التقديرات

رسائل مختلفة:

ماذا يعني فرض عقوبات أمريكية على بنك "خلق" التركي؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء, 23 يناير, 2018

رسائل مختلفة:

يشير اتجاه السلطات الأمريكية في الفترة الأخيرة نحو ملاحقة عدد من الأشخاص والكيانات التركية، ومن أهمها بنك "خلق"، بتهمة التورط في انتهاك العقوبات الأمريكية على إيران خلال الفترة من عام 2011 وحتى عام 2015، إلى استمرار تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا منذ أكثر من عامين، بالتوازي مع الجهود التي تبذلها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل حث حلفاءها على ضرورة تطبيق العقوبات الأمريكية المفروضة مؤخرًا على الشركات التابعة للحرس الثوري، وبما يعرقل في الوقت نفسه المشروعات الاقتصادية المتفق عليها بين عدد من الشركات الغربية وإيران في العامين الماضيين.

ومن دون شك، فإن فرض عقوبات على بنك "خلق" قد يتسبب في متاعب مالية كبيرة للبنك، إذ تشير بعض الاتجاهات إلى احتمال وصول الغرامات المتوقعة إلى مليارات الدولارات، فضلاً عن تقويض سمعة البنك والنظام المصرفي التركي دوليًا. فيما قد تتسبب هذه الخطوة المحتملة في إثارة مخاوف المستثمرين الأجانب من ضخ رؤوس أموالهم بالسوق التركية، وبما قد يؤثر سلبًا على قيمة العملة التركية والاقتصاد التركي خلال الفترة المقبلة.

ضغوط أمريكية:

لم يمنع الوصول للاتفاق النووي بين إيران ومجموعة "5+1" السلطات الأمريكية من الحرص على مواصلة ملاحقاتها لكيانات وأشخاص أتراك ممن انتهكوا العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة على إيران خلال الفترة من عام 2011 وحتى عام 2015.

ففي الوقت الراهن، ينظر القضاء الأمريكي في اتهامات موجهة لمحمد هاكان أتيلا، وهو مسئول تنفيذي في بنك "خلق"، بمساعدة رضا ضراب رجل الأعمال الإيراني- التركي في القيام بعمليات غسيل أموال ساعدت إيران في الحصول على النقد الأجنبي ودعم اقتصادها أثناء فترة العقوبات الأمريكية. فيما من المنتظر أن يصدر القضاء الأمريكي حكمًا نهائيًا ضده في إبريل المقبل.

وفي واقع الأمر، فإن دائرة الاتهامات الأمريكية تطال عددًا كبيرًا من الأشخاص الآخرين بينهم وزير الاقتصاد السابق ظافر كاجلايان ونائب مدير عام بنك "خلق" سليمان أصلان، لتورطهما في عمليات غسيل أموال لصالح إيران، إلى جانب رضا ضراب.

وقد مارس الأخير دورًا محوريًا في تحايل إيران على العقوبات الاقتصادية من خلال بناء شبكة لتمويلها بالذهب مقابل الحصول على شحنات من النفط والغاز الطبيعي، وبما دفع السلطات الأمريكية لاعتقاله في مارس 2016 كأحد المتهمين الرئيسيين في انتهاك العقوبات الأمريكية قبل أن يتحول إلى شاهد لاحقًا، مما عقد من المسئولية الجنائية للمتهمين الأتراك.

وبالتوازي مع الاتهامات السابقة، شهدت العلاقات الأمريكية- التركية توترًا حادًا في العامين الماضيين لأسباب مختلفة يأتي على رأسها رفض واشنطن تسليم فتح الله جولن المتورط، بحسب السلطات التركية، في محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في يوليو 2016، وهو ما جعل المسئولين الأترك يعتبرون هذه الاتهامات، بطبيعة الحال، غير عادلة وتمثل نوعًا من التدخل من قبل المحاكم الأمريكية في الشئون الداخلية التركية.

لكن في الوقت نفسه، ونتيجة لاستمرار الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على تركيا في هذه القضية، أبدت الأخيرة انصياعها لأية عقوبات مفروضة ضد بنك "خلق"، وهو ما عبر عنه نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية محمد شيمشك بقوله، في 14 يناير الجاري، أن البنك سيسدد أية غرامة تفرضها واشنطن ضده.

وفيما يبدو أن تركيا ترغب في تجنب سيناريو آخر، يتمثل في إحالة القضية إلى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، والذي يبدي مرونة أكبر في فرض الغرامات على أية مؤسسات مخالفة لقوانين العقوبات الأمريكية دون اللجوء إلى المحاكم الجنائية مثل العقوبات الصادرة ضد بنك "بي إن باريبا" الفرنسي في عام 2014.

دلالات متعددة:

يأتي اتهام أشخاص وكيانات تركية بانتهاك العقوبات الأمريكية وسط تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا في العامين الماضيين، وهو ما لا يعود فقط إلى الموقف الأمريكي الرافض لتسليم فتح الله جولن، وإنما أيضًا إلى استمرار الدعم الأمريكي لميليشيا "وحدات حماية الشعب" الكردية في سوريا، والتي تعتبرها تركيا حليفًا لـ"حزب العمال الكردستاني".

فيما اتخذت العلاقات التركية- الأمريكية منعطفًا سلبيًا جديدًا في أكتوبر 2017، عندما علّقت الولايات المتحدة خدمات التأشيرات في بعثاتها بتركيا في أعقاب اعتقال تركيا لموظف محلي في القنصلية الأمريكية في اسطنبول، وهو ما ردت تركيا عليه بالمثل، بالتوازي مع وجود عدد من المواطنين الأمريكيين قيد الاحتجاز بدعوى مساندة حركة "خدمة" التي يتزعمها جولن.

ويبدو أن تركيا كانت تسعى من خلال ذلك إلى مساومة المحتجزين بمن تمت إدانتهم بانتهاك العقوبات الأمريكية. وفي تطور سلبي آخر، حذرت وزارة الخارجية التركية المواطنين، في يناير الجاري، من السفر إلى الولايات المتحدة نتيجة تزايد مخاطر الهجمات الإرهابية.

وبطبيعة الحال، فإن اتجاه السلطات الأمريكية نحو فرض عقوبات على بنك "خلق" سيكون سببًا آخر لمزيد من تصاعد التوتر بين الطرفين، خاصة في حالة ما إذا استخدمتها الولايات المتحدة كأداة لممارسة ضغوط على تركيا في الملف السوري.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن هذه الإجراءات الأمريكية سوف تؤدي إلى عرقلة عدد من المشروعات والصفقات التي أبرمتها إيران مع عدد من الشركات الغربية والإقليمية منذ عام 2016، وهو ما بدت مؤشراته جلية في إعلان شركة "إيرباص" الفرنسية مؤخرًا عن احتمال تأخر تسليم صفقتها للطائرات مع إيران وفق الجدول الزمني المقرر في السابق، وذلك، فيما يبدو، لأسباب تتعلق بارتفاع مخاطر تنفيذ هذه الصفقة نظرًا لتشديد العقوبات الأمريكية.

ضغوط اقتصادية:

من دون شك، سوف تفرض إدانة القضاء الأمريكي لبنك "خلق" تداعيات سلبية عديدة على الأخير، يتمثل أبرزها في تكبد البنك غرامات قد تصل إلى 10 مليار دولار بحسب بعض الاتجاهات. وربما لن تكون القاعدة الرأسمالية للبنك البالغة 74 مليار دولار قادرة على تحمل هذه الأعباء المالية، وهو ما سيؤدي إلى تحويلها، في الغالب، إلى الموازنة العامة التركية، أو إلى الاتجاه نحو الاقتراض من أجل تمويلها. 

كما سيتسبب فرض عقوبات على البنك في الإضرار بسمعته على المستوى الدولي، إذ قد تصبح البنوك الدولية أكثر حذرًا، على الأقل في الأجل القصير، في إجراء معاملات مالية أو قروض دولية جديدة مع البنك.

ومن منظور اقتصادي أوسع، من المتوقع أن يؤدي فرض عقوبات على البنك التركي إلى انعكاسات سلبية على الأداء الاقتصادي في تركيا، إذ من شأنها أن تزيد من حدة المخاطر الجيوسياسية في البلاد، وبما قد يؤدي إلى هبوط قيمة العملة التركية أو تخارج رؤوس الأموال الأجنبية على غرار العام الماضي، عندما تسبب بدء محاكمة رضا ضراب، في نوفمبر الماضي، في هبوط الليرة إلى أدنى مستوى لها تاريخيًا عند 2.9 مقابل الدولار.

لكن رغم هذه التداعيات السلبية، ربما لا يستغرق تأثير العقوبات على البنك التركي فترة طويلة مثلما حدث عندما تعرضت بعض الكيانات الدولية لعقوبات وغرامات أمريكية جراء انتهاك العقوبات المفروضة على إيران، واستطاعت تجاوزها في الأجل المتوسط.

وسوف يرتبط ذلك، على ما يبدو، بمدى نجاح أنقرة في تحسين علاقاتها السياسية المتوترة ليست فقط مع الولايات المتحدة وإنما مع دول الاتحاد الأوروبي أيضًا، حيث أن استمرار الخلافات الحالية قد يتسبب في أضرار تجارية واستثمارية أوسع وخاصة أن كليهما شريكان رئيسيان لتركيا.

ومن هنا، يمكن القول إن العقوبات أو الغرامات المحتملة على بنك "خلق" قد تفرض متاعب مالية واقتصادية لتركيا، ربما يتسع نطاقها خلال الفترة المقبلة، لا سيما في حالة ما إذا تصاعدت حدة التوتر بين الأخيرة والولايات المتحدة بشكل أكبر خلال المرحلة القادمة.