التقديرات

قضايا عالقة:

إشكاليات نزع أسلحة الفواعل العنيفة في الإقليم

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الإثنين, 13 نوفمبر, 2017

قضايا عالقة:

يعد نزع الأسلحة، بشكل كلي أو جزئي، للفواعل العنيفة ما دون الدولة أو في المناطق الحدودية الملتهبة، أحد المتطلبات الرئيسية للاستقرار، على المستويين الداخلي أو الإقليمي، وهو ما ينطبق جليًا على "حزب الله" في لبنان وحركة "حماس" في الأراضي الفلسطينية وميلشيا "الحوثيين" في اليمن والميلشيات الشيعية والكردية في سوريا و"الحشد الشعبي" في العراق فضلاً عن عشرات الميلشيات المسلحة والكتائب المناطقية في ليبيا، وكذلك ميلشيات القبائل التي تختص بحمايتها والدفاع عنها مثل "قوات الدعم السريع وحرس الحدود" (الجنجويد) في السودان، على نحو يعبر عن جيوش جوالة تعبر الحدود الرخوة.

وقد صرح الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بعد لقائه رئيس مالطا ماري لويز كولايرو، في 8 نوفمبر الجاري، قائلاً: "إن ليبيا لم تبق دولة بعد أحداث السنوات الأخيرة بل انقسمت إلى ملل ونحل"، وأشار إلى أن "الانقسامات في ليبيا خلقت بؤرًا للتوتر في دول الجوار"، وهو ما يستدعي بدوره نظرية "البيوت الخشبية" التي تفترض أن النيران المشتعلة في إحدى الدول تمتد إلى دول أخرى، لا سيما في ظل تنوع الفصائل الداخلية المتصارعة وتنافس الأجندات وتعارض المصالح ومحاولة كل فصيل الاحتفاظ بالحد الأقصى من السلطة في أية ترتيبات انتقالية وعدم الوصول إلى ما يطلق عليه إنضاج الصراع.

غير أن هناك جملة من الإشكاليات تواجه نزع أسلحة الميلشيات السنية والشيعية تتعلق باندماج بعض الميلشيات داخل بنية مؤسسات الدولة العربية، وانتشار نمط الميلشيات ذات الطبيعة الطائفية، ومنع مزيد من التصعيد في التوترات الإقليمية، وتعقيدات إنجاح جهود المصالحة الوطنية، والتهديدات الأمنية المتصاعدة المرتبطة بمواجهة جيوب التنظيمات الإرهابية والهجمات المضادة لها، وتوظيف القوة الميدانية للسيطرة على الموارد الاقتصادية، والمخاوف القبلية من فقدان مصادر القوة التقليدية، والحدود المشتركة غير المسيطر عليها.

 إن ثمة حزمة من الإشكاليات التي تواجه الحكومات وبصفة خاصة الجيوش النظامية في اتجاه نزع أسلحة الفواعل ما دون الدولة في الشرق الأوسط، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

شرعية السلاح:

1- التمثيل في هياكل السلطة القائمة: عبر اندماج بعض الميلشيات المسلحة ضمن أطر وهياكل "أشباه الدولة"، لا سيما بعد تغلغلها في بعض المؤسسات الأمنية والعسكرية على غرار ليبيا واليمن ولبنان والعراق. ولعل ما يدعم هذا التفسير دفاع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن ميلشيا "الحشد الشعبي"، إذ أكد على أنها جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة العراقية الخاضعة لسلطته، باعتباره القائد العام لتلك القوات، وذلك بالتوازي مع ظهور خلافات عديدة بعد مشاركتها في الصراع السوري والضغوط الأمريكية لمنع تحولها إلى العمل السياسي.

وكذلك الحال بالنسبة لـ"حزب الله" في لبنان الذي تحول إلى فاعل رئيسي مهيمن على صنع القرار السياسي وفرض أمرًا واقعًا بقوة السلاح داخل لبنان، بل تجاوز دوره النطاق الداخلي إلى السياق الإقليمي بعد دعمه لنظام الأسد، وتوافقه مع أجندة طهران، الأمر الذي أدى إلى إثارة مشكلات حادة مع دول الجوار، على نحو قاد إلى استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري.

وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في 9 نوفمبر الجاري، أن "ميلشيا حزب الله اختطفت الدولة اللبنانية ووضعت الحواجز أمام كل مبادرة لرئيس الحكومة اللبنانية المستقيل، سعد الحريري، وفوق كل هذا تصر على الاحتفاظ بالسلاح، ما يتعارض مع احترام سيادة المؤسسات الرسمية". وأضاف: "إن ميلشيات حزب الله أداة إيرانية للسيطرة على البلاد، كما أنها أداة للتدخل في سوريا وحماس والحوثيين، ومحاولة زعزعة الأمن  في الخليج من خلال تهريب السلاح إلى البحرين".

 كما اعتبرت الحكومة السعودية، على لسان وزير الدولة لشئون الخليج العربي ثامر السبهان، في 7 نوفمبر الجاري، حكومة لبنان "حكومة إعلان حرب" بسبب ميلشيا "حزب الله"، إذ أن الأخير يؤثر في كافة القرارات التي تتخذها حكومة لبنان، ومن ثم صار نزع سلاحه مطلبًا ليس داخليًا فقط وإنما إقليميًا ودوليًا أيضًا.

جيوش مذهبية:

2- انتشار نمط الميلشيات ذات الطبيعة الطائفية: وهو ما ينطبق على الميلشيات المذهبية (العلوية- الدرزية- المسيحية) التي تأسست لحماية كل طائفة من التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" و"جبهة النصرة"، وهي إن كانت لا تشارك في عمليات عسكرية مباشرة إلى جانب قوات نظام الأسد ضد المعارضة المسلحة بل تلتزم بحدود مناطقها، إلا أن طبيعتها الطائفية يمكن أن تزيد من مخاطر الاقتتال بين مكونات المجتمع السوري.

أما الميلشيات الأخرى فهى شيعية مرتبطة بالأجندة الإيرانية، وتخضع لسيطرتها من حيث الدعم السياسي والتمويل المادي، وتغولت على قوات النظام السوري وصارت بمثابة القوة البرية الضاربة في مواجهة المعارضة المسلحة. وتتركز مهام تلك الميلشيات في تثبيت نفوذ طهران في سوريا، الأمر الذي يثير مخاوف لدى نظام الأسد في مراحل ما بعد انتهاء الصراع، ولعل التواجد الروسي قد يسهل عملية نزع سلاح الميلشيات الشيعية السورية وحلها.

وهنا ربما يتم إعادة دمج بعض مقاتليها في قوات الجيش النظامي، بالإضافة إلى الحيلولة دون بقاء أى من الميلشيات الشيعية في الأراضي السورية وعلى رأسها "حزب الله". ولا يهدف ذلك إلى إضعاف نفوذ طهران في سوريا لصالح نفوذ موسكو، وإنما يصب في حماية أمن إسرائيل التي لن تقبل بوجود إيراني على حدودها مع سوريا. لذا تمثلت إحدى النقاط الرئيسية التي كانت محورًا لتفاهمات بين الولايات المتحدة وروسيا في إبعاد ميلشيات إيرانية عن حدود الأردن.

مضاعفات الفوضى:

3- منع مزيد من التصعيد في التوترات الإقليمية: يسود اتجاه في بعض الأدبيات مفاده أن مطالبة "حزب الله" بنزع سلاحه، وخاصة في ظل الضغوط الدولية الرامية إلى التصدي للتهديد الذي يشكله يمكن أن تؤثر على الاستقرار الإقليمي، إذ يعد نزع سلاح "حزب الله" مهمة شاقة لا يستطيع اللبنانيون القيام بها وحدهم، وهو ما يثير قلق أطراف عديدة من التصعيد بين القوى الإقليمية المتنافسة.

وفي هذا السياق دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في 12 مايو الماضي، الحكومة والجيش اللبنانيين لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع "حزب الله" والجماعات المسلحة الأخرى بالبلاد من الحصول على أسلحة وبناء قدرات شبه عسكرية خارج نطاق سلطة الدولة. كما دعا دول المنطقة التي لها علاقات وثيقة مع "حزب الله" إلى تشجيع تحول هذه الجماعة المسلحة إلى حزب سياسي صرف ونزع سلاحها.

 كما حذرت السفيرة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هالي، في 20 يوليو 2017، من أن "حزب الله" يعزز ترسانته من الأسلحة، الأمر الذي يستوجب أن يمارس المجتمع الدولي المزيد من الضغوط عليه لنزع سلاحه والكف عن سلوكه المزعزع للاستقرار، وخاصة تجاه إسرائيل، وهو ما جاء عشية جلسة لمجلس الأمن بشأن بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل) المنتشرة في جنوب لبنان.

سلاح واحد:

4- تعقيدات إنجاح جهود المصالحة الوطنية: تصر السلطة الفلسطينية على نزع سلاح حركة "حماس" لإنجاح المصالحة الفلسطينية على قاعدة "سلاح واحد وقانون واحد"، وفقًا لتصريحات صادرة عن مدير عام الشرطة الفلسطينية حازم عطا الله في 7 نوفمبر الجاري، إذ رفض احتفاظ كتائب "عزالدين القسام" التابعة لـ"حماس" بسلاحها، وقال: "هذا مستحيل.. كيف يمكنني تولي الأمن عندما يوجد هناك كل تلك الصواريخ والمسدسات وغيرها؟ هل هذا ممكن".. غير أنه ليس هناك ما يشير إلى أن "حماس" ستحل جناحها العسكري.

 وعلى الرغم من غياب ردود فورية من جانب الحركة على تصريحات عطاالله، إلا أن هناك تصريحات سابقة ليحيى السنوار رئيس مكتبها السياسي في قطاع غزة تشير إلى أن "نزع سلاح الحركة يشبه حلم إبليس في الجنة". وأضاف، في 19 أكتوبر الماضي، أن "لا أحد في الكون يستطيع نزع سلاحنا، بل سنواصل امتلاك القوة لحماية شعبنا". فقد اشترطت كل من إسرائيل والولايات المتحدة على حركة "حماس" الاعتراف بإسرائيل ونزع سلاحها، وهو ما رفضته "حماس".

الارتدادات العكسية:

5- الهجمات المضادة للتنظيمات الإرهابية: فعلى الرغم من أن عام 2017 شهد ضربات قوية تعرضت لها التنظيمات الإرهابية التي سيطرت على مناطق رئيسية في بعض دول الأزمات، مثلما هو الحال بالنسبة لـ"داعش" في العراق وسوريا واليمن وليبيا، إلا أن هناك جيوبًا لاتزال موجودة وخلايا داعمة تواصل دعمها، الأمر الذي يبرر الاحتياج لأدوار ميليشيا مثل "البيشمركة" الكردية.

على جانب آخر، فإن الإصرار الروسي والسوري على ضرورة نزع سلاح الفصائل المسلحة في الجنوب السوري وخاصة ميلشيا "الجيش السوري الحر" لا يحظى بدعم بعض دول الجوار خاصة الأردن، التي تبدي-حسب اتجاهات عديدة- مخاوف إزاء احتمال أن يؤدي نزع سلاح هذه الميلشيات إلى تحول بعض مقاتليها إلى التنظيمات الإرهابية، خاصة أن تنظيم "داعش" ينتشر بقوة على حدودها الشمالية عبر فصيل محدد تابع له هو "جيش خالد بن الوليد".

شبكة الزبائنية:

6- توظيف القوة الميدانية للسيطرة على الموارد الاقتصادية: وهو ما يفسر تفاقم القتال بين العشائر الشيعية المتنافسة على الأراضي الزراعية وعقود البناء الحكومية وملكية الأراضي خلال شهرى أغسطس وسبتمبر 2017 في البصرة، وتحديدًا في المنطقة الرئيسية المنتجة للنفط الخام في جنوب العراق. وفي هذا السياق، قال علي شداد رئيس لجنة النفط والغاز بمجلس محافظة البصرة، في 11 سبتمبر 2017، أن "النزاعات العشائرية أخذت في التفاقم مؤخرًا ومثل هذا التطور السلبي قد يهدد نشاطات الشركات الأجنبية للطاقة".

ازدواج المعايير: 

7- المخاوف القبلية من فقدان مصادر القوة التقليدية: على نحو يفسر أسباب عدم الاستجابة لحملة نائب رئيس جمهورية السودان حسبو محمد عبدالرحمن التي وجهها في يوليو وأغسطس 2017 لنزع الأسلحة في إقليم دارفور وتسليمها في عدد من المراكز التي خصصت لجمعها وتشرف عليها القوات المسلحة في الفاشر ونيالا وزالنجي والضعين والجنينة وغيرها.

فوفقًا لاتجاهات عديدة، فإن الأسلحة في دارفور هى الوسيلة الوحيد لحماية القبيلة، وأى قبيلة لا تمتلك أسلحة سيتم القضاء عليها، وعدم قيام الحكومة السودانية بسحب الأسلحة من قوات الدعم السريع التي تعد جزءًا من ميلشيا قبلية يوجه رسالة محددة مفادها أنه يتم نزع الأسلحة من أطراف بعينها، الأمر الذي أدى إلى قيام كثير من الأفراد والجماعات بتخزين وتكديس الأسلحة في أماكن مختلفة، فضلاً عن إرسالها إلى بعض القرى البعيدة والنائية على نحو يعكس مناهضتها لهذا القرار.  

تخوم سائبة:

8- الحدود المشتركة غير المسيطر عليها: وجه رئيس جنوب السودان سلفاكير، خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس السوداني عمر البشير في الخرطوم في 2 نوفمبر الجاري، اتهامات للسودان باعتبارها "مصدر السلاح الذي يأتي لجنوب السودان ويخلق لنا المشكلات". وقد جاءت هذه الاتهامات في سياق زيارة سلفاكير للخرطوم بهدف حل القضايا العالقة بين الدولتين منذ انفصال جنوب السودان في عام 2011.

وعلى الرغم من التوقيع على بعض الاتفاقيات مثل الاتفاقية التي قضت بـ"اقتطاع منطقة حدودية ينزع سلاحها وتسحب منها الجيوش" حيث أطلق عليها "المنطقة منزوعة السلاح"، إلا أن ثمة اختراقًا واضحًا لتلك المناطق على نحو ساهم في إشعال الحرب الأهلية في جنوب السودان. وطبقًا لإحدى الإحصائيات الصادرة عن الأمم المتحدة، فقد فر أكثر من 450 لاجئ جنوب سوداني إلى السودان منذ اندلاع الحرب، في حين تؤكد الحكومة السودانية أن عددهم يبلغ 1,3 مليون شخص.

فحل النزاعات الحدودية وبناء منطقة عازلة والاتهامات المتبادلة بدعم المتمردين في الدولتين تمثل قضايا عالقة، إذ تتهم السودان جارتها جنوب السودان بمساعدة المتمردين في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، في حين توجه جوبا اتهامات للخرطوم بدعم خصم سلفاكير ونائبه السابق رياك مشار منذ اندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان في نهاية عام 2013.

غير أن وزير الدفاع السوداني عوض بن عوف أكد مؤخرًا أن الاتهامات المتبادلة بدعم حركات التمرد انتهت تمامًا، وأن الطرفين اتفقا على تفعيل اللجان المشتركة ووضع نقاط المراقبة على الحدود والتواصل المباشر لتحقيق المصلحة المشتركة لإيجاد الحلول الجذرية للقضايا العالقة.

عملية معقدة:

خلاصة القول، إن عملية نزع الأسلحة من أيدي الأطراف غير الحكومية، وإعادة التأهيل والدمج لمقاتليها في المؤسسات العسكرية والأمنية (الجيش، الشرطة، المخابرات، حرس الحدود) في دول ما بعد الصراعات، مرهونة بتجاوز تعقيدات المراحل الانتقالية وتجريم بعضها وإدراجها على لوائح الإرهاب، وفرض عقوبات مالية عليها وعلى المتعاونين معها، وربما توجيه ضربات متواصلة ضد كوادرها، على نحو يجعل تلك العملية معقدة، وذات أبعاد سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية، ولا يمكن تبعًا لها تحقيق الاستقرار الإقليمي على المدى البعيد إلا من خلال برامج مسئولة ومدروسة لإدارة الأسلحة، تتعاون فيها مؤسسات دولية ويتم الاستعانة بخبرات إقليمية وقوى داخلية داعمة لهذا المسار في سياق إعادة البناء الوطني.