التقديرات

دوافع متعددة:

لماذا لا تنضم بعض المجموعات الإرهابية لتنظيم "القاعدة"؟

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأحد, 12 نوفمبر, 2017

دوافع متعددة:

شهدت منطقة الساحل والصحراء خلال السنوات الأخيرة ظهور عدد من المجموعات الإرهابية التي تتبنى توجهات متطرفة لكن دون الانخراط في أىٍ من التنظيمات الرئيسية العابرة للحدود، خاصة تنظيم "القاعدة"، رغم العلاقات القوية التي أسسها مع هذه المجموعات، لدرجة أن اتجاهات عديدة اعتبرت أن بعضها يمثل فروعًا له دون الإعلان عن ذلك بشكل صريح، خاصة وأن توجهاتها تتطابق إلى حد كبير مع الفكر "القاعدي"، فضلاً عن أنها تبدي دعمًا للتنظيم عندما يقوم بشن هجمات إرهابية داخل بعض المناطق، وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب تعدد هذه المجموعات واختلاف مسمياتها وحرصها في الوقت ذاته على التمايز عن تنظيم "القاعدة".

سيولة تنظيمية:

رغم أن تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" حرص على دعم تمدده داخل تلك المنطقة، خاصة بعد أن تراجع نفوذ تنظيم "داعش"، إلا أن ذلك لم يمنع ظهور العديد من المجموعات المتنوعة فكريًا والتي لم تنضم إلى التنظيم بشكل رسمي. واللافت في هذا السياق، هو أن تنظيم "القاعدة" لم يتجه إلى الدخول في مواجهات مع هذه المجموعات كما لم يحاول القضاء عليها أو الحد من نفوذها، على غرار ما فعل مع المجموعات التي تنتمي إلى تنظيم "داعش"، رغم أن التنافس غالبًا ما يكون سمة رئيسية للعلاقات بين التنظيمات الإرهابية.

وتعد جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، والتى تأسست بعد اندماج أربع تنظيمات إرهابية في منطقة الساحل والصحراء، هى "إمارة منطقة الصحراء" و"تنظيم المرابطون" و"جماعة أنصار الدين" و"جبهة تحرير ماسينا"، في 2 مارس 2017، بقيادة اياد اغ غالى زعيم "جماعة أنصار الدين"، أبرز هذه المجموعات، حيث تضم فى عضويتها كلاً من "جبهه تحرير ماسينا" التى تنتمي إلى عرقية الفولانى، و"أنصار الدين" التي تنتمي إلى الطوارق. ورغم علاقاتها القوية مع تنظيم "القاعدة"، إلا أنها حرصت على تبني توجهات أكثر اتساعًا من أجل استيعاب العديد من المجموعات المتطرفة التي تتباين فيما بينها على المستوى الفكري.

كما شهدت المنطقة أيضًا ظهور مجموعات أخرى أقل قوة وانتشارًا من التنظيمات السابقة، مثل "جماعة أنصار الإسلام" في بوركينافاسو، والتى تعتبر إحدى المجموعات القريبة من "جبهة تحرير ماسينا"، وتصنف على أنها إحدى التنظيمات العرقية التي تتبنى توجهات إرهابية، حيث أنها تمثل عرقية الفولانى، وهو ما يفسر عدم وجود أى عناصر تنتمي لجنسيات أو عرقيات أخرى داخلها، بخلاف "جماعة أنصار الدين" أو "التوحيد والجهاد"، التى يضم كل منها مقاتلين أجانب.

كما ظهرت في تونس أيضًا بعض التنظيمات القريبة من تنظيم "القاعدة" مثل "كتيبة عقبة بن نافع" و"كتيبة الفتح المبين"، الأمر الذى يشير إلى أن هذه المجموعات حرصت على اختيار أسماء لا توحي بالارتباط بـ"القاعدة"، رغم أنها تتبع الفكر "القاعدي" بدرجة كبيرة.

اعتبارات مختلفة:

ربما يمكن تفسير حرص هذه المجموعات الإرهابية على التمايز تنظيميًا عن "القاعدة"، رغم التقارب الفكري، في ضوء اعتبارات عديدة يتمثل أبرزها في:

1- تقليص حدة القيود التنظيمية: رغم أن توجهات تلك المجموعات والتنظيمات السابقة قريبة إلى حد كبير من النهج "القاعدي"، إلا أنها لا ترغب في الانخراط في صفوف "القاعدة" تجنبًا للقيود التنظيمية التي يمكن أن تتعرض لها في هذه الحالة، بشكل قد يفرض خيارات تحد من حرية الحركة وهامش المناورة المتاح أمامها باعتبار أنها ستلتزم بمبدأ "السمع والطاعة" للتنظيم الرئيسي، وهو ما يمكن أن يدفعها إلى الانخراط في معارك وعمليات إرهابية لا ترغب بالمشاركة فيها، أو تنفيذ مهام ربما تتعارض مع مصالحها وحساباتها الحالية.

2- تحقيق الأهداف الخاصة: تصف اتجاهات عديدة بعض المجموعات التي ظهرت في منطقة الساحل والصجراء بأنها "تنظيمات الإرهاب القبلي أو العرقى"، نظرًا لأنها تأسست بهدف تحقيق أهداف لها علاقة بامتداداتها العرقية أو القبلية، من خلال رفع شعارات جهادية، مثل "جبهة تحرير ماسينا" و"جماعة أنصار الإسلام" في بوركينافاسو، وبالتالي فإن الانضمام إلى تنظيم "القاعدة" ومبايعته يمكن أن يضع عقبات أمام تحقيق أهدافها ويزيد من احتمالات تراجع الدعم القبلي والعرقي لها بما يخصم من قدرتها على تجنيد مزيد من العناصر المتطرفة من داخل تلك المكونات.

3- الحصول على مزيد من الدعم: من المتعارف عليه في أوساط التنظيمات الإرهابية أن الدعم المالي لاستقطاب ولاء المجموعات الأخرى غالبًا ما يكون أكبر من الدعم الذي يقدم للمجموعات التابعة للتنظيم بالفعل، باعتبار أن الهدف الأساسي الذي تسعى التنظيمات الإرهابية الرئيسية إلى تحقيقه من خلال ذلك يتمثل في دفع تلك المجموعات إلى إعلان مبايعتها والالتزام بتوجهاتها الإرهابية.

4- التوسع في التجنيد: تحرص بعض المجموعات الإرهابية على اختيار مسميات عامة، مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" و"أنصار الإسلام" و"أنصار الشريعة"، وذلك بهدف تعزيز قدرتها على استقطاب عدد أكبر من العناصر الإرهابية، التي يمكن أن يتبع بعضهم توجهات تتباين مع أفكار تنظيم "القاعدة".

5- مواجهة الضغوط الخارجية: ترى بعض المجموعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء أن انضمامها إلى تنظيم "القاعدة" يمكن أن يُعرِّضها لضغوط إقليمية ودولية أكثر قوة خلال المرحلة القادمة، خاصة أن بعض قادة وكوادر تلك المجموعات لا يستبعدون أن يكون تنظيم "القاعدة" هو الهدف التالي للعمليات العسكرية التي تشنها بعض القوى الإقليمية والدولية، خاصة بعد الهزائم التي منى بها "تنظيم داعش" في كل من سوريا والعراق خلال الفترة الأخيرة.

 وفي النهاية، ربما يمكن القول إن هذا الاتجاه سوف يتصاعد خلال المرحلة القادمة، خاصة في ظل اتساع نطاق الاهتمام الدولي بمحاربة التنظيمات الرئيسية الموجودة على الساحة، واستمرار الصراع والتنافس سمة رئيسية في التفاعلات التي تجري فيما بينها.