التقديرات

مخاوف كامنة:

دلالات التصعيد الإيراني الجديد ضد واشنطن

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

الأربعاء, 11 أكتوبر, 2017

مخاوف كامنة:

بدأت إيران في توجيه تهديدات جديدة للولايات المتحدة الأمريكية بعد التلميحات التي أشارت إلى إمكانية إقدام إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وضع الحرس الثوري على لائحة وزارة الخزانة الأمريكية للتنظيمات الإرهابية، وذلك في إطار التصعيد المستمر بين الطرفين حول الاتفاق النووي، والذي فرضته انتهاكات إيران المستمرة له، في ظل تعمدها إجراء مزيد من التجارب الخاصة بصواريخها الباليستية، وتدخلها في الشئون الداخلية لدول المنطقة، بشكل أدى إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.

ورغم أن اتجاهات عديدة أشارت إلى أن إيران تسعى من خلال ذلك إلى توجيه رسائل إلى الداخل للتخفيف من حدة الضغوط التي أنتجتها التهديدات الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق النووي، إلا أن ذلك لا ينفي أن إيران تبدي تخوفات ملحوظة بالفعل إزاء التداعيات المحتملة التي قد يفرضها إقدام الإدارة الأمريكية على هذه الخطوة تحديدًا، والتي لا تنحصر في تعزيز الجهود التي تبذلها أطراف عديدة لمواجهة محاولات إيران التمدد في المنطقة، وإنما تمتد أيضًا إلى عرقلة مساعي حكومة الرئيس حسن روحاني للحصول على أكبر قدر من العوائد الاقتصادية للاتفاق النووي.

رسائل مباشرة:

 وجه قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري، في 8 أكتوبر 2017، تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة الأمريكية، حيث قال أنه "إذا وضعت واشنطن الحرس الثوري في قائمة الإرهاب، فإننا سنعتبر الجيش الأمريكي في العالم كله وخاصة في منطقة الشرق الأوسط على غرار داعش"، مضيفًا أن "واشنطن سيتحتم عليها نقل قواعدها في المنطقة خارج مدى الصواريخ الإيرانية الذي يبلغ 2000 كيلو متر"، وذلك في حالة اتجاهها إلى رفع مستوى العقوبات المفروضة على إيران.

وبدا لافتًا أن حكومة الرئيس روحاني حرصت على مجاراة هذا التصعيد الملحوظ من جانب الحرس الثوري، حيث حذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، في 9 أكتوبر، من أنه "إذا اتخذت الإدارة الأمريكية هذه الخطوة فإن رد إيران سيكون صارمًا وقاسيًا جدًا".

ويبدو أن الحكومة تهدف من خلال ذلك إلى تأكيد أن هذا التصعيد يحظى بتوافق بين المؤسسات الرئيسية النافذة في النظام، ولا يقتصر على تيار أو مؤسسة بعينها، وذلك بهدف تقليص حدة الانتقادات التي تعرضت لها في الفترة الأخيرة، بسبب سعيها إلى طرح مبادرات وأفكار جديدة لتعزيز فرص استمرار العمل بالاتفاق النووي رغم الإجراءات التي تتخذها الإدارة الأمريكية.

تداعيات متداخلة:

اتجاه إيران إلى رفع مستوى التصعيد مع الإدارة الأمريكية في هذا التوقيت يشير إلى أنها تبدي قلقًا واضحًا إزاء التأثيرات التي يمكن أن يفرضها ضم الحرس الثوري لقائمة الإرهاب الأمريكية.

إذ أن ذلك من شأنه وضع مزيد من العقبات التي يمكن أن تخصم من الجهود التي تبذلها حكومة الرئيس حسن روحاني للحصول على عوائد أكبر من الاتفاق النووي، في حالة ما إذا لم تنسحب الولايات المتحدة الأمريكية أو استمر العمل به بدونها، من خلال التعويل على الشراكات الاقتصادية مع القوى الدولية الأخرى التي ما زالت حريصة على تجنب انهيار الاتفاق، وفي مقدمتها روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وبريطانيا.

وبعبارة أخرى، فإن هذه الخطوة سوف تفرض مزيدًا من الضغوط على الشركات والمصارف الأجنبية من أجل عدم الانخراط في تعاملات اقتصادية مع جهات داخل إيران، باعتبار أن تلك الجهات قد تكون تابعة للحرس الثوري، أو يستخدمها الأخير في الالتفاف على الالتزامات الدولية التي يتضمنها الاتفاق النووي.

 وهنا، فإن بعض الشركات الأجنبية التي وقعت صفقات مع إيران قد تتراجع عنها في المستقبل، في ظل حرصها على تجنب التعرض لعقوبات أمريكية بعد اتهامها بالتعامل مع جهات محسوبة على الحرس الثوري، على غرار ما حدث قبل ذلك، عندما انسحبت بعض الشركات الكبرى من السوق الإيرانية استجابة للعقوبات الدولية التي فرضت على إيران بسبب أزمة برنامجها النووي، والتي رفعت بعد ذلك عقب الوصول إلى الاتفاق النووي في منتصف يوليو 2015.

ومن دون شك، فإن هذا الاحتمال سوف يقلص إلى حد كبير من أهمية المبادرة التي طرحها بعض المسئولين الإيرانيين، على غرار رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية على أكبر صالحي، للتعامل مع الانسحاب الأمريكي المحتمل من الاتفاق النووي، والتي تقوم على مواصلة العمل بالاتفاق في حالة ما إذا التزمت الأطراف الأخرى به.

ففضلاً عن أن هذا الانسحاب المحتمل سوف يضعف من المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تعود على إيران من الاتفاق النووي في المرحلة القادمة، فإن تصنيف "الباسدران" كمنظمة إرهابية قد يقضي على أية مكاسب أخرى بمكن أن  تنتج عن استمرار العمل بالاتفاق.

مواجهة محتملة:

إلى جانب ذلك، فإن هذه الخطوة الأخيرة التي قد تتخذها الإدارة الأمريكية سوف تضيف أعباءً وضغوطًا جديدة على إيران، التي أثارت الأدوار التي تقوم بها على الساحة الإقليمية استياءً دوليًا وإقليميًا واسعًا، لا سيما أنها تسببت في تصاعد حدة الأزمات الإقليمية المختلفة وتفاقم تهديدات التنظيمات الإرهابية.  

إذ أن ذلك قد يؤشر إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعمل في المرحلة القادمة على اتخاذ خطوات إجرائية على الأرض لمواجهة تلك التدخلات، التي يقوم بها الحرس الثوري في الأساس.

ويستند هذا الاحتمال تحديدًا إلى مؤشرات عديدة، يتمثل أبرزها في اتجاه الإدارة الأمريكية إلى وضع استراتيجية شاملة لمواجهة الطموحات النووية والإقليمية الإيرانية، في ظل التحفظات العديدة التي تبديها على الاتفاق النووي، والذي ترى أنه لم يساهم في تعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط، بسبب السياسة المتشددة التي تتبناها إيران، والتي عرقلت الجهود المبذولة للوصول إلى تسويات للأزمات الإقليمية المختلفة.

وبعبارة أخرى، يمكن القول إن اتجاهات عديدة داخل إيران باتت ترى أن الانسحاب الأمريكي المحتمل من الاتفاق النووي، والذي قد يعقبه فرض عقوبات جديدة على إيران سوف تمتد إلى الحرس الثوري والجهات التابعة له، سيمثل مقدمة للانخراط في مواجهات مباشرة وغير مباشرة في بعض دول الأزمات، أو تحديدًا في المناطق التي ينشط فيها الحرس أو الميليشيات التابعة له، والتي قام بتكوينها وتدريبها لحماية مصالح إيران في تلك المناطق.

حسابات بديلة:

لكن رغم ذلك، فإن هذه التهديدات المستمرة لا تعني أن إيران في وارد اتخاذ خطوات إجرائية لتفعيلها، خاصة أنها ما زالت حريصة حتى الآن على عدم المجازفة بخيار الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي قد تفرض عواقب وخيمة عليها في وقت تواجه أزمات داخلية وإقليمية لا تبدو هينة.

فضلاً عن أنها لم تتراجع بعد عن سياسة "الحرب بالوكالة" والتي تقوم على تكليف الميليشيات الموالية لها بمهام عابرة للحدود من أجل الدفاع عن مصالحها، على غرار ما يحدث في دول الأزمات خلال الفترة الحالية، بشكل يزيد من احتمالات تحول تلك الميليشيات إلى متغير مهم سوف يساهم في تحديد اتجاهات التصعيد المحتملة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة القادمة.