واستخدامًا سهلًا، في إطار سياسة تراعي خصوصية المستخدمين واحتياجاتهم وخصائصهم، وتخرج عن عباءة فيسبوك لتقدم منتجًا مختلفًا قادرًا على اجتذاب المستخدمين، ليس بسياسات المنع والحظر التي تتبعها دول مثل الصين، ولكن باتباع قواعد السوق المعروفة بالاستثمار في البنى التحتية والبشرية للتكنولوجيا، وتوفير المناخ الملائم للعمل والاستثمار وريادة الأعمال، الأمر الذي ينتهي إلى تقديم منتج تقني إبداعي قادر على التجاوب مع خصوصيات بيئة إنتاجه.


الكلمات المفتاحية: روسياالصينواتساب