التقديرات

أفغنة اليمن:

كيف تعاملت إيران مع مقتل "علي عبدالله صالح"؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الثلاثاء, 05 ديسمبر, 2017

أفغنة اليمن:

على خلاف الأزمات الإقليمية الأخرى، لم تُبدِ إيران ردود فعل سريعة ومتعددة إزاء المواجهات المسلحة التي اندلعت في بداية ديسمبر الجاري بين حركة "أنصار الله" الحوثية وحزب المؤتمر الشعبي بقيادة الرئيس السابق "علي عبدالله صالح" الذي قتل في 4 من الشهر ذاته، رغم أنها كانت معنيّة من البداية بأسباب تلك المواجهات وتداعياتها المحتملة على توازنات القوى في الداخل واتجاهات الأزمة السياسية في المستقبل.

وكان لافتًا أن إيران فضّلت التريث إلى حين استشراف ما سوف تئول إليه المواجهات، تاركة المساحة الأكبر لوسائل إعلامها الرئيسية، القريبة من مؤسساتها النافذة، للتعبير عن آراء ومواقف شبه رسمية، وتوجيه رسائل تهديد ضمنية إلى من يعنيه الأمر، وتحديدًا إلى القوى الدولية والإقليمية التي تسعى إلى مواجهة التداعيات السلبية لتدخلاتها في المنطقة.

لم يظهر أي رد فعل رسمي إيراني تجاه التفاعلات الداخلية المتسارعة في اليمن إلا في 3 نوفمبر 2017، حيث دعت طهران على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية "بهرام قاسمي" مختلف القوى السياسية اليمنية إلى "الحوار وقطع الطريق على الأعداء الخارجيين"، في حين اعتبرت إيران، بشكل غير مباشر، مقتل الرئيس السابق "علي عبدالله صالح" بمثابة "ألطاف إلهية خفية" حسب ما جاء في مقال لصحيفة "كيهان" (الدنيا) التي تعتبر المتحدث بلسان المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي.

رسائل مباشرة:

حرصت إيران منذ بداية الأحداث على تبني الرؤية الحوثية للمواجهات، وكانت أول من سارع إلى نشر خبر مقتل "صالح" الذي أذاعته وسائل الإعلام التابعة لـ"أنصار الله". لكن الأهم من ذلك هو أنها حاولت استغلال ذلك لتوجيه رسائل مباشرة إلى القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة في اليمن، ويتمثل أبرزها في:

1- توجيه اتهامات للقوى الإقليمية بالمسئولية عن تفاقم المواجهات في اليمن: وذلك من خلال الإيحاء بأن اتجاه "صالح" إلى تفكيك التحالف مع الحوثيين كان نتيجة لتفاهمات جرت بينه وبين بعض القوى الإقليمية. ومن هنا كان لافتًا أن إيران ربطت في تعليقها على الأحداث بين دعوتها القوى السياسية اليمنية للحوار وبين دعم قدرتها على مواجهة الجيش اليمني.

2- إطلاق تهديدات غير مباشرة للدول العربية: لم تكتفِ إيران بذلك، بل إنها كانت حريصة أيضًا على توجيه تهديدات غير مباشرة إلى الدول العربية، عبر حركة الحوثيين، حيث تعمدت إلقاء أضواء كثيفة على تهديدات الحوثيين بإطلاق صواريخ تستهدف بعض الدول العربية.

هذا الاتجاه انعكس في تعليق صحيفة "جوان" (الشباب)، المحسوبة على الحرس الثوري، على مزاعم إطلاق صواريخ باليستية تجاه بعض الدول العربية، وهو ما اعتبرته نتيجة لتواصل بعض الأطراف العربية مع "صالح" للتمرد على الشراكة التي أسسها في الأعوام الثلاثة الماضية مع الحوثيين.

واللافت في هذا السياق، هو أن السلطات الإيرانية لم تتخذ موقفًا تجاه تلك التهديدات الضمنية التي وجهتها الصحيفة للدول العربية، على غرار ما فعلت مع صحيفة "كيهان" في 6 نوفمبر 2017، عندما هددت الصحيفة باستهداف المدن العربية بالصواريخ بعد الصاروخ الذي استهدف العاصمة السعودية الرياض قبل ذلك بيومين، وهو ما أدى إلى صدور قرار بوقف الصحيفة لمدة يومين، بسبب مخالفتها لتعليمات المجلس الأعلى للأمن القومي.

ويمكن القول، إن إيران كانت حريصة على عدم تبني الموقف ذاته، بعد أن اعتبرت أن ما يحدث من مواجهات عسكرية في اليمن خلال الفترة الحالية يهدف إلى توجيه ضربة قوية لنفوذها في اليمن، ومساعيها إلى استخدامه كنقطة انطلاق في ممارسة ضغوط وتوجيه تهديدات قوية للقوى الإقليمية والدولية المناوئة لها، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي سبق أن ركزت في الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13 أكتوبر 2017، على الأدوار التي تقوم بها الميليشيات الموالية لإيران في دول الأزمات، وخاصة حركة الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان.

3- استغلال الفوضى الداخلية اليمنية لدعم سياستها التوسعية: رغم حرص إيران على تأكيد أهمية إجراء حوار بين القوى السياسية اليمنية لتسوية الخلافات الحالية؛ إلا أن ذلك لا ينفي أنها ربما تسعى في المرحلة القادمة إلى استغلال الفوضى المتوقعة في اليمن، بعد مقتل "صالح"، لدعم دورها الإقليمي ومواجهة الضغوط التي تتعرض لها بسبب السياسات المناوئة التي تتبناها العديد من القوى الدولية والإقليمية تجاهها.

وبعبارة أخرى، فإن إيران قد ترى أن خروج "صالح" من المشهد السياسي اليمني، وتحول اليمن إلى ما يُشبه "أفغانستان جديدة"؛ ربما يعزز نفوذها داخل اليمن، باعتبار أن تعويلها في الأساس ومن البداية كان على حركة "أنصار الله" الحوثية، وهو ما يمكن أن يدفعها إلى استغلال تلك الفوضى في إدارة تفاعلاتها مع خصومها الإقليميين والدوليين.

وتكمن الخطورة هنا، في أن إيران قد تتجه إلى رفع مستوى انخراطها في تهديد أمن واستقرار الدول العربية، عبر اليمن، خاصة فيما يتعلق بالتهديدات الصاروخية؛ إذ إن إيران تواجه معارضة دولية وإقليمية متصاعدة بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية، الذي يثبت انتهاكها للاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن رقم 2231 بما لا يدع مجالًا للشك.

وقد بدا ذلك جليًّا في مطالبة كلٍّ من ألمانيا وفرنسا، في 4 ديسمبر الجاري، أي في اليوم نفسه الذي قتل فيه "صالح"، إيران بالتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية، ونبذ ما أسمته بـ"إغراءات الهيمنة" في الشرق الأوسط.

ومن دون شك، فإن هذه الدعوات لن تدفع إيران إلى تبني سياسة مرنة في التعامل معها، لكنها قد تجعلها تتجه نحو اختبار بدائل أخرى أقل حدة في رؤيتها، على غرار استخدام اليمن كنقطة انطلاق لتهديد أمن دول الجوار عبر الصواريخ التي يمتلكها الحوثيون والتي أثبت أحد التقارير الأخيرة للأمم المتحدة أنها إيرانية الصنع.

وربما تتزايد أهمية ذلك بالنسبة لإيران في حالة ما إذا تصاعدت حدة التوتر في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة إذا اتجهت إدارة الرئيس "دونالد ترامب" إلى استهداف ما أسمته "أذرع إيران في المنطقة"، في إشارة إلى الميليشيات الطائفية الموالية لإيران في دول الأزمات.

وهنا، فإن إيران قد ترى أن القدرات الصاروخية للحوثيين يمكن أن توفر فرصة لاستهداف المصالح الأمريكية أيضًا على غرار ما حدث عندما أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه البارجة الأمريكية "يو إس إس مايسون" في يومي 10 و12 أكتوبر 2016، والتي كانت تقوم بمهام في المياه الدولية قرب مضيق باب المندب.

تداعيات سلبية:

إن تعويل إيران على أن مقتل "صالح" سوف يساهم في دعم نفوذها داخل اليمن، واتجاهها إلى توسيع نطاق تبنيها لاستراتيجية الحرب بالوكالة عبر الأراضي اليمنية؛ يمكن أن يفرض تداعيات سلبية عديدة على مصالحها ودورها الإقليمي؛ إذ إن ذلك سوف يلقي مزيدًا من الأضواء على التداعيات السلبية التي يفرضها التغاضي عن الأدوار التي تقوم بها على الساحة الإقليمية، وقد يكون ذلك مقدمة لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة في التعامل مع انتهاكاتها للقرارات الدولية، لا سيما القرار 2231 الذي أضفى شرعية دولية على الاتفاق النووي، والقرار 2216 الخاص بالأزمة في اليمن.

وقد انعكس ذلك في ردود الفعل الدولية التي بدأت تظهر بعد مقتل "صالح"، حيث دعت الولايات المتحدة الأمريكية جميع الأطراف اليمنية إلى إحياء المفاوضات السياسية بهدف الوصول إلى تسوية للأزمة بعد غياب الرئيس السابق عن المشهد السياسي، معتبرة أن ذلك "يظهر مدى الاضطراب الذي تسببه تلك الحرب للمنطقة"، ومشيرة -في الوقت نفسه- إلى "استغلال النظام الإيراني للحرب من أجل طموحاته السياسية".

مخاطر الميليشيات الشيعية:

تطورات متسارعة وتحركات متقاطعة كلها توحي بأن التداعيات السلبية التي تفرضها تدخلات إيران في المنطقة سوف تكون عنوانًا رئيسيًّا للمواجهة بين طهران وبعض القوى الدولية والإقليمية خلال المرحلة القادمة، خاصة بعد أن تجاوزت تلك المواجهة حدود الخلاف حول الاتفاق النووي، وامتدت إلى المخاطر التي توجهها الميليشيات الطائفية الموالية لإيران داخل دول الأزمات.