التحليلات - التحولات الاقتصادية

استعادة التوازن:

توقّعات قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط عام 2018

إبراهيم الغيطاني

الأربعاء, 10 يناير, 2018

استعادة التوازن:

حقّق قطاع الطاقة في منطقة الشرق الأوسط تحسنًا نسبيًّا تزامنًا مع استقرار الأسعار العالمية للنفط عند مستويات مرتفعة منذ أواخر عام 2017، وهو ما سيزيد من إيرادات الشركات النفطية خلال العام المقبل، كما سيسهم في تقليص عجز الموازنات العامة للدول المصدرة النفط. ويُعد هذا المناخ مشجعًا لمنتجي النفط والغاز في المنطقة على زيادة إنفاقهم الرأسمالي، واستكمال خطط زيادة الطاقة الإنتاجية، كما ستستمر دول المنطقة في التوسع في قطاع الطاقة المتجددة استغلالًا لإمكاناتها الكبيرة (مثل: الطاقة الشمسية، والرياح)، وبما قد يحقق لها وفورات اقتصادية واسعة. وفي المقابل، يواجه قطاع الطاقة في الشرق الأوسط عددًا من التهديدات يتمثل أبرزها في عدم اليقين بشأن أسعار الطاقة، والتهديدات السيبرانية، والصراع على الموارد النفطية بالمنطقة.

استقرار أسعار النفط: 

تأثر قطاع النفط في منطقة الشرق الأوسط بشدة بانخفاض الأسعار العالمية للنفط في السنوات الثلاث الماضية، إلا أن عام 2017 قد شهد استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبيًّا، حيث تجاوزت الأسعار حاجز 60 دولارًا للبرميل لأول مرة منذ عام 2015، ومن المرجح أن تتعافى إيرادات القطاع تدريجيًّا، بما سيعود إيجابًا على ميزانيات الشركات النفطية العاملة في المنطقة. 

ويرتبط تصاعد الأسعار العالمية للنفط بتوصل منظمة "أوبك" لاتفاق مع بعض منتجي النفط المستقلين، وعلى رأسهم روسيا، لاتفاق حول تمديد خفض الإنتاج في نوفمبر 2017. ويتزامن ذلك مع تأثيرات التوترات السياسية في منطقة الشرق الأوسط على إنتاج النفط، واستهداف المنشآت النفطية وموانئ التصدير في بعض الدول مثل ليبيا. ووفق تقديرات مراقبي صناعة النفط، فمن المتوقع أن يزيد متوسط أسعار النفط بما يتراوح بين 2-7 دولارات خلال عام 2018 لتصل إلى حوالي 65 دولارًا للبرميل في المتوسط.

ووفقًا لشركة "جولد مان ساكس"، فمن المحتمل أن يستقر خام برنت عند مستوى 62 دولارًا للبرميل في عام 2018، في حين سيصل الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط إلى 57.50 دولارًا. بينما تشير تقديرات متحفظة للبنك الدولي إلى أن أسعار النفط لن تتجاوز 56 دولارًا للبرميل.

ومن المتوقع أن تتحسن إيرادات القطاع النفطي في الدول المُصدِّرة للنفط نتيجة زيادة أسعار النفط، وهو ما سيساهم -بجانب الإصلاحات المالية- في خفض واضح لعجز الموازنات العامة، وذلك بنحو نقطتين مئويتين من 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 إلى 4.5% في عام 2018، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي.

شكل (1): توقعات متوسط أسعار النفط (دولار للبرميل)


المصدر: البنك الدولي، أكتوبر 2017

استمرار التوسعات الاستثمارية: 

يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تحفيز المنتجين على مواصلة تنفيذ خططهم الاستثمارية الطامحة لزيادة الطاقة الإنتاجية للنفط، غير أن وتيرة نمو النفقات الرأسمالية في المنطقة ستكون أبطأ بطبيعة الحال عما كانت عليه في السنوات السابقة. وبنهاية العام الماضي، أعلن عدد كبير من الدول المنتجة للنفط بالمنطقة عن خطط استثمارية توسعية مثل المملكة العربية السعودية التي تخطط من خلال شركة أرامكو لإنفاق 334 مليار دولار في قطاع النفط والغاز بحلول عام 2025.

كما يسعى العراق لمضاعفة القدرة الإنتاجية من بعض الحقول النفطية، وذلك في إطار خطة لزيادة إنتاج النفط من 5.5 ملايين برميل يوميًّا إلى 6 ملايين برميل يوميًّا بحلول عام 2020. وفي ديسمبر 2017، أقرّت وزارة النفط العراقية خطة لتطوير حقل الناصرية لزيادة إنتاجه إلى 200 ألف برميل مقارنة بحوالي 90 ألف برميل حاليًّا.

ويبدو المناخ الحالي لأسواق النفط مواتيًا لكي تبدأ بعض الدول حديثة العهد في الصناعات الهيدروكربونية -مثل لبنان- في استغلال احتياطاتها من النفط والغاز الطبيعي على سواحلها في البحر المتوسط، وقد وافق مجلس الوزراء اللبناني في ديسمبر 2017 على عرض لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز من اتحاد شركات يضم: "توتال" الفرنسية، و"إيني" الإيطالية، و"نوفاتك" الروسية، وذلك في أول جولة لإصدار تراخيص التنقيب في البلاد.

نموّ إنتاج المشتقات: 

يتوقع أن تشهد طاقة تكرير المشتقات النفطية في منطقة الشرق الأوسط نموًّا تدريجيًّا في العام الجاري بدعم من بدء بعض الدول في تنفيذ وتشغيل مشروعات للمصافي النفطية الجديدة. ومن المقرر أن يبدأ تشغيل منشأة جازان بالسعودية بطاقة 400 ألف برميل يوميًّا في منتصف 2018. ومن المنتظر أيضًا أن تتجه دول أخرى (مثل: سلطنة عمان، والبحرين، والجزائر، وإيران) لتنفيذ مشروعات لزيادة طاقتها من تكرير النفط في العام الجاري، وهو ما سيؤدي لزيادة الطاقة التكريرية للمنطقة خلال السنوات الخمس المقبلة بشكل إجمالي إلى 13.3 مليون برميل يوميًّا في عام 2021، أي بزيادة قدرها حوالي 2 مليون برميل يوميًّا مقارنة بالوضع الحالي.

زيادة إنتاج الغاز:

تضع دول عديدة بمنطقة الشرق الأوسط ضمن أولوياتها في عام 2018 تطوير قدراتها من إنتاج الغاز الطبيعي، وذلك لتلبية تنامي الطلب المحلي عليه أو لأغراض التصدير. وعلى سبيل المثال، بدأت مصر منذ نهاية ديسمبر 2017 إنتاجها من حقل الظهر بالبحر المتوسط بكميات تصل إلى 200 مليون قدم مكعب يوميًّا سترتفع إلى 350 مليون قدم مكعب في 2018. 

شكل (2): إنتاج الغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط (مليار متر مكعب)


Source: MENA Edging from Oil to Gas, BMI Research, June 2017, available on this link, 

https://www.bmiresearch.com/articles/mena-edging-from-oil-to-gas

ويسعى العراق لتطوير إنتاج الغاز المصاحب لحقول النفط على غرار حقل شرقي بغداد، بحيث يصل الإنتاج إلى 20 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًّا. وتعتمد إيران على شركة "توتال" الفرنسية لتطوير المرحلة 11 من حقل "بارس" الجنوبي، والذي من المتوقع أن يضيف 2 مليار قدم مكعب إلى إنتاجها من الغاز الطبيعي. وفي ظل التطورات السابقة، بالإضافة إلى نمو الإنتاج من دول أخرى، من المتوقع أن يتضاعف إنتاج الغاز الطبيعي بالمنطقة بمقدار 103 مليارات متر مكعب سنويًّا ليصل إلى 911 مليار متر مكعب بحلول عام 2026.

إصلاح دعم الطاقة:

اتجهت بعض حكومات المنطقة في الأردن والمغرب ومصر وتونس والسودان منذ عام 2014 إلى رفع أسعار المشتقات النفطية من البنزين والديزل بنسب تتعدى 100% في بعض الأحيان، بسبب ارتفاع الأعباء المالية لدعم الطاقة بالمنطقة في السنوات الماضية، وذلك في محاولة للسيطرة على تفاقم عجز موازنتها العامة.

وأدت إجراءات تقليص دعم الطاقة في الموازنات العامة إلى حدوث بعض الآثار الإيجابية كتخفيف الأعباء المالية، لكنها من جانب آخر تسببت في ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وعلى الرغم من تخفيض الدعم، لا تزال أسعار المشتقات النفطية في بعض دول المنطقة أقل من نظيرتها العالمية، وهذا ما يعني أن هناك حيزًا يسمح باتخاذ قرارات إضافية لتقليص دعم الطاقة في عدد من دول الشرق الأوسط خلال عام 2018 مثل تونس التي أجرت في أول يناير 2018 زيادة في أسعار البنزين بنسبة 2.8%.

توسع الطاقة المتجددة:

اتجهت دول الشرق الأوسط إلى زيادة اعتمادها على الطاقة المتجددة للاستفادة من الطفرة التكنولوجية الكبيرة في هذا القطاع، وقامت الدول المصدِّرة للنفط بتنمية قدراتها التكنولوجية للإفادة من الطاقة الشمسية والرياح، ليس من أجل تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء فقط، وإنما لإتاحة كميات أكبر لتصدير النفط الخام إلى الخارج بدلًا من استهلاكه محليًّا، أما الدول المستوردة للنفط فتسعى لتقليل وارداتها النفطية من خلال الاعتماد على الطاقة المتجددة.

ومن المتوقع أن تواصل دول الشرق الأوسط تقديم الدعم المالي والتنظيمي لصناعة الطاقة المتجددة من أجل تحقيق زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء، ومن المقرر بنهاية عام 2018 أن يتم الانتهاء من تنفيذ مشروعات كبرى في إنتاج الطاقة الشمسية في شمال إفريقيا، أبرزها المرحلة الرابعة من مشروع "نور" التي يطلق عليها "نور- 4" بالمغرب بطاقة إنتاجية قدرها 72 ميجاوات.

ويهدف هذا المشروع بمراحله الأربعة لتلبية نصف احتياجات المغرب من إنتاج الكهرباء. كما تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بتنفيذ العديد من المشروعات المتوقع أن ترفع إنتاجها من الطاقة المتجددة في الأعوام المقبلة، وتخطط السعودية لإنفاق حوالي 50 مليار دولار لتوليد 3.45 جيجاوات من محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بحلول عام 2020. 

صعود الاتجاه شرقًا:

تصاعدت الأدوار الاقتصادية لكلٍّ من الصين وروسيا بالتوازي مع تمدد نفوذهما السياسي والعسكري على المستوى العالمي، وأدى ذلك لتزايد انخراط شركاتهما في قطاع الطاقة بمنطقة الشرق الأوسط، فقد أصبحت الشركات الصينية لاعبًا رئيسيًّا في صناعة النفط العراقية، حيث تمتلك شركات النفط الصينية -وعلى رأسها شركة "سي إن بي سي" الحكومية- أكثر من 20% من مشروعات قطاع النفط العراقي حاليًّا. ويُتوقع أن يتزايد دورها في الفترة المقبلة، وهو ما يؤكده -على سبيل المثال- تعاقد وزارة النفط العراقية مؤخرًا مع "شركة جنهوا" لتطوير حقل النفط الضخم "شرقي بغداد-الجزء الجنوبي" بتكلفة ثلاثة مليارات دولار.

أما الشركات الروسية، فقد تصاعد حضورها في المنطقة في العاميين الماضيين، لا سيما مع استحواذ شركة "روسنفت" الروسية في ديسمبر 2016 على حصة 30% من امتياز شروق البحري المصري من شركة إيني الإيطالية مقابل 1.125 مليار دولار، ويرجح أن يزيد انخراط الشركات الروسية في قطاع النفط بالشرق الأوسط عبر المشاركة في عمليات الإنتاج وتكرير النفط والغاز، علاوة على توريد الغاز المُسال لأسواق الاستهلاك في الشرق الأوسط، خاصة مع ترحيب بعض دول المنطقة بتنامي الدور الروسي.

استمرار صراعات الموارد:

لا تزال الصراعات على الموارد ضمن أهم تحديات قطاع النفط في الشرق الأوسط، حيث وصل هذا الصراع إلى ذروته خلال عام 2015 بالتزامن مع زيادة نفوذ تنظيم داعش في العراق وسوريا، وهو ما تسبب في تصاعد وتيرة الصراع بين التنظيم وغيره من التنظيمات المسلحة الأخرى من جهة، والقوات المُسلحة النظامية التابعة للدولتين من جهة أخرى للسيطرة على الحقول النفطية، بيد أنه مع انهيار التنظيم في عام 2017، تراجعت حدة الصراعات، وتمكنت الحكومات مجددًا من استعادة سيطرتها على معظم مواردها النفطية.

وفي ليبيا، استطاعت قوات الجيش الوطني الليبي منذ عام 2016 من إحكام السيطرة على منطقة الهلال النفطي، وتراجعت حدة الصراع للسيطرة على المنشآت النفطية والموانئ والتي استمرت على مدار السنوات الماضية، وعلى الرغم من ذلك يظل الصراع على الموارد النفطية غير محسوم وقابلًا للتفجر في ظل استمرار هشاشة الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا وسعي الميليشيات المُسلحة لاستعادة السيطرة على الموارد النفطية.

ويتوقع أن تتصاعد وتيرة الصراع على السيطرة على الموارد النفطية، وقد تكون منشآت النفط في بعض دول الصراعات مثل ليبيا هدفًا للجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، وهذا ما يؤكده استهداف خط أنابيب ميناء السدرة الليبي في ديسمبر 2017 مما تسبب في نقص الإنتاج مؤقتًا بحوالي 100 ألف برميل يوميًّا. 

تصاعد التهديدات السيبرانية:

تُعد التهديدات السيبرانية في صدارة التحديات التي تواجهها قطاعات النفط والغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط، وقد تعرضت خلال العام الماضي العديد من الشركات النفطية في الدول المصدرة للنفط لهجمات سيبرانية متعددة، ووفقًا لدراسة أجرتها مؤخرًا شركة "سيمنز" بالتعاون مع معهد "بونيمون" ونشرت نتائجها في نوفمبر 2017، فإن نسبة 50% من إجمالي الهجمات السيبرانية في منطقة الشرق الأوسط عام 2017 قد استهدفت قطاعات النفط والغاز بما يؤثر بشدة على معدلات الإنتاجية والكفاءة والأمان بها.

وفي السياق ذاته، كشفت نتائج الدراسة أن القطاع لا يبدي حتى الآن الاستعداد الكافي لمواجهة التهديدات، حيث إن 19% من شركات النفط والغاز في الشرق الأوسط قد أقرت بأنها تعاني من بُطء نسبي في تنفيذ تدابير الأمن السيبراني الكافية مقارنة مع المعدل العالمي البالغ حوالي 13%، كما أن 17% فقط من شركات المنطقة اعتبرت أنها رائدة في مجال الأمن السيبراني مقارنة بحوالي 22% عالميًّا.

انتشار المراكز اللوجستية: 

تُواصل عدة دول بالشرق الأوسط جهودها للاستفادة من موقعها الجغرافي لتعزيز موقعها كمركز إقليمي لتصدير الطاقة لأوروبا، ومن المتوقع أن تبدأ تركيا التشغيل التجريبي لخط نقل الغاز الطبيعي من أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا "تاناب" في منتصف عام 2018، وذلك بطاقة قرابة 16 مليار متر مكعب من الغاز. كما يسارع كلٌّ من تركيا وروسيا للانتهاء من أعمال بناء المرحلة الأولى من خط السيل التركي المار بأرضيها قادمًا من روسيا إلى الدول الأوروبية بنهاية 2018، فيما من المتوقع دخوله حيز التشغيل 2019. 

وتسعى مصر أيضًا لتكريس موقعها كمركز إقليمي لتصدير الطاقة استغلالًا لموقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر والبحر المتوسط، والزيادة المتوقعة في إنتاج الغاز الطبيعي من حقولها المطلة على البحر المتوسط. وفي نوفمبر 2017، أجرت مصر محادثات مع قبرص لبحث تشييد خط أنابيب لنقل الغاز من حقل أفروديت القبرصي إلى مصر، وبما قد يمهد قريبًا لأن تصبح مصر مركزًا آخر لتصدير الطاقة لأوروبا. 

ختامًا، يتوقع أن يشهد قطاع الطاقة في الشرق الأوسط خلال عام 2018 تحسنًا ملحوظًا على مستوى الأسعار، والاستثمارات، وزيادة الإنتاج، وتطوير البنية التحتية لإنتاج الطاقة وشبكات التصدير؛ إلا أن هذا القطاع لا يزال يواجه تحديات متعددة تتمثل في: عدم اليقين بشأن أسعار النفط، وتزايد التوترات الأمنية، وتصاعد التهديدات السيبرانية، وهو ما قد يؤثر على آفاق النمو والتطور والمكاسب المتوقعة.