التحليلات - التفاعلات المجتمعية

صعود المهمّشين:

الدلالات السياسية لجوائز الأوسكار عام 2018

منى مصطفى

الثلاثاء, 06 مارس, 2018

صعود المهمّشين:

على الرغم من حرص "أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة" على استبعاد السجالات السياسية من حفل جوائز الأوسكار وتجنب الانتقادات الحادة التي وجهها المشاركون للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" العام الماضي؛ إلا أن السياسة ظلت حاضرة بقوة في اختيارات الأفلام المرشحة وكلمات الفائزين بالجوائز. وكانت قضية المساواة وتكافؤ الفرص وتمثيل مصالح المهمشين مهيمنة بقوة على الحفل. كما طغت اتجاهات العداء للسياسة والسلطة، في مقابل الاحتفاء بأدوار المجتمعات والأفراد، وقدرتهم على إحداث تغيير في حركة العالم.

انتقادات "هوليود":

جاءت سياقات تنظيم الدورة 90 من حفل توزيع جوائز الأوسكار شديدة الانتقاد لعلاقات القوة في صناعة السينما الأمريكية، فالاتهامات التي وُجهت للمنتج الأمريكي "هارفي وينستين" منذ أكتوبر 2017 من جانب عشرات السيدات بارتكاب انتهاكات أخلاقية قد أثارت عاصفة انتقادات لاختلال المعايير الأخلاقية الضابطة لعلاقات العمل في عالم السينما الأمريكية، كما طالت اتهامات مماثلة عددًا كبيرًا من رموز السينما والتليفزيون في الولايات المتحدة، مثل: "كيفن سباسي" و"جيمز توباك" و"جيرمي بيفين" و"داستن هوفمان" و"بريت راتنر" و"بريان سينجر" و"مورجان سبرلوك".

ويُعد تصاعد الاحتفاء بحركات مناهضة للتحرش مثل "#مي_تو" (MeToo#) و"تايمز آب" (Time's Up) والزخم الذي حظيت به، رسالة ضمنية بقدرة تضامن الأفراد على فرض رواياتهم للواقع ونقلها للعلن عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والتصدي للصور الدعائية التي تسعى المؤسسات الضخمة لصناعتها. 

ولم يكن هذا هو الانتقاد الوحيد الذي واجهته "هوليود"، فعلى الرغم من حرص منظمي الأوسكار على تجاوز اتهامات سابقة بالعنصرية والتمييز ضد الأقليات، واستبعادهم من الترشيحات لجوائز الأوسكار في الأعوام الماضية؛ فإن بعض الأفلام التي حصدت جوائز الأوسكار واجهت نفس الاتهامات، حيث اتهم بعض المتابعين فيلم "ثلاث لوحات إعلانية بالقرب من إيبينج في ميزوري" بتجاهل معاقبة الشرطي العنصري، وإيجاد المبررات النفسية لاستخدامه للعنف، ثم إظهاره لاحقًا بدور "الطيب" الذي يحاول المساعدة في تطبيق العدالة. كما وجهت انتقادات لذات الفيلم بالسعي لتبرير العنف والغضب والانتقام.

وواجهت أفلام أخرى اتهامات بالقرصنة الأدبية، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، فالفيلم الحائز على جائزة أفضل فيلم "شكل الماء" (The Shape of Water) يواجه دعوى قضائية بانتهاك حقوق التأليف لمسرحية ترجع إلى عام 1969، وكذلك فيلم "بيبي درايفر" (Baby Driver) الذي تتم مقاضاته حاليًّا من جانب عدد كبير من عائلات مؤلفي ومنتجي الأغاني الكلاسيكية الأمريكية بتهمة توظيفها في الفيلم دون الحصول على موافقتهم أو منحهم مقابلًا ماديًّا لاستغلالها في المصنف الفني. 

بينما تم انتقاد فيلم "ذا بوست" (The Post) بسبب المغالطات في السرد التاريخي وتوظيف روايات غير حقيقية حول الصحيفة التي نشرت دراسة سرية للبنتاجون في حرب فيتنام، وركزت الانتقادات لأفلام أخرى مثل "نادني باسمي" (Call me by My Name) و"امرأة رائعة" (Wonderful Woman) على الاصطدام المُتعمد بالقيم المجتمعية المحافظة، وهو نهج تدعمه وتروج له صناعة السينما الأمريكية خلال العقد الأخير.

الرسائل السياسية:

في مقابل تركيز حفل توزيع الأوسكار العام الماضي على السخرية اللاذعة من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"؛ فإن قضايا المهمشين والأقليات والجماعات المُستبعدة قد هيمنت على احتفالية عام 2018، وبدا الموقف الدفاعي لأقطاب "هوليود" واضحًا بقوة في اختيارات الأفلام التي حصدت الجوائز والمساحة التي حظيت بها السيدات وحركات مناهضة الانتهاكات ضد المرأة.

وفي السياق ذاته، سعت "هوليود" لنفي الطابع النخبوي المغلق لمجتمع السينما الأمريكية وهيمنة رؤوس الأموال على هذه الصناعة، وهو ما دفع المنظمين إلى تركيز الضوء على الأفلام منخفضة الميزانيات التي لم تحظَ بقدر كبير من الإيرادات، حيث تصدرت أفلام مثل: "شكل الماء"، و"ثلاث لوحات إعلانية بالقرب من إيبينج في ميزوري"، و"الساعة المظلمة"، و"السيدة طائر" (Lady Bird)، وفيلم "اخرُج" (Get Out)، وجميعها من الأفلام منخفضة الميزانية والإيرادات. وفي هذا الصدد تمثلت أهم الرسائل السياسية الضمنية في الأفلام الحائزة على جوائز الأوسكار وكلمات المشاركين فيما يلي:

1- العداء للسياسة: انطوت بعض الأفلام الفائزة بجوائز الأوسكار على رسائل شديدة العداء للسياسة وعلاقات السلطة، ففيلم "شكل الماء" الفائز بجائزة أحسن فيلم لهذا العام قد وجه اتهامات حادة لسعي السلطة "لأمننة الطبيعة"، واستعرض ضمن الأحداث حالة الصراع والتناقض بين ممثلي السلطة من جانب والأفراد والمجموعات. ومن الجدير بالذكر أن عاملات النظافة والعلماء المتخصصين والجيران المسالمين قد حصلوا على أدوار البطولة على حساب ممثلي السلطة في الفيلم.

وظهرت هذه الصراعات بشكل أكثر وضوحًا في فيلم "ثلاث لوحات إعلانية بالقرب من إيبينج في ميزوري"، والذي يعرض محاولات أم غاضبة  لتحقيق العدالة  بعد مقتل ابنتها، وتحدي سلطة الأمن عبر استئجار ثلاث لوحات إعلانية في طريق مهجور، ونشر إعلانات تنتقد رئيس جهاز الشرطة، وتتهمه بالتخاذل وعدم بذل الجهد الكافي للتحقيق في القضية.

 

وتضمن الفيلم رسائل شديدة الغضب ضد علاقات القوة التي تُمارسها السلطة والمجتمعات، ولم يكن توجيه الفيلم الاتهام لأحد الجنود الأمريكيين بقتل والتنكيل بفتاة أخرى أثناء أداء الخدمة العسكرية بالخارج وإصرار قادته على عدم توجيه اتهامات إليه، ودور الشرطي العنصري الذي يمارس العنف ضد الأقليات؛ مجرد سرد لتفاصيل عابرة، إذ يمكن اعتباره ضمن رسائل الإدانة التي يوجهها الفيلم لحالة التعتيم والتستر على الممارسات الإجرامية ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية الأمريكية.

2- تمكين المهمشين: جاءت الأقليات والجماعات المهمشة في صدارة احتفالية الأوسكار هذا العام، فعلى حد تعبير "لي أونكريتش" المخرج المشارك بفيلم "كوكو" (Coco) الحائز على جائزة أفضل فيلم رسوم متحركة؛ فإن "التمثيل العادل يعد أمرًا مهمًّا"، وهو ما يعبر عنه هذا الفيلم بقوة، حيث بُني على أساطير وشخصيات من أمريكا اللاتينية حول العلاقة بين عالم الأحياء وعالم الموتى والأواصر التي تربط الأفراد بعائلاتهم، وكان ترديد بعض المشاركين التحية للمكسيك، وإعراب بعض المشاركين بفخرهم بالانتماء لطائفة المهاجرين إلى الولايات المتحدة؛ تعبيرًا عن رفض اتجاهات الانعزالية وبناء الأسوار العازلة التي تتبناها إدارة "ترامب" تجاه العالم.

كما يتضح ذلك من الاحتفاء بمشاركة السيدات بشكل كبير، وهو ما اعتبره بعض المعلقين محاولة للتغلب على الاتهامات الموجهة لهوليود بانتهاك حقوق المرأة، وجاءت كلمة الممثلة الأمريكية "فرانسيس ماكدورماند" معبرة عن هذا الاتجاه، بتأكيدها على ضرورة التمثيل العادل لمصالح السيدات ومواجهة التمييز ضدهم، وهي ذات الرسالة التي تضمنها خطاب ممثلي حركة "تايمز أب" (Time's Up) الذين استعرضوا ما تتعرض له السيدات من انتهاكات ضمن صناعة السينما الأمريكية.

 وفي هذا السياق، حظي الممثلون الأمريكيون من أصول إفريقية بتمثيل بارز في الأوسكار هذا العام، وعلى مستوى الترشيحات للجوائز؛ إلا أن بعض مقدمي الجوائز قد سخروا من استمرار اختلال التوازن العرقي ضمن جوائز الأوسكار، وعدم تجاوز تهميش السود والأقليات.

 وعلى مستوى آخر، ركز مقدم الحفل "جيمي كيمل" -وهو من مقدمي البرامج الكوميدية- على ضرورة توجيه التحية والتقدير لجمهور السينما في إطار السعي لكسر العلاقات المتعالية بين صانعي الأفلام والمشاهدين، بالإضافة إلى نفي نخبوية وتعالي "هوليود" وانعزال صانعي السينما عن الواقع.

3- قوة المجتمعات والأفراد: هيمن على غالبية الأفلام الحائزة على جوائز الأوسكار قصص أفراد عاديين ومجموعات مهمشة يتحدون التيارات السائدة التي تتبناها الأغلبية في الدول والمجتمعات، مثل فيلم "ثلاث لوحات إعلانية بالقرب من إيبينج في ميزوري" والذي تدور قصته في بلدة صغيرة بعيدة عن مركز التفاعلات بالولايات المتحدة.

وظهرت قوة المجتمعات بوضوح في فيلم "دونكيرك" (Dunkirk) الذي يسرد قصة حصار القوات البريطانية والفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، فالبطل الأهم في هذا الفيلم المدنيون الذين قاموا بإنقاذ القوات المحاصَرة بمراكب الصيد والنقل الصغيرة بعدما عجزت السفن الحربية والبوارج عن الصمود أمام قصف القوات الجوية الألمانية. وعرض الفيلم مساندة المجتمعات للجيوش خلال الحرب، فالجنود الذين تم إجلاؤهم من شاطئ دونكيرك لم يتم التنكيل بهم من جانب العامة، وإنما تمت معاملتهم باحترام كأبطال منتصرين لتحفيزهم على الاستمرار في الدفاع عن أوروبا ضد النازية.